الحوار المتمدن - موبايل


أفول الراديكالية والإرهاب - مخاض الحرية العراقية

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 7 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


لقد حاولت البرهنة في المقالات السابقة على طبيعة الارتباط الداخلي بين الراديكالية والتطرف، وما بينهما وبين الإرهاب بوصفه ظاهرة تتمثل كل العناصر اللاعقلانية الكامنة في الخروج على منطق الاعتدال. وهو خروج يبلغ ذروته الهمجية حالما يجري «التأسيس» له بمعايير الإيمان والتدين. وذلك لأن محاولة إنزال المعتقدات الدينية وما يناسبها من عقائد إيمانية من ضباب الميتافيزيقيا اللاهوتية إلى خشونة الواقع، تجبر الذهنية العملية بالضرورة على مزاوجة السياسة بالمقدس. وهي مزاوجة تقترب من حالة اغتصاب بين نوعين مختلفين. والنتيجة الممكنة هي تخريب السلالة والنوع والنفسية. بمعنى أن الصورة الممكنة لها هي مسخ في الروح والجسد! ونعثر على هذه النتيجة في مختلف صور الإرهاب في العراق الحالي، أي في مختلف صور القتل المجاني للأبرياء. وهي صور تشير إلى تشوه في الإيمان واعوجاج في الرؤية. وخطورتها الكبرى تقوم في أنها تجمع بين «الإيمان» وزيغ البصيرة في الأفعال «السياسية». مما يجعل منها مشكلة غاية في التعقيد، تجمع في ذاتها تشوه النفسية والذهنية والواقع والتاريخ. وذلك لأن رفع الإرهاب إلى مصاف العقيدة المقدسة هو ليس ابتذالا لفكرة المقدس والإيمان، بل وانحطاطا رهيبا للدين والعقائد والواقع. الأمر الذي يجعل من محاربة «الإرهاب الإسلامي» مهمة إسلامية في الدرجة الأولى من اجل مطابقة حقيقة الإسلام مع ذاته في مجال العلم والعمل. بمعنى مواجهة التشوه النفسي والذهني المجسدين في ممارسات الإرهاب من خلال تأسيس الفكرة القائلة بأن الإسلام والسلام توأمان لحقيقة الدين. ويفترض هذا التأسيس بدوره مواجهة أساليب الصراع والمواجهة للنفس والخصوم والأعداء بطريقة ترتقي إلى إدراك الضرورات في العالم المعاصر.
إن تأسيس المواجهة النظرية والعملية «للإرهاب الإسلامي» يفترض استكماله بمواجهة التاريخ والواقع، من خلال سحب حق تمثيل «التاريخ المقدس» من جانب القوى الاجتماعية والسياسية الهامشية. وهي مهمة قابلة للتنفيذ من خلال تذليل نفسية وذهنية الراديكالية السياسية. ولا طريق لها غير الإصلاح الفعلي والشامل للدولة والنظام السياسي والثقافة.
فالإرهاب في الإطار العام ظاهرة مرتبطة أما بحالة مرضية عميقة للمجتمع والدولة والثقافة، أي بأزمة بنيوية شاملة، أو بخلل طارئ في أوزان الوجود الدولتي والسياسي والاجتماعي والثقافي. وعندما ننظر إلى واقع العالم العربي والإسلامي المعاصر، بوصفه أحد اكبر «المصدرين» الفعليين للإرهاب، فإننا نرى بوضوح تداخل وتضافر الأزمة البنيوية الشاملة والخلل الفعلي في أوزان وجودهما. من هنا استحالة القضاء على الإرهاب بوصفه مسخ جديد للإيمان المتعصب والذهنية العوجاء دون حل العقدة الجذرية له في بنية الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة.
والإرهاب من حيث كونه ظاهرة اجتماعية سياسية وأيدلوجية، وثيق الارتباط بالتطرف والغلوّ. ذلك يعني أن لكل أمة وثقافة في مرحلة من مراحل ارتقائها أو انحطاطها مستويات ونماذج من التطرف والغلو، ومن ثم نماذج ومستويات من «الإرهاب» المناسبة لهما. ذلك يعني أن للإرهاب مظاهرا على مستوى الدولة، وأحيانا على مستوى الأمة وأحيانا على مستوى الأحزاب والحركات والأفراد. ومن ثم فهناك تطرف وبالتالي إرهاب يناسبه في الشكل والمضمون مثل الإرهاب الثوري والرجعي، والديني والدنيوي. كما انه يتمظهر في مجالات متنوعة (سياسية واجتماعية وأيديولوجية)، وصيغ عملية مختلفة، لعل أكثرها تدميرا هو صيغة العنف المسلح. وهي صيغة تكشف عن طابعها الضيق وانغلاقها التاريخي وعجزها عن تقديم بدائل إيجابية. ولعل تجربة العراق والمخاض الذي يمر به حاليا هو أحد النماذج «الكلاسيكية» لظهور الإرهاب الذي يجمع في ذاته الحالة المرضية العميقة للمجتمع والدولة والأيديولوجية وكذلك خلل أوزان وجوده الدولتي والقومي والأيديولوجي.
