الحوار المتمدن - موبايل


فلسفة النفي العقلاني للراديكالية السياسية

ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)

2020 / 7 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


يواجه العراق تحديات كبرى في كل شيء! وهي عبارة قد لا تفصح عن شيء، لكنها لا تقلل من واقع كون العراق كله مشكلة! وهي ظاهرة غريبة من نوعها في التاريخ المعاصر. غير أن ذلك لا ينفي إمكانية تحديد الأولويات في مواجهة التحديات الكبرى من بين كومة المشاكل التي يعاني منها. فمن الناحية الإستراتيجية ليست هناك مهمة كبرى أمام العراق اكبر من بناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني. أما تحقيقها فيفترض بدوره تحديد العقبات التي تعترض تحقيقها، والأساليب الضرورية في بنائها.
ولعل إحدى أهم هذه العقبات هي مشكلة الفساد المستشرية، التي تحولت بحد ذاتها إلى ظاهرة مفسدة بالنسبة للدولة والمجتمع وقواه السياسية. وتخرّب هذه الظاهرة بقدر واحد إمكانية بناء النظام الديمقراطي والمجتمع المدني. مما يجعل الجميع في نهاية المطاف عرضة للغرق في مستنقع الحرب الأهلية أو التخلف الشامل والانحطاط المعنوي. ذلك يعني، أن إحدى التحديات الكبرى المتعلقة ببناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني تقوم في كيفية مواجهة الموجة المتوحدة في عنفوانها الحالي والقائمة في إرهاب الفساد المتجلبب بالسباق السيئ للقوى السياسية التي كانت للامس القريب تتحدى في شعاراتها وبرامجها مخابئ التوتاليتارية والدكتاتورية وفسادها الإداري والمالي والسياسي، وفي فساد الإرهاب المغلف بلباس الوطنية والمقاومة والإسلام. وما بينهما يجري طحن المجتمع بأحجار هذه الطاحونة الخشنة!
طبعا، أن الفساد المستشري بين القوى السياسية والاجتماعية العراقية هو بمعنى ما «الثمرة» الفاسدة للتوتاليتارية والدكتاتورية، التي استطاعت في غضون عقود طويلة من الزمن تخريب الروح الاجتماعي والوطني على كافة الأصعدة. بحيث جعلت من العراق كيانا هشا في كافة جوانبه. مما أدى إلى إفراغ الشخصية الاجتماعية للفرد وهشمت كينونته السياسية ومقومات وجوده الأخلاقي. واثر ذلك واضح الآن في اغتراب المواطن عن الوطن ولا أباليته الغريبة بكل أمر غريب! إضافة إلى خواء الأجهزة الإدارية وتحول الإنسان فيها إلى أداة لامتصاص المال والزمن، أي إلى آلة اجترار كل ما يمكن اجتراره من اجل العيش فقط. بعبارة أخرى، أنها صنعت نمطا متميزا في الفساد والإفساد قد يكون الأتعس من نوعه في التاريخ المعاصر. وذلك بسبب غلبته الشاملة على ظاهر وباطن الدولة والمجتمع والروح الأخلاقي والإنسان الفرد والتجمعات وكذلك آلية وجود الأشياء والعلاقات.
إذ يمكن للمرء رؤية وتحسس ظاهرة الفساد العراقي في كل مسام الوجود ونضوحه منها بقدر متكافئ! وهي حالة يتحسسها المرء حالما تلامس أقدامه حدوده البرية! الأمر الذي يجعل من العبث والسخف اتهام الدول المجاورة (مع ضلوعها المباشر وغير المباشر) في الإرهاب. فالإرهاب يبدأ من فساد الفرد والدولة ومؤسساتها. وليس هناك من شيء لم يصب بطعم الفساد الشامل في مرحلة التوتاليتارية والدكتاتورية. ويعرقل هذه الخطر الجوهري إمكانية الانتقال العقلاني إلى النظام الاجتماعي المدني الديمقراطي.
