الحوار المتمدن - موبايل


ثورة 14 تموز المجيدة في ذكراها الثانية والستين !

صبحي مبارك مال الله

2020 / 7 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


يحتفل الشعب العراقي في كل عام بمناسبة تفجر ثورة الجيش والشعب في تموز 1958 وتُستذكر بإعتزاز لما إحدثته من منعطف كبير هزّ العالم وفاجئ دوائر المخابرات ا لعالمية وحكوماتها التي غيّرت حساباتها وقلبت خططها الستراتيجية على عقب ، بسبب موقع العراق الجغرافي الخطير بين أسيا وأوربا وملتقى طرق مواصلات تجارية تهم العالم ، وكذلك إمتلاكه ثروات هائلة ذات تأثيرستراتيحي على الأمن العالمي وفي مقدمتها النفط . ولإهمية هذا الحدث التأريخي فلابدّ أن نستخلص منه الدروس والعِبَر لمعرفة الأسباب التي أدت بهذه الثورة إلى الإنتكاسة وتدمير مكاسبها وإسقاطها بإنقلاب 8شباط الأسود الدموي. لقد إهتم الباحثون والمختصون والسياسيون والأكادميون بثورة 14 تموز ، وقدموا الكثير من الدراسات والبحوث والتحليلات حولها، حيث إتفقوا على أن كل سنة من تلك السنوات المعدودة من عمر الثورة تميزت بمنجزاتها وإخفاقاتها وبوقائعها وأحداثها العاصفة يمكن ان تقارن بعقود بإكملها .
فلا توجد طبقة أو فئة إجتماعية لم تمسها عملية التغيير الثوري وليس هناك جانب من جوانب الحياة لم يتأثر بهذا التحول الثوري، ولازال الطريق مفتوحاً لإستكمال التقييم حسب المنهج العلمي . وأهم نقطة بأن تفجير الثورة لم يأت من فراغ وإنما من خلال نشاط جماهيري بطولي عبر التظاهرات والإضرابات والإنتفاضات والتي قدم فيها الشعب العراقي التضحيات الجسام من خلال مقارعته النظام الملكي الرجعي ، فالجيش لم يكن بإستطاعته التحرك لولا وجود القوى الشعبية والتي عملت على عزل النظام الملكي شبه الإقطاعي ، فالنشاط الجماهيري تحول إلى نهوض ثوري . لقد جاء في أحدى التقييمات بعد مرور شهرين من قيام الثورة ، (بإن ثورة 14تموز 1958 هي أعظم إنتصار حققته الحركة الوطنية منذُ نشؤها ، إنها ثمرة نضال طويل مرير مفعم بالتضحيات خاضه شعبنا طوال نصف قرن ، وهي ثورة وطنية ديمقراطية موجهة ضد الإستعمار والإقطاع ) ومن بين أهم الدروس المستخلصة من ثورة 14تموز أن هذه الثورة إنتصرت لأنها إعتمدت على وحدة القوى الوطنية الديمقراطية التي ناهضت الحكم الملكي وناصرت الثورة وساهمت في نهوضها إضافة إلى الدور الوطني للجيش وتلاحمه مع الشعب مما ساهم في تحقيق الثورة .كما إن جبهة الإتحاد الوطني التي تحققت في عام 1957 من الأحزاب الوطنية التي كانت تعمل على الساحة السياسية وثبتت موقفها من خلال برنامجها الوطني الديمقراطي بالتنسيق مع اللجنة العليا للضباط الأحرار فكانت الجبهة هي الأداة الكفاحية الفعالة لتحقيق المهام الراهنة لإقامة البديل الديمقراطي . ومن الدروس البليغة _إن الديمقراطية السياسية شرط أساسي لتطور نضال الطبقة العاملة والجماهير الشعبية وضمانة أكيدة لحماية ودفع عجلة التحولات الإجتماعية والإقتصادية السياسية . لقد كانت المهمات الكبرى المطروحة بعد إنتصار الثورة هي 1- صيانة الجمهورية الوطنية وتوطيدها وتعزيز إتجاهها الديمقراطي 2- تعزيز الإستقلال الوطني 3- إطلاق الحريات الديمقراطية 4- إحترام