الحوار المتمدن - موبايل


سوسيولوجيا جورج زيميل

مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)

2020 / 7 / 9
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


المقالة للماركسي السوفييتي ليونيد غريغوريفيتش ايونين

ترجمة مالك أبوعليا

حياته ونشاطه
وُلد جورج زيميل في برلين عام 1858. التحق بعد المدرسة الثانوية الكلاسيكية بكلية الفلسفة في جامعة برلين، حيث درّسه المؤرخين مومسن وشتينثال وباستيان والفيلسوف ادواارد زيلر. تركزت اهتماماته في أيام دراسته على الفلسفة والتاريخ والسيكولوجيا. حصل زيميل عام 1881 على درجة الدكتوراة في الفلسفة بأطروحته حول كانط، وأصبح، بعد 4 سنوات من ذلك مُدرساً خاصاً، وأنتُخِبَ بعد 15 عاماً "استاذاً متطوعاً" في جامعة برلين، لم يكن يستلم أجراً باستثناء الرسوم التي كان يدفعها له الطلاب على محاضراته. فقط عام 1914، اي بعد 30 عاماً من التدريس الناجح أصبح استاذاً بشكل رسمي في ستراسبورغ، وتوفي عام 1918.
كان زيميل، خلال حياته، أحد أشهر السوسيولوجيين الأوروبيين، بسبب موهبته التعليمية وقدرته على الاستجابة الفورية للمسائل المُلحة في الحياة الاجتماعية. على الرغم من أنه لم يهتم بما يُطلق عليه الآن البحث التطبيقي، الا أن زيميل كان يعرف كيف يجعل السوسيولوجيا علماً تطبيقياً، حيث قدّم تفسيراتٍ تُبرزُ جوهر المسائل الاجتماعية المُلحة. ومن هنا أيضاً اتى اتساع اهتماماته السوسيولوجية (سوسيولوجيا الفن، السوسيولوجيا الحضرية، سوسيولوجيا الجنس، سوسيولوجيا العلم، السوسيولوجيا العامة ومسائل التمايز الاجتماعي، الخ). الى جانب نيتشه وديلتاي وآخرين، كان زيميل نصيراً بارزاً لما يُسمى بفلسفة الحياة. اتخذ، في السياسة ونشاطه العام، موقفاً ليبرالياً، ولكنه سقط خلال الحرب العالمية الأولى في نوعٍ من الشوفينية العمياء. مجّد بحماس في كتابه (الحرب والقرار الروحي Der Krieg und die geistigen Entscheidungen 1917، "الروح الألمانية".
كانت أعمال زيميل السوسيولوجية الرئيسية هي التالية: (الاختلاف الاجتماعي) Uber soziale Differenzierung 1890، (مشاكل فلسفة التاريخ) Die Probleme der Geschichtsphilosophie 1892، (فلسفة النقود) Philosophie des Geldes 1900، (السوسيولوجيا- بحوث في أشكال التواصل) Soziologie. Untersuchungen über die Formen der Vergesellschaftung 1908، (صراع الثقافة الحديثة) Der Konflikt der modernen Kultur 1918. يُعتَبَر زيميل أحد مؤسسي (السوسيولوجيا الرسمية" الى جانب تونيز، ولكن أهمية عمله تتجاوز كثيراً اطار المدرسة الرسمية.

1- أصل السوسيولوجيا ومسألتها الأساسية
كتب زيميل أن السوسيولوجيا نشأت، مثل اي علمٍ آخر من الضرورة العملية "كسلاح في النضال من أجل الوجود"(1).نشأ طرح المسائل السوسيولوجية في مطلح القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بالتوازي مع استيقاظ النشاط السياسي والعملي للجماهير من أجل حقوقهم ضد مصالح الأفراد المنفصلين. كتب أنه أصبح من المفهوم أن كل ظاهرة فردية تتحدد بكثافة تأثيرات البيئة الانسانية، لان الطبقات التي تألفت قوتها من "وجودها الاجتماعي" بدلاً من الأهمية الواضحة للأشخاص الفرديين الذين يستندون الى الوعي النظري متتبعين علاقات السلطة العملية(2). ثم صار "نهوض" مجتمع الماضي الى جانب مُجتمع الحاضر، وبعد ذلك ايضاً "المجتمع بشكلٍ عام" كجوهرٍ يُشكل وجود الفرد "مثل تشكّل الأمواج من البحر". وعندها تشكلت فكرة الجوهر الاجتماعي للانسان وأخذت الأحداث التاريخية شكلها، وحصلت "علوم المجتمع" على الفرصة لاتباع مُقاربة جديدة للمسائل العالقة والتي لا تزال تُزعج الناس.
اقترح زيميل، أن السوسيولوجيا لم تكن موجودةً كعلمٍ خاص في تلك الفترة لانها كانت تفتقر الى موضوعٍ يخصها، والذي سينهض من مراقبة مواضيع المعرفة الاجتماعية التقليدية "من زاوية جديدة". من أجل هذا الغرض، كان من الضروري أيضاً التمييز بين مفهوم المجتمع، على هذا النحو، والذي كان موجوداً بعيداً عن أي ظاهرة وأي لحظة اجتماعية-تاريخية، ومفهوم المُجتمع كمجموع لأشكال التواصل Vergesellschaftung(3).