فقد تركت المرحلة السابقة رذيلة مطلقة في كل شيء بحيث يمكننا القول، بأن عراق ما بعد التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو «النموذج الكامل» للفساد والإفساد الشامل في الدولة والمجتمع والفكر والثقافة والروح والأخلاق. أما حصيلتها الجلية والمستترة فتقوم في تضافر ثلاثة كوامن للضعف وهي أولا: ضعف القوى الاجتماعية، وثانيا: ضعف القوى السياسية، وثالثا: ضعف منظومة الحق والحقوق والعلاقات المدنية. مع أنها عماد البديل الواقعي والممكن للديمقراطية.
ويبرز ضعف القوى الاجتماعية من خلال انتشار وهيمنة الحثالة الاجتماعية، بوصفها مرتع الحركات الراديكالية بمختلف مستوياتها وتياراتها. وهي حركات قابلة للنمو السريع وإعادة إنتاج نفسها بقوة اشد قدرة على التخريب والمواجهة والتحدي مع كل نمو في آلية الفساد الاقتصادي والسياسي. لكنها إعادة إنتاج حتمية ما لم يجري وضع أولوية تفتيت البنية التقليدية بالطريقة التي تدمج القوى الاجتماعية المهمشة. لاسيما وأنها القوى الأكثر والأوسع والأعمق انتشارا. وهي الرذيلة الأكثر خطورة التي ورثها العراق من الماضي. مما يجعل من مهمة تذليلها مهمة وطنية عظمى بالنسبة لإعادة بناء الهوية الوطنية والاجتماعية للفرد. إن عدم حل هذه المشكلة سوف يجعل الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية تقف على مستنقع دائم الإنتاج لمختلف الرخويات السياسية والراديكاليات اللاعقلانية. وفي ظل هكذا واقع يستحيل تذليل الضعف التاريخي القوى السياسية العراقية نفسها. ومن ثم القضاء على الإرهاب الداخلي والخارجي.
إن الضعف التاريخي للقوى السياسية العراقية هو الوجه الآخر لامتداد الزمن التوتاليتاري والدكتاتوري في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية. وكان يمكن توقع هذه الحالة في ظل التأمل العميق للتجارب الشبيهة، غير أن الواقع يكشف عن أن الأحزاب السياسية العراقية الحالية لم تعر لهذه القضية اهتماما جديا. وأغرب ما في الأمر، أنها أكثر من أي قوى أخرى أخذت في التنافس الحامي من اجل جعل الفساد أسلوبا للنشاط الاجتماعي والسياسي. وهو أمر مرتبط من جهة بالفراغ الهائل الذي أحدثه الانقلاب الحاد والمفاجئ في النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكذلك بانعدام حصانتها وضعف استعدادها لمواجهة نفسها على حقيقتها بعد أن وجدت نفسها بين ليلة وضحاها على سدة الحكم!
فقد برهنت تجربة العراق في كل مجرى النصف الثاني من القرن العشرين حتى سقوط الدكتاتورية عام 2003 على أن الابتعاد عن المضمون الاجتماعي في إدارة شئون الدولة، وعن الأسلوب السياسي في إدارة شئون المجتمع، يؤدي بالضرورة إلى كارثة شاملة. وهو الدرس الذي لم تتعلمه فيما يبدو الأحزاب السياسية العراقية الحالية، ولم تتعظ من نتائجه النهائية بالنسبة لمصيرها ومصير قياداتها وأفرادها.
إن هذا النقص الجوهري في ممارسة القوى السياسية العراقية الحالية يعكس من حيث الجوهر ضعف مكونها الاجتماعي، الذي تسعى للتعويض عنه «ماديا» من خلال تحسسه في الأموال والثروة الممكنة باعتبارها الوسيلة الضرورية للفوز في الانتخابات المقبلة. وهو تحسس اقرب إلى الجهل بحقيقة اللعبة الديمقراطية وقواعدها الاجتماعية الضرورية. والقضية هنا ليس فقط في الجهل بحقيقة النظام الديمقراطي بوصفه منظومة اجتماعية وسياسية وثقافية متكاملة، بل ولضعف تحصنها بقيم الهوية الوطنية العراقية. وتتسم هذه الحالة بقدر هائل من الخطورة بالنسبة للحركة السياسية نفسها ما