الحوار المتمدن - موبايل


نتنياهو كيف أمكنه البقاء والتفرد بالحكم

سعيد مضيه

2020 / 7 / 13
العولمة وتطورات العالم المعاصر


هذا المقال تحليل لليمين الإسرائيلي وصراعاته الداخلية، قامت به نجمة علي، يبين أسلوب رئيس الوزراء، نتنياهو، في فرض حكم الفرد. فقد هيمن نتنياهو على الحياة السياسية الإسرائيلية قرابة خمسة وعشرين عاما، اولا عام 1996 حتى العام 1999، ثم عاد وتسلم الحكم عام 2009 وبقي حتى الآن. خلال حكمه أرسى أسس نمط حكم الفرد، ووطد سلطته السياسية ، إذ هيمن على الميديا وخلق لنفسه صورة الذي لا يُغلب، مغريا أنصاره على إضفاء لقب "الملك " عليه.
نجمة علي مناضلة في المجالين الأكاديمي والسياسي، حازت على شهادة الدكتوراة من جامعة اوتاغو بنيوزيلندة. ركزت أبحاثها حول نظرية قوة المقاومة في الكشف عن "سلطة من لا سلطة لهم"، وقدرات المضطهدين على إدخال تغييرات اجتماعية حقيقية، خاصة في أوساط المقاومين الفلسطينيين داخل إسرائيل. خلال الفترة 2014 – 2018 عملت باحثة لدى المركز القومي للسلم وأبحاث النزاعات بجامعة أوتاغو. مؤخرا حصلت على الشهادة الجامعية الأولى من جامعة حيفا ثم شهادة الماجستير من الجامعة العبرية بالقدس.
ترجم هذا المقال عن النص الإنجليزي المنشور على موقع كونسورتيوم نيوز الإليكتروني بتاريخ 7تموز تحت عنوان "لكي نفهم البقاء السياسي لنتنياهو" . وهو جزء من "دائرة سياسة الشبكة حول القيادة والمسئولية الفلسطينية". والدائرة منهجية معينة لإشغال مجموعة محللين في أبحاث طويلة المدى وتأملات في قضية ذات أهمية جوهرية بالنسبة للشعب الفلسطيني.
في حكومة وحدة قومية لا يتعلق تحدي نتنياهو بالبقاء في الحكم وحسب ، إنما التحدي بالبقاء والهيمنة- وهذا ما ادركه منذ البداية. على السطح يدخل نتنياهو حكومته الرابعة بالتتابع – والخامسة عموما – يلمع شهرته ساحرا سياسيا لا يهزم. مع ذلك فبقاؤه بالسلطة ينطوي على تعرية الديناميات الداخلية والبنى المخفية للسلطة في النظام السياسي الإسرائيلي؛ واضح أ ن نتنياهو كسب المعركة، لكن ذبك لم يتم ألا ضد القيم والمؤسسات الديمقراطية الإسرائيلية الهشة.
كيف أسس نتنياهو لتفرده
اتبع نتنياهو خطين استراتيجيين لتعزيز سلطته السياسية داخل حكومة إسرائيل: من جهة ، احتفظ لنفسه في الحكومات التي شكلها بأكثر من حقيبة وزارية، آخرها وزارات الاتصالات والزراعة والصحة، وكذلك وزارة الشئون الاجتماعية والرفاه . ومن جهة ثانية وسع دائرة ممارسة التعيينات السياسية لكي يضمن لنفسه الولاء في مختلف مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء.
وظف نتنياهو علاقاته بالميديا، وبوضوح ضغط على المنافذ الإعلامية في إسرائيل من اجل تلميع صورته والحط من معارضيه. تؤكد أستاذة العلوم السياسية ، ياسكا مونيك ان نتنياهو يحمل خصائص نموذج الشعبوي التسلطي، انشأ صحيفته الخاصة "إسرائيل هيوم" التي ينفق عليها الملياردير الأميركي شيلدون اديلسون ، صاحب كازينوهات لاس فيغاس. علاوة على ما تقدم غالبا ما يوظف نتنياهو نظريات المؤامرة ودعاية التخويف، بادعاء انه وليس أحداً غيره يحافظ على امن إسرائيل.
يلاحظ ابراهام بورغ ، الذي شغل في السابق منصب رئيس الكنيست، ان نتنياهو " يبذر المخاوف في جميع الأنحاء ثم يمعن النظر حول الزاوية ليقول:‘ لدي الحل لكم’".بهذه الطريقة نجح نتنياهو في الإطاحة بالمعارضة ، بما فيها حركة " احتجاج الخيام" عام 2011 ، أعظم حركة احتجاج في تاريخ إسرائيل ، التي انتقدت الإنفاق على الأمن والعسكرة في إسرائيل.