2- الشكل والمحتوى. مشروع السوسيولوجيا الرسمية
ان مفهوم الشكل ومفهوم المحتوى، المرتبط به ارتباطاً وثيقاً، هما الأكثر أهميةً في سوسيولوجيا زيميل الرسمية.
اقترح في أحد أعماله المبكرة اعتبار تاريخ المجتمع كالظاهرة النفسية أو الذهنية. ان كل ظاهرة نفسية يجب أن تؤخذ من جانبين: من ناحية، كفعل نفسي يُبرز نفسه على أنه رغبة او ذكرى الخ، ومن ناحية أخرى، كفعل نفسي يُبرز نفسه كما هو مرغوب ومُتذكّر، الخ. في مثل هذا الفعل، وفي كل واحدٍ منه، فاننا نحصل على المحتوى الموضوعي للوعي عندما نعزل هذا الجانب الثاني من الفعل النفسي، والذي لم يكن نفسياً بأي حالٍ من الأحوال. كان هذا المحتوى هو ما تم فهمه في فلسفة الحياة على أنه "تجربة"، والذي هو وفقاً لزيميل "مادة" و"جسد" الاجتماعي.
يمكن تعريف الشكل، بدوره، بأفضل ما يمكن، حسب الأدوار التي يؤديها. وهذه الأدوار، حسب زيميل هي التالية: 1- الشكل الذي يربط عدة محتويات بطريقة تُشكل وحدةً واحدة. 2- الشكل الذي يفصل المحتويات عن بعضها البعض. 3- الأشكال التي تُنظم المحتويات ببعضها البعض. يقول زيميل، أن ما نسميه الشكل هو توحيد المواد من زاوية الوظيفة التي تؤديها.، وهي تكسر عزلة الأجزاء التي تشكله. يتعارض الكل، كوحدة لهذه الأجزاء، مع أي مادةٍ أُخرى لا تمتلك شكلاً أو متشكلة بطريقة مختلفة(4). فيما يتعلق بالسوسيولوجيا، ينبغي أن يُفهم تعارض الشكل والمحتوى على أنه تعارضاً لـ"مادة" التفاعل الاجتماعي (الثقافي، النتاجات الفكرية المشروطة تاريخياً، الأهداف، وتطلعات واحتياجات الفرد) من جهة، و وبُنى التفاعلات التي غالباً ما تتكرر وتميز الثقافة، والأحداث والظواهر التاريخية من أي نوع، من جهةٍ أُخرى.
نشأ المجتمع البشري، وفقاً لزيميل، من مزيجٍ مُركبٍ من هذه البُنى. ونتيجةً لذلك، لم يكن عمل السوسيولوجيا الرسمية تقسيم التشكيلات الاجتماعية الى جزئين، ولكن فرز هذين الجانبين منها، والتي تُشكل المجتمع كظاهرة فردية وشخصية. لم يحاول أن يصنع كتالوجاً مُستنفداً شاملاً للعلاقات الانسانية (على الرغم من أنه كان يُلام على فعل ذلك، بالمناسبة). على العكس من ذلك، اعتبر أن المفاهيم الشكلية الصرف ذات قيمة محدودة، وأن مشروع السوسيولوجيا الرسمية لن يتحقق بشكلٍ كافٍ الا عندما يترافق فرز أشكال التفاعل الاجتماعي مع تفسير ماذا تعني كأشكال صرف للسلوك الانساني وفي أي ظروفٍ نشأت وكيف تطورت وما هي التغيرات التي مرت بها بسبب خصوصية موضوعها وما هي الخصائص المادية والشكلية للمجتمع الذي نشأت منه وأنحلت فيه(5). وبعبارةٍ أخرى، يجب أن يُصبح كل شكل من أشكال التفاعل، عند تعريفه على هذا النحو، موضوعاً لوصفٍ تاريخيٍ هادف.