لم يجر وضعها في أوليات الحزب السياسي نفسه. وإلا فان النتيجة سوف تضع الحزب السياسي نفسه على «مقصلة الديمقراطية» أيضا! خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الديمقراطية المتراكمة والمقبلة في قواعدها القانونية يصعب عليها أن تنتظم في ظروف العراق الحالية والمقبلة بمعايير العقلانية والاعتدال. إذ لا المجتمع مؤهل بعد لهذا النمط من التفكير والممارسة، ولا القوى السياسية نفسها مؤهلة للفعل الديمقراطي الاجتماعي كما كشفت عنه أحداث العراق بعد سقوط الدكتاتورية ولحد الآن.
ويشير ذلك إلى أن الأحزاب السياسية الكبرى في العراق مازالت صغيرة بمعايير الأبعاد الإستراتيجية للبديل العقلاني والديمقراطي. وفي هذا الواقع يتضاعف الضعف الجوهري المشار إليه أعلاه، بمعنى تداخل الضعف الاجتماعي والسياسي للمجتمع وأحزابه السياسية. أما النتيجة الملازمة لذلك فتقوم في استمرار ما أسميته بضعف منظومة الحق والحقوق والعلاقات المدنية في الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية على السواء. وسوف تطبع هذه الظاهرة لفترة ليست قصيرة حركة وآلية فعل الشرائح الاجتماعية والأحزاب السياسية. ولعل انتشار ظاهرة الفساد بصورة هائلة مع أول امتداد للديمقراطية تشير إلى واقع «تقاسم» الثروة من جانب الأحزاب السياسية والبيروقراطية المتربية في أحضان «النظام» السابق زائد الشرائح الجديدة الآخذة في النمو والإثراء. بمعنى توسع القاعدة الاجتماعية والسياسية «لتقاسم» الثروة التي كانت تحتكرها سابقا حفنة صغيرة. وهي ظاهرة تشير إلى توسع القاعدة الاجتماعية والسياسية للفساد والإفساد. كما أنها نتيجة لها «تاريخها» الخاص في ضعف منظومة الحق والحقوق والعلاقات المدنية. لكنها تكشف في الوقت نفسه عن طبيعة وحجم «التضحية» الإضافية التي دفعها ويدفعها المجتمع العراقي لفترة طويلة نسبيا ما لم يتحرك هو ويفعل بمعايير القواعد الآخذة في تراكم عناصر المجتمع المدني. رغم أنها المهمة الكبرى للأحزاب السياسية التي لم تفقد بعد الحس الوطني والاجتماعي. فهو الرصيد الفعلي لإمكانية نموها الوطني والسياسي والاجتماعي والفكري. بمعنى أن نموها الفعلي متوقف على كيفية ومستوى تمثلها لوسائل وأساليب تذليل الضعف المركب للقوى الاجتماعية والسياسية ومنظومة الحق والحقوق والعلاقات المدنية. أما في الظرف الراهن، فإن تضافر هذا الضعف المركب في ظاهرة الفساد والإفساد يشكل الأرضية التي تسند الإرهاب الداخلي ومصادره المحتملة في حالة عدم وضع منظومة لنفيها الشامل.
إن المصادر الأساسية القادرة على مد ودعم وإسناد وديمومة الإرهاب في العراق هي من العراق نفسه. أنها تتفاعل من خلال تداخل ضعف القوى الاجتماعية والأحزاب السياسية وفقدان منظومة الحق والحقوق والعلاقات المدنية مع ظاهرة الفساد والإفساد المستشرية في الظرف الراهن. فالإرهاب عموما هو ظاهرة مترتبة أما على وجود حالة مرضية عميقة للمجتمع والدولة والأيديولوجية السائدة، وأما نتاج لخلل طارئ في أوزان الوجود الدولتي والقومي والأيديولوجي، وأما لجمعه بينهما كما هو الحال في ظروف العراق الحالية. الأمر الذي يجعل من الإرهاب الدائر فيه ظاهرة مركبة ومعقدة. أما من حيث استمراره واستفحاله، فانه يشير إلى أن المجتمع والأحزاب السياسية لم تتجاوز بعد المرحلة التي يمكن معها القول بأن العراق استطاع تجاوز مكامن الخلل الجوهري في بنية الدولة والمجتمع والثقافة. وهو خلل شديد الفاعلية وقادر في الوقت نفسه على ابتلاع الجميع في حال عدم مواجهته ببرنامج شامل مبني على أساس رؤية الأسباب الفعلية القائمة وراءه في بنية الدولة والمجتمع والثقافة وتذليله من خلال برنامج يرتقى إلى مستوى المنظومة العقلانية.