الحقوق القومية للشعب الكوردي 5- حماية الاقتصاد الوطني والإهتمام بالمشاكل المعاشية . لقد جرت محاولات من قبل أعداء الثورة والتي تضررت مصالحهم، لمحو آثار ثورة 14تموز 1958 من ذاكرة التأريخ ولكن هيهات فالشعب يتذكر ثورته بكل حماس لإنها تحولت من حركة عسكرية ذات أهداف محددة إلى ثورة شعبية ذات تحولات جذرية وتبنَّي عراق جديد . لقد كانت الجماهير تدفع العملية الثورية إلى أمام في إطارها الوطني الديمقراطي ، لقد حققت الثورة في أشهر من إنطلاقتها ماعجزت عنه ثورات وطنية أخرى في سنوات . ولهذا إستطاع المد الجماهيري في كل أنحاء العراق إسناد القيادة العسكرية ودعمها لإجل إتخاذ القرارات التأريخية وهذا أرعب أعداء الثورة والبدأ بالتآمر عليها من قبل الأوساط القومية اليمينية وأيتام العهد الملكي ورجالات الإقطاع وأحزاب البرجوازية المذعورة والرجعيين الجدد وإمتداداتهم في بعض العواصم العربية . لقد حققت الثورة بمؤازرة المخلصين من أبناء الشعب العراقي من العمال والفلاحين والكسبة والقوى الديمقراطية والمثقفين الثوريين ومعظم فئات الشعب ، الكثير من المنجزات التي أعطت للثورة زخماً قوياً للسير في طريق التحرر والإستقلال والبناء ومن أهم هذه المنجزات :1-إصدار قانون الإصلاح الزراعي الذي وجه رغم نواقصه ضربة للإقطاع وقوض سلطته في الريف. 2- الخروج من حلف بغداد والمعاهدات والأحلاف والإتفاقات العسكرية الإستعمارية 3-تحرير العملة العراقية من قيود الإسترليني 4- إصدار القانون رقم 80 الخاص بتأميم 99.5% من أراضي العراق المشمولة بإمتيازات شركات النفط الإحتكارية 5- الشروع في خطوات أولى لبناء صناعة وزراعة وطنية متطورة 6-إنتهاج سياسة تحررية نشطة في صفوف حركة التحرر الوطني العربية 7- إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفياتي ودول المعسكر الأشتراكي وإبرام إتفاقات تعاون وصداقة معها آنذاك ومع الدول المحررة . 8-الإعتراف بشراكة الشعب الكوردي للشعب العربي في الوطن الواحد 9- إصدار أول دستور جمهوري مؤقت للبلاد. 10-إصدار قانون الأحوال الشخصية والكثير من المنجزات الأخرى التي تخص الحياة المعاشية وبناء المساكن للفقراء وفتح المدارس الجديدة والمستشفيات وبناء مدن جديدة للكادحين وتوسيع التعليم ومكافحة الأمية وبناء الجامعات وفتح المختبرات وتشجيع البحث العلمي وإرسال الطلبة في زمالات إلى الدول المتقدمة للحصول على شهادات علمية متقدمة .وجعل التعليم مجاناً على كافة المستويات والتطبيب في المستشفيات والمراكز الصحية مجاناً .لقد ساهمت القوى المعادية للثورة سواء في داخل العراق أو خارجه في حراك تآمري محموم لأجل إسقاط الثورة والقضاء على قياداتها كما سخرت الأموال والسلاح وشاركت في التحضير للعديد من المؤامرات ولكنها فشلت بقوة ووحدة الشعب العراقي . ولكن الصراعات التي نشبت بين القوى الوطنية والديمقراطية التي كانت موحدة من قبل على أهداف الثورة أدت إلى الإنتكاسة وذلك بسبب العجز في فهم طبيعة المرحلة التي دشنتها الثورة حيث تمّ تغليب التناقضات الثانوية على التناقض الرئيسي بالإضافة إلى النَزَعات الدكتاتورية لبعض قادة الثورة وعدم رهانهم على الجماهير الشعبية.
