الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الكتابة حول الذاكرة

محمد بلمزيان

2020 / 7 / 6
مواضيع وابحاث سياسية


حينما قررت تدوين جزء من الذاكرة التلاميذية تساءلت مع نفسي وطرحت الكثير من علامات الإستفهام محاولا الإجابة عن بعضها لتقدير حجم المسؤولية التي تتطلبها الكتابة عن الذاكرة، وقد أشركت معي مجموعة من الأصدقاء والرفاق الذين هم شهود على المرحلة برمتها، بل من صانعيها وفاعليها الرئيسيين خلال مرحلة شبابية موسومة بالصراع والتوتر، مشحونة بفعل غياب مطالب أسياسية لتحقيق عملية التعلم والتمدرس،وطيلة عملية إستعادة هذه الذاكرة الجريحة اشتغلت على عمليتي الإصغاء والإستقصاء من دقائق بعض الأحداث رغم أنني كنت واثقا من تطابقها تمام التطابق، خاصة وأن من قمت بالإصغاء لهم هم نفس جيلي قد عايشنا معا وعن كثب تدفق شلال وقائعها ، بل ونحن من صانعيها في أدق تفاصيلها اليومية والتي كنا قد وهبنا شبابنا في سبيل الدفاع عن مطالب كنا نصوغها بكل براءة وعنفوان شبابي طافح بالحيوية والحماس، دون أن نعي ماذا يخفيه الزمن وراء جبل من الأحلام الوردية ونحن نرتق قماشا مزركشا بالورود والأمال في المستقبل وتحقيق مطالبنا الدراسية البسيطة، وكم ترددت في البداية في استكمال هذا الورش المفتوح لكون بنيانه بقدرما كانت هندسته وتصميمه في المتناول بحكم توفرنا على كامل المعطيات والمعدات التي سوف نتوقف عليها وكيفية حبكها ووضع لبناتها واحدة تلوى أخرى، فإنها كان بنيانا يستلزم الكثير من الإحترافية والحذر من السقوط من متاهة النسيان والسهو، لتفادي أية حلقة مفصلية في تلك الذاكرة الخصبة والدسمة بأحداثها المتراكمة بكيفية تصاعدية بمنعطفات خطيرة لا تخلو من المغامر ة والمخاطرة بحياتنا والسباحة مع سمك القرش الذي كان يترصد حركاتنا للإنقضاض عليها كلما حاولنا العوم والسباحة، لكن كل تلك المطبات التي كانت تنتصب أمامنا تم تذليلها بفضل العزم والإرادة التي كانت فولاذية نحو الإنتصار وتحقيق تلك المطالب الطفولية، والتي كانت تشكل عصب وجودنا ، إما أن نكون أو لا نكون، بهذا المنطق الذي يمكن أن يكون ساذجا في تصور الكثيرين .
كم حاولت إيجاد تبرير موضوعي للتخلي عن هذا الحلم وعدم تدوين هذه الذاكرة واستباق ما الجدوى من ذاكرة عشناها فس أجزائها المختلفة وعشنا تفاصيلها في كل صغيرة وكبيرة، لكنني فشلت في إقناع نفسي حينما أيقنت بحجم المسؤولية والأخلاقية التي تستوجبها هذه المهمة الصعبة، خاصة وأن البعض من كان في المعمعان قد ترددوا كثيرا للبوح وسرد الأحداث رغم ما أبدوه من استحسان للفكرة والتنويه الذي قابلوا به هذا المشروع الفتي، وقد اكتشفت بأن البعض ما يزال يتحاشى الكلام عن الماضي، وكانهم يريدون أن يقبروه والى الأبد، أو هكذا خمنت مع نفسي، وهو ما يعد إهمال وحكم بإعدام هذه الفترة الزمنية التي تعتبر من أحلك مراحل الزمن التمانيني بمتاعبه وحماسه وأحلامه وانكساراته،وفي خضم هذا التردد قررت وبإصرار وتحفيز بعض الأصدقاء وتشجيعهم لاجل استكمال المشروع وإخراجه الى حيز الوجود، بالرغم من ما كان يتطلبه الى جانب الإعداد للمادة الأدبية، من أمكانات مالية لا يستهان بها، خاصة وأن عملية الطبع والتنقل الى مدينة طنجة على بعد حوالي 300 كلم لتحقيق عملية النشر، وإخراج المولود الى حيز الوجود، ولا أخفي ثقل تلك التكاليف وانا لم أتقدم بأي طلب للدعم للجهات المعنية بهذا الأمر، لطول المسطرة واشتراطات معينة، خاصة وأن الطلب قد يرفض لاعتبارات معروفة وهي عدم اقتناعها بالمشروع أو محاولة تكميم الأفواه في وجه الراغبين في الحديث عن الذاكرة المتخنة بالجراح ،لكنني عزمت وقطعت التردد بالإنخراط في استكمال الورش مهما تطلب الأمر من متاعب مالية وأدبية ،وحاولت أن أقنع نفسي بأن هذه مهمة أخلاقية ونضالية قبل أن تكون محط مساومة او اختلاف الرؤى أوتنافر زوايا المقاربة، وهذا ما استشعرته عقب توقيع الكتاب في حفل من تنظيم مشترك لجمعيتين يوم19 مارس 2016 والتي غصت إحدى قاعات المركب الثقافي بإمزورن بالحاضرين والمتشوقين لمعرفة تفاصيل تلك الحقبة التاريخية الهامة ليس فقط من الحركة الشبابية والتلاميذية بل وأيضا وهذا ما لايجب أن نغفله من تاريخ انبلاج الوعي السياسي والثقافي بالمدينة والمنطقة بأكملها، حينذاك اكتشفت وأحسست بأنني كنت أحمل ثقلا كبيرا والآن قد تخلصت منه وألقيت به ليتلقفه العموم ليصبح شائعا ومنذورا للقراء والباحثين وعموم الراغبين في معرفة ما جرى وكيف جرى ضمن سياق تاريخي كان يتميز بخصوبة أحداثه وتراكمها الحاد،خاصة وأنني كذات كاتب وكشاهد حي ومساهم في معمعان تلك الفترة الزمنية بحلوها ومرها بسلبياتها وإيجابياتها، لم أحاول أن أسرد الأحداث في تلاحقها ومدحها بل حاولت برؤية نقدية التوقف عند مواقع ما يمكن تسميته ب(الهفوات والأخطاء) المرتكبة خلال تفاعل تلك الأحداث ، أي بقدرما حاولت استرجاع الذاكرة فإنني قد بمحاولة تقييم شاملة لبعض مجربات أحداثها مركزا على أهم تفاصيلها وحلقاتها الكبرى ، وأكاد أدعي بأنني توفقت الى حد كبير في تحقيق مبدأين أساسين من خلال هذا الإصدار الهام الذي يهم الذاكرة، الأول يتعلق باسترجاع الذاكرة والثاني هو محاولة تقييم بعض محطاتها الخصبة ومحاولة مقاربتها بعين الحاضر النقدية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تيكي تاكا مع مي حلمي | محمد بسيوني محترف مصري في النمسا يكشف


.. العملات المشفرة .. رحلة مجهولة نهايتها | #ريل_توك


.. تونس..مقتل عناصر إرهابية وجرح عسكريين اثنين في القصرين




.. ترامب: التقارير بشأن تفتيش منزلي في فلوريدا بسبب وثائق نووية


.. تعرض الروائي سلمان رشدي للطعن في العنق في ولاية نيويورك