3- أنماط الأشكال الاجتماعية
لم يترك زيميل تصنيفاً منظومياً للأشكال الاجتماعية، لكنه جعل العديد من جوانب الحياة الاجتماعية موضعاً لبحثه، فارزاً اياها كأشكال من واقعها "الحي": الهيمنة، التبعية، التنافس، تقسيم العمل، تشكيل الأحزاب وما الى ذلك. لقد طرح مسألة أن كل هذه الأشكال تتم اعادة انتاجها ويتم ملأها بمحتوىً مناسب في أنواعٍ متعددة في التنظيمات الجماعية والاجتماعية، والتي تُعامَل بدورها كأشكال "في الدولة والمجموعات الدينية ومجموعات المآمرين ومؤسسات الأعمال والعائلة ومدارس الفن وما الى ذلك). أعطى زيميل أمثلةً على دراسة هذه الأشكال والأشكال المُماثلة في الأوراق التي شكلت واحداً من أشهر أعماله (السوسيولوجيا). يمكن تمييز ثلاثة مجموعات من الأشكال: العمليات الاجتماعية، الأنواع الاجتماعية، ونماذج التطور. تتضمن العمليات الاجتماعية ظواهر ثابتةً بغض النظر عن ظروف تحققها (مثل التبعية والسيطرة والتنافس والتصالح وما الى ذلك). ان الموضة كظاهرة عالمية هي مثال على العملية الاجتماعية. يعتبر زيميل، أن الموضة تفترض بشكلٍ مسبق المحاكاة والتفريد Individualisation (والتي بدورها تُمثل أشكالاً من العمليات الاجتماعية). ان الشخص الذي يتبع الموضة يميز نفسه أو نفسها عن الآخرين، ويؤكد على عضويته/ها في فئة او طبقة اجتماعية معينة.
أظهر زيميل استحالة وجود الموضة دون السعي الى التفرد من خلال التأكيد على أنه لم يكن هناك موضة في المجتمعات البدائية التي تتميز بأقصى قدرٍ من الوحدة الاجتماعية والتي لم يكن فيها أي سعي للتميز عن كتلة الجمهور. تماماً كما هو الحال في أي مجتمعٍ يحكمه مجموعة صغيرة نسبياً من الناس، يرتدي أعضاء الاوليغارشية الحاكمة ثوباً متطابقاً، ولم يرغبوا في اظهار تفردهم في مقابل مجموعات المواطنين (مثل دوقيات البندقية، الذين كانوا يرتدون الأسود دائماً).
ثبت استحالة وجود الموضة بدون السعي الى التقليد والمحاكاة والاندماج مع الجماعة من خلال حقيقة أنه لم يكن يوجد موضة في المجتمعات التي تتميز بالتحرر من معايير الجماعة. في فلورنسا، على سبيل المثال، اتبع كل شخصٍ اسلوبه الخاص في اللباس، لم يكن هناك موضة بسبب أنه لم يكن هناك سعي للاندماج مع الجماعة.
بمجرد أن تصبح أي ظاهرة (اللباس، الأفكار، الأخلاق، الأشياء وما الى ذلك) "موضة" تبدأ بعد ذلك من "الخروج من اطار الموضة". كما أن من جاذبية الموضة أنها جديدة وعابرة في نفس الوقت. تُعطي الموضة احساساً بالحاضر واحساساً بمرور الزمن. يقول زيميل، ان احدى اسباب الانتشار الواسع جداً للموضة في العصر الحاضر على وجه التحديد هو انحلال القناعات القديمة والعادات والتقاليد المتأصلة في الايمان والمعتقدات، ونتيجةً لذلك تُصبح الأشكال المؤقتة والعابرة أكثر نشاطاً، وبالتالي، أيضاً، يتزايد التأثير المهيمن للموضة في الفن والعلوم وحتى في الأخلاق.
ومع ذلك، وعلى الرغم من الطابع العابر لأي موضة ملموسة، الا أن لها ثباتاً مُعيناً كشكلٍ اجتماعي: كانت الموضة موجودة دائماً بهذا الشكل أو ذاك"(6).
الفئة الثانية من الأشكال الاجتماعية هي النوع الاجتماعي. يكتسب الشخص المُنخرط في نوعٍ معينٍ من العلاقة صفاتٍ مميزة معينة جوهرية له، وهي تظهر باستمرار بغض النظر عن طبيعة أي نفاعلٍ معين. مثال على النوع الاجتماعي الذي درسه زيميل: الكلبي، الفقير، الأرستقراطي، الخ.
كما في مثال الموضة المذكور أعلاه. تحرك فكر زيميل جدلياً عند وصف الأنواع الاجتماعية من خلال تمييزه تناقضاتها التي تميزها. ان الحياة اليومية للنوع الاجتماعي (الأرستقراطي)، على سبيل المثال، هي وحدة لصفتين حصريتين: من ناحية، يتم استيعابه، تماماً في مجموعته وتقاليد اسرته، لانه أحد أحد أفرع شجرة العائلة، ومن ناحية أُخرى، انه ينفصل تماماً عن المجموعة وحتى انه يُعارضها، لان القوة والاستقلالية والمسؤولية الشخصية هي لب التقليد المُميز للطبقة الأرستقراطية(7).
من الأمثلة على الأشكال الاجتماعية التي تنتمي الى المجموعة الثالثة، والمعروفة باسم نماذج التطور، هي العملية العالمية للرابطة بين توسّع المجموعة وتكثّف الفردية.
يكتب زيميل، مع ازدياد حجم المجموعة، يُصبح اعضائها أقل تشابهاً بشكلٍ متزايد. ان ازدياد الفردية يترافق مع تدهور المجموعة. كلما كانت المجموعة أصغر، أي أكثر خصوصيةً، كانت المجموعة، على العكس، أقل فرديةً. تطور التاريخ باتجاه ازدياد الفردية على حساب فقدان الأفراد لخصائصهم الاجتماعية الفردية: حل الأفراد المستقلين والمتساوين والعائلة النووية الصعيرة محل العائلة المُمتدة. وحلّ المجتمع المدني بما يميزه من مسؤولية فردية عالية محل التنظيم الاجتماعي الذي يعتمد على قرابة الدم والمنظمات الحِرَفية(8).
يمكن تصنيف الأشكال الاجتماعية بطريقة مختلفة-حسب درجة بُعدها عن المظاهر النفسية ذات المغزى المُباشر. اعتقد زيميل أن مثل هذه الأشكال العفوية مثل التبادل والتقليد والأشكال المُرتبطة بسلوك الحشود أنها هي الأقل انفصالاً عن المحتوى. أن الأشكال الأكثر استقراراً واستقلاليةً مثل المنظمات الاقتصادية الرسمية (الرسمية بالمعنى العُرفي السوسيولوجي الحالي، وليس بالمعنى الذي يعطيها اياه زيميل) تبتعد الى حدٍ ما عن "المادة" الاجتماعية والمحتوى الاجتماعي.
وأخيراً، الأشكال الاجتماعية التي يقول عنها زيميل بأنها "اللعب"، هي الأبعد عن عفوية الحياة الاجتماعية. انها "أشكال للجتمعة الاجتماعية" ليست تجريدات ذهينة ولكنها أشكال موجودة بالفعل (أو يمكن للمرء أن يُصادفها) في الحياة الاجتماعية. انها أشكال نقية لان المحتوى الذي "ملأها" ذات مرة قد اختفى. ومن الأمثلة على ذلك: "النظام السياسي القديم" أي شكل سياسي انتهى وقته ولم يُلبي احتياجات الأفراد المنخرطين فيه. "العلم من أجل العلم" وهو معرفة منفصلة عن احتياجات البشر والتي توقفت عن كونها "سلاحاً في النضال من أجل الوجود" و"الفن من أجل الفن"، الخ.
ان "التفاعل الاجتماعي الحر" هو شكل استثنائي من اللعب في دوره وأهميته. انه تفاعل من أجل التفاعل موجود كذلك ليس لأجل اي غرضٍ آخر سوى الاستمتاع بصحبة الآخرين والتواجد معهم. هذا النوع من التفاعل هو شكل من التواصل أو موديلاً مُجرداً للعملية الاجتماعية بدون أي عناصر ذات معنىً. ينخرط الأفراد فيه كأفراد "شكليين" يفتقر الى أي خصائص ذات مغزىً (مثل القدرة والثروة والوضع الاجتماعي والسلطة والمعتقدات والقناعات الخ). هذه التفاعلية هي اتصال الذين يقفون على قدم "المساواة". اللباقة هي وسيلة ضمان هذه المساواة، وهي تحد من تطلعات ودوافع الأفراد المشاركين فيه. ليس من اللبق التحدث عن العمل او مناقشة المسائل المُجردة او اظهار ذكاء المرء أو ثروته في حفلة مسائية. وبالتالي، فان اللباقة هي لعبة لشكل المعايير الاجتماعية. المغازلة هي شكل لعبة للعلاقات الجنسية، لاشخصية، "فارغة" بدون محتوىً اغرائي حقيقي. ان المحادثة في مثل هذه الحفلة هي غاية في حد ذاتها. ان موضوعها، بالطبع، ليس مسألة اللامبالاة، ولكن الشيء الرئيسي ليس موضوعها ولا محتواها، بل الشعور بالرضا من المحادثة العامة نفسها، من الدردشة والمحادثة التي تُجسد التفاعل الحر، التواصل من أجل التواصل(9).