فقد تعرض المجتمع والدولة والأيديولوجية في العراق إلى عملية سحق عنيفة أدت إلى سريان «مرض مزمن» أشبه ما يكون بالسرطان، الذي يفترض «نموه» موت من يعتاش عليه. وفي الحالة المعنية لم تكن حياة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية سوى السرطان الذي كان لابد له من التهام كل ما هو موجود من اجل أن يندثر.
ليست هذه الصورة الأدبية سوى الصيغة الرمزية للكشف عن واقع المرض المزمن للمجتمع والدولة والأيديولوجية الذي أصاب العراق، والذي أدى به في نهاية المطاف إلى أن يصبح صحراء قاحلة بالمعنى المادي والمعنوي. إذ لا وجود للمجتمع المدني، كما لا وجود للدولة بالمعنى الدقيق للكلمة، أما الأيديولوجية فإنها مجرد شعارات لا همّ لها غير إثارة القرف والتقزز الشامل للروح والبدن. وهي حالة أدت إلى أن يكون القانون الوحيد لوجود الأشياء هو خلخلة الأوزان التي تحكم الروح والجسد والفرد والجماعة والدولة والسلطة والفكر والثقافة. بمعنى الوجود عبر نقض الوجود الطبيعي للأشياء والمفاهيم والقيم!
فقد جسدت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية في ممارستها مختلف أصناف الإرهاب الشامل تحت شعارات لا تتمتع بأية رؤية واقعية وتاريخية، ومع ذلك حاولت أن تعطي لها أبعادا ما فوق تاريخية من خلال ربطها «برسالة خالدة» لأمة لم تتكامل بعد! أما النتيجة فهي الإفساد الشامل لفكرة القومية العربية وتشويه محتواها وتخريبها الفعلي. وتشاطر هذه الرؤية الكثير من الحركات الدينية والدنيوية، اليسارية واليمينية، القومية والاشتراكية. مما يعطي لنا إمكانية القول، بأن ضعف الرؤية الواقعية والتاريخية يكمن في كثير من جوانبه وراء البحث عن صيغة أسطورية تلتهم كلمات «المقدس» من اجل تبرير الضعف البنيوي لها في ميدان العمل السياسي وبالأخص فيما يتعلق منه ببناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني.
فقد لازم هذا الضعف في تاريخ العراق الحديث الكيفية التي جرت من خلالها تشكل الدولة بشكل عام، وابتعادها المتزايد عن مضمونها السياسي والاجتماعي بشكل خاص. مما جعل منها في نهاية المطاف كيانا مغتربا اغترابا تاما ومناقضا لوظيفتها السياسية والاجتماعية، بوصفها أداة لإدارة شئون الحياة الاجتماعية. وضمن هذا السياق يمكن فهم «الجرأة» التي تتميز بها الأفعال المتعمدة في قتل المئات من الأبرياء تحت شعار «محاربة الاحتلال»! وتفترض هذه الأفعال الإدراك الواعي والمحدد ضد من يجري تنفيذها، وبالتالي، تتضمن قدرا من «الوجدانية» و«الروحية» و«التاريخية» في تنفيذها. بمعنى أنها تحتوي على تأسيس فكري وأيديولوجي وسياسي لقيمتها الفعلية في الصراع الدائر في العراق. وهي أفعال تشير من حيث مقدماتها ومجرياتها ومغزاها إلى أنها جزء من المعترك السياسي والاجتماعي والثقافي. وفي بصماتها تشير إلى قوى تتصف بمستوى عال من التعصب العقائدي مميز للتيارات الإسلامية الأصولية. ذلك يعني إن القتل العشوائي المظهر والمقصود من حيث التوقيت والفعل يحتوي على قدر من التوليف المفتعل لتقاليد اتسمت تاريخيا بالتعصب والجمود ونفسية الانتقام المتربية بأحضان الاستبداد والانعزال الثقافي، أي كل ما يمكن دعوته بالوثنية الهمجية، التي تشكل عقيدة الفعل السياسي لمن يمكن دعوتهم بالغلاة الجدد!
فما جرى ويجري في العراق من مظاهر الإرهاب المنفلت كما تجسد في مختلف أنواع وأصناف وأشكال وأوقات وأماكن المجاز الدموية ليس سوى الصيغة «المقدسة» لاستمرار تقاليد الإرهاب السياسي. ومن ثم فإن ما جرى ويجري من انفلات إرهابي هو التعبير النموذجي عما يمكن دعوته بالاستظهار السياسي العابر للأمراض المزمنة الموروثة من بقايا التوتاليتارية والدكتاتورية وتقاليد الاستبداد.