إذ تبرهن التجارب التاريخية على استحالة القضاء على الإرهاب وتذليل آثاره دون رؤية عقلانية وسياسة واقعية بديلة مبنية على أساس القانون والحق والعدالة. وهذه بدورها غير ممكنة دون التمسك بالحد الأدنى من الشرعية على النطاق الداخلي والخارجي، والحد الأدنى من القيم الإنسانية الجامعة المبنية على قيم الخير العام. مما يفترض بدوره تحديد الجذور الفعلية والأسباب الأصلية القائمة وراء التطرف وصيغته العنفية (الإرهاب). وهذا بدوره مستحيل التنفيذ دون تنفيذ أربعة مهمات كبرى وهي:
1. تحرير الدولة والمجتمع من مختلف صيغ الغلو السياسي والأيديولوجي، وأساليب ولغة العنف (مثل السحق والتدمير والتصفية والتحييد والتطهير وما شابه ذلك، السائدة في وسائل الإعلام)، لأنها تؤدي على المدى القريب والبعيد إلى إنتاج هذه المعاني في السلوك الفردي والاجتماعي.
2. محاربة الإرهاب من خلال التركيز على أولوية الوسائل الحقوقية، من اجل تحرير هذه الوسائل من خدمة الغايات الضيقة للأحزاب والأفراد على السواء.
3. ضرورة استناد الدولة إلى أيديولوجية أو قيم جامعة ذات أبعاد وطنية - حكومية - إنسانية مهمتها خدمة المجتمع المدني وتوسيع وتعميق آليات فعله.
4. وضع هذه الأفكار في أساس التربية والتعليم والدعاية والإعلام، من خلال صياغة نظام مرن للحقيقة يستجيب للحاجة العملية الصحيحة، وبما يتناسب مع التاريخ القومي والثقافة القومية.
إن تجسيد هذه المهمات العملية المذكورة أعلاه يخلّص الدولة والمجتمع والثقافة من الوقوع في مغالطات الزمن وينقلهما إلى مصاف التاريخ الفعلي بوصفه إدراكا وتراكما لوعي الذات، ومن ثم يخلصهم جميعا من شرك الإنتاج الدائم «للأوهام المقدسة». حينذاك يمكن تجفيف منابع الشر الاجتماعي والأخلاقي والروحي للإرهاب وتحرير الإيمان من أن يكون فريسة البصيرة الخربة. وليس اعتباطا أن قيل قديما «العمى اقرب إلى السلامة من بصيرة حولاء». فالأعمى يتمسك بعصا ترشده في الطريق، بينما البصيرة المصابة بالحول عادة ما تتداخل الأشياء والألوان فيها بالشكل الذي يجعلها ترى الجميل قبيحا والقبيح جميلا. أما النتيجة فهي إفساد الحس والعقل والحدس. وفي مجال الدولة والمجتمع والثقافة، فانه يؤدي إلى وضعهم في حالة نقيض مع حصيلة التجارب التاريخية المأساوية للعراق. مما يفترض في ظروف العراق الراهنة تنشيط المبادئ المشار إليها أعلاه من خلال ربطها العملي الدائم بمحاربة ظاهرة الفساد والإفساد في الأحزاب السياسية. إذ تجسّد هذه المحاربة في ظروفه الحالية معركة تعادل من حيث قيمتها التاريخية والسياسية والحقوقية معركة الحياة والموت فيه.
*** *** ***








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رمضان في لبنان في ظل الأزمة الإقتصادية


.. أوكرانيا: بايدن يتصل ببوتين للتهدئة وروسيا تنذر السفن الأمري


.. آية بورويلة: هناك العديد من التحديات أمام البلدين أهمها الجل




.. ct محكمة أمن الدولة تباشر التحقيق في قضية -الفتنة-


.. خططوا لاغتيال السيسي.. لمحة عن الشخصيات الإرهابية في الاختيا