4- السوسيولوجيا الفلسفية. نظرية الفهم
أظهر زيميل فكرة السوسيولوجيا الصرف بشكلٍ كامل ومتسق في تحليله للتواصلية. ولكنه استنفد هذه الفكرة باظهار محدوديتها. وقد اعتبر ان السوسيولوجيا الصرف ممكنة فقط جنباً الى جنب مع السوسيولوجيا الفلسفية التي تضع المبادئ النظرية-الادراكية والاجتماعية والفلسفية للسوسيولوجيا الصرف، وتمنحها المصطلحات والشروط والأفكار الأساسية والمقدمات التي ليس لها علاقة بالتجربة المباشرة وموضوع المعرفة المباشر والتي ليس لها مكان فيها(10). طرح زيميل مسائل علاقة السوسيولوجيا والفلسفة وأساسها الفلسفي كمسائل 1- لتطور نظرية المعرفة السوسيولوجية 2- انشاء سوسيولوجيا تاريخية او كما يقول هو نفسه، الميتافيزيقيا الاجتماعية.
لقد اعتبر أن نظرية الفهم التاريخي نظريةً خاصةً لمعرفة الظواهر الاجتماعية. واعتبر هذه النظرية، التي طورها بالفعل في مسائل فلسفة التاريخ، كمنهجية فلسفية للادراك تقوم بمثابة دليل لتطبيق المناهج العلمية العامة مثل الاستقراء والتصنيف وما الى ذلك، أثناء التحليل السوسيولوجي. بالاضافة الى ذلك، يعمل مفهوم الفهم كحلقة وصل بين السوسيولوجيا الصرف أو الرسمية والفلسفة الاجتماعية. انها وسيلة لاستيعاب البيانات والحقائق التاريخية المُتاحة للسوسيولوجيا الرسمية.
يكتب زيميل أن التشكيلات الجوهرية المُفترضة المُدركة كحقائق تنهض فقط في النشاط الذهني للباحث، الذي يُرتب الحقائق وفقاً للأفكار والقيم السائدة، يضعها في مجموعاتٍ تنهض من خلالها حلول للمسائل التي لم يكن من الممكن طرحها لو لم يعتمد الباحث فقط وبشكل حصري على الخبرة الأولية. هذا "النشاط الذهني" هو نشاط أساسي مبدأه الرئيسي الموجه والمنظم له هو صورة العالم الاجتماعي "الكلية" التي تظهر في صورة السوسيولوجيا التاريخية.