يضاف لما ذكر ان نتنياهو لم يوقف تحريضه على العنف ضد المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، مطلقا عليهم أوصاف حصان طروادة ، إرهابيين، وطابور خامس داخل مجتمع إسرائيل. ومرارا وصف الناخبين العرب "يتجهون زرافات الى مراكز الاقتراع"، كي يحمل اليهود على التصويت لقائمته كزعيم يستطيع إيقاف "الخطر العربي".
اختط نتنياهو نهج تهميش معارضيه في الداخل والخارج. وعن طريق تصفية كل معارضة داخل الحزب وبناء شبكة اتباع محبين تمكن من فرض شخصه الوحيد القادر على تعزيز سيطرة حزب الليكود، ومثبتا الادعاء بان اليمين الحقيقي سيزول إن هو زال.
همش نتنياهو المعارضة إثر انتخابه رئيسا للحزب عام 1992، ، حيث شرع في إدخال تغييرات تنظيمية داخل حزب الليكود. بدّل نظام الانتخابات داخل الحزب بإدخال مبدأ الانتخابات التمهيدية، لإضعاف قبضة اللجنة المركزية والمنافسين السياسيين. بموجب النظام الجديد يعين رئيس الحزب المسئولين في المراكز الرئيسة. أنشأ نتنياهو هيئتين حزبيتين، وعين أعضاءهما: مكتب الحزب وإدارة الحزب.
لم يتوقف نتنياهو عن فرض الحصار حول اليسار الصهيوني متهما أياه بالخيانة والضعف ومحبي العرب، وفرض تشريعات تقيّد أنشطة منظمات حقوق الإنسان اليسارية- الوحيدة المناوئة لانتهاكات إسرائيل .
من خلال جماع الأدوات السياسية- مد احتكاره على اليمين، وضع العراقيل بوجه النشاط الديمقراطي- وراهن على الخوف الوجودي للصهاينة الإسرائيليين- اقام نتنياهو النمط النموذجي لحكم الفرد، بالموازاة مع بروز الأنظمة التسلطية اليمينية في بلدان أخرى. تاريخيا ناصبت حركة حيروت عداءها منظمة الهستدروت وحركة الكيبوتسات، وهي وسائل بن غوريون للهيمنة على السياسة في الييشوف اليهودي بفلسطين. وقد ضمت يهودا مهاجرين من اوروبا - أشكيناز؛ حال تشكيل الشرقيين أغلبية انتخابية احتضنهم الليكود وباتوا كتلة انتخابية ليكودية صلبة. اعتبر هشام شرابي في مؤلفه "النظام الأبوي"، ان رأس السلطة يملك الصلاحيات كافة، وهذا ما يؤمن به اليهود الشرقيون. ونظرا لاعتماد نتنياهو على اليهود الشرقيين فقد جاء نموذج حكمه على غرار أنظمة الشرق الأوسط. وبهذا زرع نتنياهو في النفسية الاجتماعية بإسرائيل نموذج الولاء الأعمى وقيادة الفرد، مقدما نفسه الوحيد القادر على حماية إسرائيل ومصالحها من خلال علاقاته الواسعة وشخصيته الكارزمية.
اليمين الإسرائيلي والنزاع بين المتدينين والعلمانيين
قدم نتنياهو يهودية الدولة على ديمقراطيتها، وتكاملت استراتيجيته الى أن أقر قانون إسرائيل القومية ، والذي عزز الخطاب السياسي المتدين في إسرائيل، وأضاف لليمين الصهيوني خصائص متدينة. وبذلك اتكأ نتنياهو على ثلاث قوى رئيسة: اليمن القومي الإسرائيلي، واليمين المتطرف و "اليمين الناعم"، حسب تعبير إيهود سبرينزاك، وهو تشكيل جديد في ائتلاف نتنياهو.
اليمين الناعم ائتلاف من الأشكيناز الأرثوذوكسي المتطرف، والسيفارديم المتطرف والمهاجرين العلمانيين من الاتحاد السوفييتي السابق. ظاهريا يمكن القول أن هذه الفئات لا تجلس على طاولة واحدة، والصدامات بينها لا تتوقف، خاصة نتيجة تملق نتنياهو الكتلة الدينية. ومهما يكن، يوحد الائتلاف عداؤه المشترك للعرب واليسار العلماني في إسرائيل. معظم المهاجرين الروس يكرهون اليسار بسبب ذكرياتهم عن الاتحاد السوفييتي، وفي نفس الوفت ينفرون من المتدينين، مع مناصبة العداء لليساريين .