فقد كانت السلطة الدكتاتورية «العتبة المقدسة» للغلاة الجدد، الذين اخذوا يتحسسون سقوطها التاريخي، باعتبارها خيانة من جانب العراق والشيعة لإحدى «مقدساتهم». وتعيد هذه الظاهرة للذاكرة التاريخية ما سبق للأتراك العثمانيين من تحسسهم لمواقف العرب منهم في الحرب العالمية الأولى، وتصويرهم إياها على أنها «خيانة» للإسلام و«الدولة العلية». فقد كان المسار العام «للدولة العلية» والدكتاتورية الصدامية واحدا من حيث كونه أنموذجا متشابها في تقاليد الاستبداد وغياب العقلانية.
طبعا كان من الأفضل لو جرى تطوير الإصلاحات الداخلية ضمن السلطنة العثمانية بالشكل الذي يحفظ للمنطقة عموما استقلالها الفعلي ودورها السياسي على النطاق العالمي ووحدتها الذاتية. وكان بإمكانه أن يلغي أية إمكانية لظهور «إسرائيل» والعواقب السياسية والقومية الهائلة المترتبة على ذلك. والشيء نفسه يمكن قوله عن حالة العراق ما قبل الغزو الأمريكي. إلا أن التاريخ لا يعرف كلمة «لو». وهو يبرهن على حقيقة تقول، بأن الاستبداد مصيره الزوال. وفي زواله يثير كميات هائلة من المشاكل والمعضلات التي تقع على الأجيال اللاحقة مهمة حلها. وليس ما يجرى في العراق من انفلات إرهابي سوى الاستمرار «الخفي» لتقاليد الاستبداد، التي جرى إعادة إنتاجها من خلال ملابسات تاريخية هائلة، مرتبطة بطبيعة الاحتلال الكولونيالي للعراق وتجزئة العالم العربي وبعثرة التراكم الفكري والاجتماعي والمؤسساتي فيه من خلال الانقلابات العسكرية وصعود الهامشية إلى السلطة وسيادة النزعة الراديكالية. وبمجموعه أدى ذلك إلى صنع توتاليتاريات دنيوية ودينية، ليس الغلاة الجدد سوى صيغتها الأكثر همجية.
وفي هذا تكمن خصوصية المخاض العراقي، بوصفه مخاضا تاريخيا للحرية في الصراع ضد قوى الهامشية الاجتماعية والسياسية والثقافية. لاسيما وأن إرهابها الهمجي هو الصفة الملازمة لأساليب الحثالة الاجتماعية والهامشية السياسية والثقافية. وسبب ذلك يقوم في كونها قوى بلا تاريخ، ولا قوة لها غير افتعال العنف السافر. من هنا عداءها للمستقبل. وهو عداء مميز للحرية في ظروف العراق الحالية. وذلك لأن أربعة عقود من التوتاليتارية والدكتاتورية، لم يكن بإمكانها أن تصنع شيئا اقل همجية وتخريبا في ردود فعلها المباشرة على عملية الاندثار الوشيكة. فهو الثمن الذي لابد أن يدفعه العراق مقابل الحرية الفعلية. وفي هذا تكمن مفارقة الحرية.
فالمفارقة التاريخية لمحاولة العراق استعادة كينونته بوصفه دولة حضارية هو اقتران مساعيه الصعبة لترسيخ قيم الحرية بترسخ قيم الإرهاب. وهي ظاهرة لها جذورها الأساسية في طبيعة ومستوى انحراف الدولة في غضون العقود الستة الأخيرة عن مسارها الطبيعي (من انقلاب الرباع عشر من تموز 1958 وحتى اليوم 2020). بمعنى خضوع فكرة الدولة إلى السلطة، والسلطة إلى بنية اقل رقيا من حيث قدرتها عل تنظيم و إدارة شئون المجتمع. وتعارض هذه المفارقة ابسط مقومات المنطق القائل، بأن الكل أكبر من الجزء. بينما تحول العراق، وبالأخص في غضون العقود الأربعة الأخيرة (مرحلة البعث والصدامية) إلى نموذج لدحض هذه القاعدة الضرورية لمنطق وجود الأشياء.
طبعاً إن الإرهاب ليس «منطقا»، غير أن له منطقه الخاص، أي مغالطاته. لكنها مغالطات من نوع خاص، يبرهن التاريخ العالمي وتاريخ العراق الحديث والمعاصر على خطورتها بالنسبة للدولة والمجتمع والثقافة والوجود الإنساني كما هو. فمجريات الأمور بما في ذلك استفحال ظاهرة الإرهاب تشير إلى أن الابتعاد عن المنطق هو سقوط في مغالطات لا تحصى لعل الإرهاب المنظم هو أحد أشكالها الأكثر تخريبا وتدميرا، بما في ذلك لمن يقوم به تحت أي شعار كان وغاية معلنة أو مستترة. أما الوجه الآخر لها في ظروف العراق الحالية فهي ظاهرة الفساد. ومنهما تتكون «جبهة التحديات» الكبرى التي يواجهها حاليا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحصاد - إسرائيل تعترف بفشلها في اعتراض الصاروخ السوري وإيرا


.. انطلاق قمة المناخ.. والتزامات كثيرة متوقعة | #غرفة_الأخبار


.. كورونا.. القلق من متحورة الهند | #غرفة_الأخبار




.. قضايا المناخ.. تحديات ملحّة أمام العالم واستحقاقات ضاغطة | #


.. حزب الله يطلق حملات لتحصين أنصاره من تداعيات الأزمات