5- السوسيولوجيا التاريخية
يكمن خلف السوسيولوجيا التاريخية أفكار تطور المجتمع كتمييز وظيفي مصحوب باندماج متزامن لعناصره المختلفة التي تُميز تطورية القرن التاسع عشر. كان هذا بسبب تأثير التطورية الوضعية التي سادت في المرحلة الأولى من أعمال زيميل الفلسفية السوسيولوجية.
لقد أشرت، عندما وصفت أعلاه نوع أشكال التواصلية التي درسها زيميل والتي أطلق عليها نموذج التطور، أشرت، أنه تبعاً له، فان حجم المجموعة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بدرجة تطور فردانية أعضائها. وأضاف، أنه بنفس الطريقة، فان حجم المجموعة يتناسب طردياً مع درجة الحرية التي يتمتع بها أعضاؤها. كلما صغر حجم المجموعة، كلما كان عليها أن تعمل أكثر، وكلما كانت المجموعة أصغر كلما كانت أكثر وحدةً وكان عليها أن تعمل أكثر وتمسك أعضاؤها ببعضهم البعض للدفاع عن وحدتها وسلامتها ضد الآثار المحيطة.
عند النمو الكمي للمجموعة، تتسع حدود سماحية المجموعة ليصبح كل فردٍ فيها أكثر تحديداً على هذا النحو، وبالتالي تنفتح الفرص لتنوع الفردية وتزيد درجة حرية الفرد. يؤدي اتساع المجموعة الى تحقيق الجانب المكاني للتواصل، مما يؤدي بدوره (فيما يتعلق بعمليات تطور النفسية) الى تطور القدرة على التجريد. وتؤدي الزيادة في عدد أفراد المجموعة الى جانب تمايز عناصرها الى توليد القدرة الذهنية لها، وتنهض بالتالي القدرة على الوعي وينشأ الفكر(11). يترافق صعود وتطور الفكر جنباً الى جنب مع ظهور وتطور النقود والاقتصاد. ان ظهور النقود كوسيلة عالمية للتبادل هو أمر محكوم بالعملية التاريخية للتوسع المكاني والتمايز الحتمي للوحدات الاقتصادية. توافقَ تطور النقود، مثل تطور العقل، مع نمو الحرية وزيادة الطابع التفريدي لأعضاء الجماعات الاجتماعية (من خلال تقسيم العمل)(12). ان صعود الوعي وتطور النقود هما علامة على ظهور المجتمع في فترته "التاريخية".
وفقاً لزيميل، فان تاريخ المجتمع هو تاريخ ازدياد ذكائية (أي عقلنة، في جوهر الأمر) الحياة الاجتماعية وتعميق مبادئ اقتصاد النقود. بعبارةٍ أُخرى، لقد طابق تاريخ المجتمع بتاريخ تشكل الرأسمالية الحديثة، حيث تطورت السمات العامة المُميزة للنقد والعقل بشكلٍ كامل. في كتابه عن كانط، كتب زيميل، عندما كان يناقش فلسفته، أن تطور الفكر ظهر، من ناحية، في أهمية العلم الحديث (وفي الحقيقة ليس فقط في تطوره الفعلي ولكن حتى في الايمان به)، في ثراء الحياة، حيث أن العلم يمكن أن يحكمها، وهو اعتقاد يتطور بثبات في صدام الليبرالية والاشتراكية. من ناحيةٍ أُخرى، يعتقد زيميل، أن الاقتصاد النقدي الشامل المنتشر أثبت عملياً هيمنة المبدأ الفكري. ان الاتساق المنطقي ورفض كل ذاتية وامكانية الجميع أن يستفيدوا من اقتصاد النقد-كلها خصائص الاقتصاد النقدي في العصر الحديث وذهنيته(13). على النقيض من منظري "روح الرأسمالية" الآخرين، لم يربط زيميل صعود اقتصاد النقود، والفكرية، بالعصور الحديثة وبأصل الاقتصاد الرأسمالي والايديولوجيا. كان بالنسبة له مفهوماً أكثر عموميةً، وهو نوع من "التطورية العالمية" التي ميزت مراحل تطورها عصوراً مختلفةً من تاريخ البشرية.
ان الفكرية والاقتصاد النقدي هما المفهومين الأساسيين لسوسيولوجيا زيميل التاريخية. وفي نفس الوقت، تعامل معهما كأكثر أشكال التواصل والتفاعل تجريداً. كرّس زيميل الفصل الختامي من (فلسفة النقود) لتحليل هذه الأشكال. هذا الفصل، في جوهره، هو صورة لنمط الحياة في الرأسمالية.