من خلال هذا الاتحاد أقر اليمين تشريعات حققت حضورا أعظم للدين في الحياة السياسية بإسرائيل، بما في ذلك إعفاء الحريديم من الضرائب وإعفاء طلبة المدارس الدينية من الخدمة العسكرية والتسامح حيال الممارسات اليومية، مثل إغلاق الشوارع والنقل العام أيام السبت ، وتعزيز هيمنة رؤساء الحاخامات على الأحوال الشخصية، مثل الزواج والطلاق وتحديد من هو اليهودي. أفضت تلك السياسات الى نزاعات داخل اليمين ، وأدت في العام الماضي الى انهيار ائتلاف نتنياهو التقليدي . فعقب انتخابات نيسان 2019 فشل نتنياهو في جسر الهوة بين المتدينين وأفيغدور ليبرمان ؛ وفي صلب النزاع بين ليبرمان والأحزاب الدينية برزت قضية الخدمة العسكرية للحريديم. فعلاوة على كون الخدمة العسكرية جوهرية في الهوية الإسرائيلية فإن الخدمة العسكرية في إسرائيل المؤشر الرئيس للمجتمع المدني الإسرائيلي والمقرر الحاسم لمعنى المواطنة في إسرائيل. إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تختلف فيها "المواطنة" عن "القومية" . معنى المواطنة يختلف عن اكتساب حقوق المواطن (جواز السفر).
كما ان الإسرائيليين يعتبرون الخدمة العسكرية مؤسسة شاملة يفترض فيها تقديم الحلول للخلاقات الإيديولوجية والسياسية .ازداد الغضب في أوساط اليمين واليسار العلمانيين حيال إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية؛ إذ نظر إليهم عبئا على الدولة نظرا لرفضهم الخدمة العسكرية ، وكذلك لأنهم يتمتعون بالتخفيض الضريبي، بينما لا يشتبكون في علاقات العمل. الاحصاءات الإسرائيلية قدرت عدد اليهود الأرثوذكس مليون و250 الفا ، أي نسبة 12بالماسة وهم يزدادون بوتيرة أسرع لأنهم لا يحددون النسل. كما ان أسلوب حياتهم الصارم المعزول ، ناهيك عن معاملتهم للمرأة يدخلهم في تناقض صارخ مع الصورة الليبرالية المنفتحة لإسرائيل في الخارج.
الجور على الفلسطينيين
في هذه الأثناء أغلق نتنياهو الأبواب بوجه محاولات حل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. نظر بازدراء الى المطالب الأساس للشعب الفلسطيني، وعمل باتجاه إدخال تغييرات سياسية وجغرافية على الأرض من خلال مواصلة بناء المستوطنات بضمانة الدعم الأميركي للضم غير الشرعي للقدس وهضبة الجولان ، والعمل مع إدارة ترمب لتطبيق صفقة القرن. ونتنياهو ، إذ لا يرغب في السماح بسيادة ذات معنى للفلسطينيين على الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، يمضي في إدارة النزاع. هذه المقاربة قد تسارعت بعد الانتفاضة الثانية ، غير ان جذورها تمتد في ما صدر عن حكومة ليفي إشكول "قرار عدم التقرير"، وذلك عقب حرب حزيران 1967. عزز نهج نتنياهو الشعور بالاستقرار في إسرائيل، خاصة أن حياة الفلسطينيين اليومية تحت الاحتلال تمضي بعيدا عن أنظار الإسرائيليين. بالنتيجة غاب الاحتلال عن انتخابات إسرائيل، بدلا من ذلك غدا الجمهور اليهودي مشغولا بالخلافات الداخلية المفصلة أعلاه.