6- تحليل "روح الحداثة"
اعتبر زيميل غياب بعض الصفات النوعية للطبيعة المُعبّر عنها، السمة الرئيسية التي تميز كلا هذين الشكلين.
يكتب، أن الفكر، كمفهومٍ صرف، يفتقر الى الصفات تماماً، ليس بمعى انه يفتقر الى بعض الميزات الضرورية، ولكن بسبب أنه يوجد بعيداً عن أُحادية الجانب التي تحدد صفته(14). وينطبق نفس الشيء على النقود.
من الواضح أن هناك افتقاراً للصفات في النقود ايضاً. كما أن النقود في حد ذاتها هي الانعكاس الميكانيكي للقيمة النسبية للأشياء وهي مفيدة للجميع على قدم المساواة، لذا فان كل الأشخاص في حالة متساوية في عملية تبادل النقود، ليس لان كل شيء ذو قيمة، ولكن لان لا شيء ذو قيمة ما عدا النقود(15). يبني الفكر صورةً ميكانيكيةً للعالم بمنطقٍ قاسٍ، طارداً الذاتية الساذجة والفهم المباشر المتأصل في الفترات السابقة مُحلاً محلها موضوعية المنهجية المنطقية.
يختفي عمق وكمال تجربة الماضي الذهنية، ذلك الماضي الذي يخبرنا فيه حتى الشخص المتميز فكرياً والملتزم نظرياً مثل دانتي أنه يجب على المرء أن يستجيب لبعض الخصوم ليس بالحجج ولكن فقط بالسكين(16). يضمن الانتشار الحالي للعقل-الروح الكلية المُحددة- سهولة فهم الناس جميعاً من شتى الأصول والسمات العقلية لبعضهم البعض، وهي سهولة والتي يصير عكسها تسويةً وانخفاضاً في المعيار العام للحياة الفكرية. وبنفس الطريقة بالضبط، يكتب زيميل أن طبيعة تأثير النقود الواضحة والثابتة تستبعد العفوية المميزة للماضي. يسود الاغتراب العالمي، ويسلب المال الشيء المُنتَج من طابعه وغايته ويحوله الى وسيلة (العامل مغترب عن نتاج عمله). وتفصل النقود الفرد مكانياً وروحياً عن الأشياء التي تنتمي اليه، والتي تتوقف عن كونها جزءاً من أناه، ويغترب المالك عن ملكيته. يختفي العنصر الشخصي الذاتي من العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وتصبح التبعية جزءاً من الضرورة التكنولوجية، وهو مطلب "للبزنس"، ويغترب الأفراد في الانتاج كلٌ منهم عن الآخر، وما الى ذلك.
يترافق الاغتراب العالمي مع نمو الحرية الفردية. بما أن الحرية تعني الاستقلال عن ارادة الآخرين، فانها تبدأ بالاستقلال عن ارادة بعض الأفراد. ان المستوطين الوحيد في الغابات الألمانية أو الأمريكية ليس مستقلاً، ولكن سكان المدن الحديثة مستقلون بالمعنى الايجابي للكلمة، على الرغم من أنهم يحتاجون الى عددٍ لا يُحصى من الموردين والعمال وسيضيعون بدونهم، وعلاقتهم بهم موضوعية تماماً ولا تتجسد الا بالنقود(17). ان الاغتراب والحرية هما وجهين لعملة واحدة.
فقد الناس ميزات فرديتهم خلال هذا الاغتراب العالمي، وصاروا "متماثلين" و"أحاديي البُعد" ولم يعودوا يفضلون شيئاً او يفضلهم أحد. أصيح البغاء رمزاً للعلاقات بين الأشخاص.
أشار كانط، عندما كان يصوغ منظومته المقولية الى أن على المرء أن لا يعتبر الشخص الآخر وسيلة، ولكن يجب أن يعتبره غايةً ويتصرف وفقاً لذلك. والبغاء سلوك يتعارض تماماً مع هذا المبدأ. في البغاء يكون الشخص وسيلةً فيما يتعلق بكلا الطرفين. رأى زيميل معنىً عميقاً في حقيقة أن البغاء مرتبط بشكلٍ عميقٍ جداً باقتصاد النقود. كما أن النقود تدمر طبيعة الأشياء بلمسةٍ منها.
ومع ذلك، في تلك اللحظة التي يتم فيها تقييم الأشياء الموجودة وفقاً لقيمتها النقدية، يتم ازالتها من عالم هذا الصنف، وتخضع قيمتها النوعية لقيمتها الكمية واستقلاليتها التامة-العلاقة المزدوجة بالأشياء الأخرى وبذاتها- التي نختبرها على مسوىً معين كتمييز فقد أساسه. ان جوهر الدعارة، والذي أدركناه في النقود، يُنقل الى الأشياء...(18). درس زيميل الوظيفة الاجتماعية للنقود والوعي المنطقي بكل وساطاته وتمظهراته المتنوعة: في الديمقراطية الحديثة، في القانون الرسمي، في الايديولوجيا الليبرالية، في قوة العلم، في تيارات الأذواق الفنية، في زخارف وتراكيب الأعمال الفنية وأخيراً في ايقاع ووتيرة الحياة. لقد اكتشف في جميع مجالات الوجود الانساني المشترك وحدةً "نمطية" الثقافة الحديثة، تحكمها طبيعة هذين العاملين من عواملها التوجيهية.
الموضوعية هي اسلوب الثقافة الحديثة- موضوعية الأشكال المنطقية الموجودة بشكلٍ مستقلٍ عن المحتوى الذي يملأها، والتي تعترف بالصحة الشكلية لأي حكم حتى لو كان بلا معنىً أو خاطئ. بطريقةٍ أو بأخرى فان موضوعية القانون الحديث مشابهة لذلك بالصحة الحصينة لمحتواه الغني، وأحياناً الفاضح، أو كما يقول زيميل، المتضمن ظلماً مادياً. هذه هي المفارقات التي نشأت عن تطور وتركّب كلا العاملين الرئيسيين والذين، حسب زيميل، حددا معنى العصر الحاضر.
هذا المعنى هو تزايد "تدمير" الأشكال الأساسية للتواصل والتفاعل وانفصالها عن المحتوى وتحويلها الى أشكال لعب مكتفية ذاتية، باختصار، اضفاء الطابع النسبي على محتوى الثقافة.
يغترب الفرد المتحرر، عن موضوعية الروح الانسانية. مثلما تمثل النظرة الاطلاقية للعالم مرحلةً محددة من التطور الفكري في ارتباط مع الظروف العملية والاقتصادية والعاطفية للشئون الانسانية، يبدو أن النظرة النسبية للعالم تعبر عن علاقة تكيف مؤقتة من جانب فكرنا. وبشكل أكثر دقة، فان ذلك يتأكد بصورة الحياة الاجتماعية الذاتية المقابلة، حيث يجد المال تجسيده الفعال والحقيقي ولامز أشكاله وحركته المنعكس(19). وهكذا يكتمل كتاب (فلسفة النقود) بنبرة سامية من النسبية الواعية والمتسقة.