نجح ننياهو في السنوات الأخيرة في فرض هيمنته على اليمين من خلال التأكيد على الأعداء المشتركين. لكن هذا النهج بلغ نقطة الصدام المباشر. إن سياسات نتنياهو الرامية الى إعادة هيكلة اليمين ، بالتأكيد على يهودية الدولة بدل ديمقراطيتها ، وإعادة تموضع النزاع في إسرائيل، قد احدثت ديناميات جديدة وتغييرات وتحالفات في السياسات الإسرائيلية. ضمن هذه الظروف تسيد نتنياهو اللعبة السياسية، وعرف كيف يستفيد منها الى أن كانت انتخابات إبريل 2019؛ لكنه ناور واستطاع الصمود.
يشن نتنياهو حاليا حربا شخصية ضارية ضد خصومه السياسيين، مستوفيا سلطة من قاعدته الانتخابية وشخصيته الكارزمية، وشأن سياسي شعبوي نمطي يرفض الانسحاب ولا يصدق انه يخسر اللعبة.
كما تقول مونيك ،لا يتخلى عن السلطة سوى قلة من الشعبويين من خلال انتخابات حرة ونزيهة. ينشرون الفساد في الداخل ، يعدلون الدستور لمنح أنفسهم مزيدا من السيطرة ، وينتهكون الحقوق المدنية والسياسية الأساس. وهذا ما يقوم به نتنياهو خلال السنوات الماضية ، يهاجم المؤسسات الهامة ويدعي أنه الضحية للميديا الليبرالية والنظام القضائي. مؤخرا نظم مظاهرة ضد " ديكتاتورية القضاء". وهو، شان ترمب يطعن في القضاء ويكيل التهم للصحافة والإعلام.
تقوم استراتيجية نتنياهو للبقاء في الحكم على شخصنة السياسات المحلية وتأكيد مسألة القائد المميز الذي تحتاجه إسرائيل. وفي الانتخابات الثالثة التي أجريت هذا العام استطاع نتنياهو، بالاتكاء على وباء كوفيد 19 وتخاذل بني غانتز، نقل المسالة من كيف نحكم الى من يشكل الحكومة، تحت وطأة الظروف الراهنة. يمارس نتنياهو العمل الذي اتقنه : خلْق أزمات وتقديم نفسه المنقذ الوحيد لإسرائيل. اتهم خصومه بإعاقة قضية التصدي للوباء من خلال استمرار الخلاف حول تشكيل الحكومة. لوح بعلم الوحدة القومية والمصلحة الجماعية في زمن الأزمة وأقنع غانتز والجمهور الإسرائيلي ان حكومة طوارئ قومية قضية حاسمة لهزيمة الفيروس. فكك حزب ابيض أزرق وثبّت نفسه في رئاسة الحكومة. طبقا لاتفاق تشكيل الحكمة منح نتنياهو سلطة تعيين القضاة والمسئولين الحقوقيين، بمن فيهم المدعي العام ومراقب الدولة؛ وبذا تقرر من هو الذي سيقرر مصير ننتنياهو بالمحكمة. نظم أنصار نتنياهو مظاهرات اتهموا القضاء الإسرائيلي بالفساد وتعمد استهداف نتنياهو. ردا على طعون قدمت الى المحكمة العليا بصدد تسلم رئاسة الحكومة وهو يحاكم قضائيا، أصدرت المحكمة العليا قرارا يجيز لنتنياهو تولي منصبه وهو برسم المحاكمة.
ضريبة باهظة على الديمقراطية
حمل استمرار نتنياهو بالسلطة ضريبة باهظة على الديمقراطية ومؤسساتها. ومع ذلك يتوقف مدى استطاعة الشعبويين تدمير الديمقراطية على مركزتهم للسلطة. من المفترض انه مازال في إسرائيل بعض ضوابط على السلطوية معدومة في بلدان أخرى. بإضافة ثلاثة نواب انشقوا عن الليكود وفازوا في الانتخابات الأخيرة بدعم أحزاب أخرى يحتفظ نتنياهو بأغلبية 61مقعدا بالكنيست؛ وهذا يعني أن نتنياهو شكل حكومته ضمن إطار حكومة وحدة وطنية، ومعززا سيطرته باسم الإجماع. حتى لو انتوى غانتز الانفصال عن الحكومة فلن يؤثر ذلك على استقرار الحكومة ودورها آلية شرعية للحكم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. في #النقاش_مع_جنان_موسى.. لماذا يحاول #الجولاني تبديل جلده و


.. بحقنة بـ2.1 مليون دولار.. حاكم دبي يعالج طفلة عراقية تعاني م


.. نتنياهو: لا نعلق آمالا على أي اتفاق مع إيران




.. مقتل 9 من عناصر الجيش في هجمات لداعش في البادية


.. البنتاغون: تركيا مطالبة بالتخلي عن منظومة إس 400 الروسية