7- التقييم النقدي لسوسيولوجيا زيميل
عكست بنية مفهوم زيميل السوسيولوجية الأفكار النسبوية المميزة لعصرة حول بُنية المعرفة بشكلٍ عام وبُنية المعرفة الاجتماعية بشكلٍ خاص. كانت هذه الأفكار نتيجةً للاستنتاجات غير الصحيحة التي استخلصها من فهمه للحقائق العلمية والتطور الاجتماعي في عصره.
في بداية عمله الفلسفي، الذي التزم بالمبادئ المعرفية التي كانت تُميز الطبيعانية الوضعية، فهم زيميل انهيار دوغما العلوم التقليدية بشكلٍ حادٍ للغاية. كانت الثورة في العلوم الطبيعية التي حدثت في مطلع القرن العشرين و"أزمة الفيزياء"، بلا شك، حقائقاً دفعته الى الموقف النسبوي.
لكن لعبت حقائق التطور الاجتماعي في ذلك الوقت الدور الأكبر في تشكيل أفكاره الاجتماعية-الفلسفية. اتسم مطلع القرن العشرين-الفترة التي دخل فيها المجتمع الرأسمالي عصر الامبريالية- بشحذٍ لجميع التناقضات المتأصلة في النظام الاجتماعي للرأسمالية، ونتيجةً لذلك تدهور كل معيار ثقافي واضفاء صفة النسبية على النمط الحياتي المرتبط به.
لقد قدّم زيميل وصفاً رائعاً لهذه العملية من "الداخل"، من موقع المشارك في الأحداث. لقد صوّر ظاهرة "تدهور" الأشكال الاجتماعية التي لم تعد قادرةً على احتواء الحركة المادية للأشياء. لكنه لم يكن قادراً على تقديم تفسيرٍ موضوعيٍ للعملية لأنه اتخذ موقفاً نسبوياً وذاتياً. كما أنه لم يقبل التفسير الماركسي لـ"صراع الثقافة الحديثة". قال بأن المفهوم الماركسي للتطور الاجتماعي والاقتصادي دوغمائي، حيث قال بأن الماركسية هي نسخة من "الواقعية التاريخية"، التي كان من المفترض أن تشرح نظريته عن الفهم التاريخي طبيعتها "المُركبة". لكنه قدّر عالياً تحليل ماركس الدياليكتيكي لدور النقود في تحولات الوعي البرجوازي، وتصوره عن الاغتراب ودراسته للمذاهب الايديولوجية البرجوازيوة. يمكن ملاحظة أثر ماركس في العديد من صفحات (فلسفة النقود).
اثناء اكتشاف المحتوى "الايجابي" في المادية التاريخية، اعتبر زيميل أن مهمة تصوره الاجتماعي-الفلسفي هو بناء طابق جديد تحت المادية التاريخية بحيث يتم الحفاظ على القيمة التفسيرية لادماج الحياة الاقتصادية بالحياة الفكرية، في حين يتم الاعتراف بهذه الأشكال الاقتصادية نفسها على انها نتيجة للتقييمات الأكثر عمقاً والتيارات النفسية وحتى الشروط الميتافيزيقية المُسبقة(20). وبعبارة أُخرى، اقترح زيميل جعل الحقائق التي توصلت اليها المادية التاريخية نسبية، أي في الواقع حرمانها من أساسها المادي الراسخ. كانت محاولته لـ"تحسين الماركسية"، في الواقع، معركةً ضدها. كان طموح زيميل هذا واضحاً للغاية عندما نلاحظ وضع مقاربته النسبوية في مقابل النهج الماركسي الموضوعي في دراسة الحياة الاجتماعية.

8- الأهمية العلمية لمفهوم زيميل
قدّم زيميل وصفاً مثيراً للاهتمام في سوسيولوجيته للعواقب الخبيثة لنشاط البزنس الرأسمالي والتناقضات العميقة جداً للحضارة الرأسمالية في عالم الثقافة. أصبح كتابه (فلسفة النقود) الذي ظهرت طبعته الأولى عام 1900، احدى أوائل سلسلة الأعمال التي لا نهاية لها التي كانت مُكرسة لتحليل "روح الرأسمالية": كتاب سومبارت (الرأسمالية الحديثة) Der moderne Kapitalismus، وكتاب فيبر (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية) وعدد آخر من مقالاته السوسيولوجية وحول الدين، وأعمال ستاملر وترولتش وشيلر وحتى شبنغلر لاحقاً الذي قدم نظريةً حول الرأسمالية في المجلد الثاني من كتابه (تدهور الحضارة الغربية)، وسوسيولوجيي وفلاسفة الاتجاه الانثروبولوجي غيهلين وبلسنر وروثاكر، وكتاب هوركهايمر وأدورنو (جدل التنوير) وأعمال أُخرى لفلاسفة وسوسيولوجيي مدرسة فرانكفورت النقديين، ظهرت جميعها بعد زيميل، ولكنها بعيدة كل البعد عن احتوائها على انتقادات حادة للنظام الروحي للرأسمالية.
يمكن للمرء أن يتفق مع الكاتب الألماني فويسلافسكي الذي كتب عن (فلسفة النقود)، أن الكتاب بأكمله، على الرغم من غياب الحس الأطيقي، وطابعه المجرد "اللامشخص"، بدا منذ بدياته وحتى نهايته مثل وثيقة لائحة الاتهامات(21). كان على العديد من اولئك المؤلفين مواجهة رعب الفاشية من أجل فهم كيف أن الرأسمالية تُفسد روح الناس.
ان مفهوم زيميل الاجتماعي التاريخي وحليله لـ"روح العصر الحديث"، جعله أحد مؤسسي التقليد النقدي في السوسيولوجيا الغربية.
كما أوضحت أعلاه، فسّر زيميل السوسيولوجيا الرسمية على انها علم عياني عن المجتمع الذي يستمد نظرته عن العالم ومبادئه التوجيهية ومنهجيته الرئيسية من السوسيولوجيا الفلسفية. كانت هذه المقاربة مشروعة في حد ذاتها. يجب على المرء أن لا ينسى أن زيميل طوّر هذه الفكرة في وقت كان فيه الحاجة الى تشكيل السوسيولوجيا كتخصصٍ مستقل قد أجبرت حتى أكثر النظريين تجريديةً على رفض الفلسفة وكل نوع من أنواع "التأملية" و"الميتافيزيقيا". ثم، أيضاً، تبلورت الفكرة التقليدية في السوسيولوجيا الغربية وغير العملية تماماً في الممارسة، حول المعرفة ذات القيمة المحايدة.
لم يحاول زيميل الجمع بين مقاربة الفلسفة-الاجتماعية (التاريخية) والمقاربة السوسيولوجية الرسمية. لقد نصب لنفسه مهمة "ايجاد كل تفاصيل الحياة في مجمل معانيها"(22). لم يتمكن زيميل من الكشف عن المعنى الكامل المتأصل في تاريخ الانتاج المادي للعمليات التاريخية ومراحلها الحديثة، وبالتالي تقديم تفسير مناسب للحقائق الجزئية للحياة الاجتماعية، ولكن يجب تقييم طموحه ليسند الدراسة التحليلية لحياة المجتمع على أساس الرؤية التاريخية، ايجابياً. لقد اتضح أن ما فعله في هذا الاتجاه، قد ساهمت في ضياعه، السوسيولوجيا غير الماركسية في مراحلها اللاحقة من تطورها. كان هناك انتعاش ملحوظ في الاهتمام بعمل زيميل السوسيولوجي في الغرب في العقود الأخيرة. يمكن للمرء حتى أن يتحدث عن "احياء لزيميل". ويمكن القول أن أهم سبب لذلك هو انعدام الثقة في تخصص السوسيولوجيا الرسمية التبريري، ونمو الاتجاهات الاجتماعية النقدية البديلة داخله. بهذا المعنى، فان زيميل هو مفكر مُعاصر، حتى اليوم.

1- Georg Simmel. Soziologie. Untersuchungen über die Formen der Vergesellschaftung (Verlag von Duncker & Humblot, Munich, 1922), p 1
2- Ibid.
3- Ibid., p 4
4- See Georg Simmel. Kant (Verlag von Duncker & Humblot, Leipzig, 1904) p 38
5- See Georg Simmel. Soziologie, pp 10-11
6- Georg Simmel. Philosophische Kultur: Gesammelte Essais (Kröner, Leipzig, 1919)
7- See Georg Simmel. Soziologie, p 34
8- Ibid., pp 527-532
9- See Georg Simmel. Grundfragen der Soziologie (Individuum und Gesellschaft), 2nd ed. (Wde Gruyter & Co., Berlin, 1920), pp 50-71
10- Ibid., p31
11- See Georg Simmel. Soziologie, p 480
12- Ibid., p 553
13- Georg Simmel. Kant, p 7
14- Georg Simmel. Philosophy of Money. Translated by Tom Bottomore and David Frisby (Routledge & Kegal Paul, London, 1978), p 432.
15- Ibid
16- Ibid
17- Ibid., p 300
18- Ibid., p 392
19- Ibid., p 512
20- Ibid., p 56
21- Hersch-Leib Woyslawski. Georg Simmels Philosophie des kapitalistischen Geistes (Druck von Arthur Schplem, Berlin, 1931), p 13
22- Georg Simmel. Philosophy of Money, p. 55

ترجمة الفصل التاسع من كتاب:
A History of Classical Sociology, a Group of Soviet Sociologists, Edited by Prof I. S. Kon, Translated By H. Campbell Creigton, Published 1979K Translated 1989, Progress Publisher








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حفل منظمة بريطانيا للحزب الشيوعي العراقي لذكرى تأسيس الحزب 8


.. إيرلندا الشمالية: تجدد الصدامات بين متظاهرين والشرطة في بلفا


.. إيرلندا الشمالية: تجدد الصدامات بين متظاهرين والشرطة في بلفا




.. لقاءات الاشتراكي: 9: آدم هنية


.. موسى شيخو: لا تمويل دولي لسد النهضة إنما محلي من جيوب الفقرا