لقد حصل إنقسام كبير في القيادات العسكرية والجماهير الشعبية مما أدى إلى تسهيل التآمر وإنتصار إنقلاب الردة في الثامن من شباط 1963 . كان التردد في إستئصال قوى التآمر التي كانت معروفة ،تحت الضغوطات الإقليمية والدولية قدأدت إلى إيقاف الحياة الديمقراطية و كذلك الهجوم على المنظمات الديمقراطية وزج الآلاف من المناضلين في السجون والمعتقلات ، ورفع التقارير المزيفة ضد القوى الوطنية من قبل الأحهزة الأمنية الفاسدة والعودة إلى رفع شعار المقبور نوري السعيد وهو( مكافحة الشيوعية) وإتهام كل الوطنيين والديمقراطيين بها في حين كان الشيوعيون من أخلص المناضلين في الدفاع عن الثورة . ورغم ما آلت أليه الثورة إلى مآسي وما إكتنفها من أخطاء وما واجهها من مؤامرات وضغوط إقليمية ودولية فإن ثورة تموز ستبقى نقطة وضاءة في تأريخ العراق الحديث. ونلاحظ من خلال المتغيرات التي حدثت في تلك الفترة ، فترة عراق 14 تموز حيث تعرضت مصالح ومواقع المراكز الرأسمالية إلكبرى في عموم العالم الغربي إلى صدمة كبيرة . لقد ذكر الرئيس الأمريكي (آيزنهاور) في مذكراته آنذاك في صبيحة 14 تموز(تلقيت بصدمة بالغة أنباء الإنقلاب في بغداد ضد النظام الملكي الهاشمي . هذه البلاد التي كنا نعتمد عليها بكل ثقلنا في أن تكون الحصن الحصين للإستقرار والتقدم في المنطقة .. وأذا لم يلقِ تحول الأحداث بهذه الصورة المعتمة الرد الشديد من جانبنا ، فقد يؤدي إلى إزالة كل النفوذ الغربي في الشرق الأوسط ...) ومن بعد هذه الثورة لم تهدأ المنطقة وكان كل الخوف من إمتداد تأثيرها ولهيبها الثوري إلى الدول المجاورة .
لقد إنفتحت في زمن الثورة الآفاق الثقافية أمام الشعب وفي المقدمة الشباب الذين تعرفوا على الأفكار التقدمية ، وكانت الحريات الديمقراطية القصيرة الأمد ، قد طورت قابليات الشباب الفكرية والسياسية والعلمية والفنية بكل فروعها (المسرح والموسيقى والفن التشكيلي والنحت والسينما) وإزدادت الحركة الثقافية نمواً وإبداعاً من خلال ظهور الكتاب والشعراء كما إنتعشت الحركة النقابية المهنية وساهمت في تحشيد جماهير الشعب كذلك إنطلقت الحركة النسوية بقيادة رابطة المرأة العراقية ذات التأريخ النضالي كما جاء تنظيم الطلبة في اللجان الطلابية بقيادة إتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية داعماً للثورة، كما كانت الطبقة العاملة العراقية والجمعيات الفلاحية في مقدمة الصفوف للدفاع عن الجمهورية . بما إن هذا الحراك الجماهيري المنظم الواسع لم يسعد القوى الرجعية واليمينية فأزدادوا حقداً على الشعب وتآمروا عليه بالتعاون مع دول إقليمية ودولية ثم بدأ التراجع تحت ظل الإغتيالات للناشطين من قبل قوى التآمر المضادة وفرقها المخصصة للإغتيالات وبدأ التخريب في كل مكان وحصلت الإنتكاسة والإنقلاب الدموي بعد إستبعاد جماهير الشعب والنجاح في خلق فجوة كبيرة بين الشعب وقيادة الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم.في ختام المقال نقول المجد لثورة الرابع عشر من تموز الخالدة والخلود لشهداءها الأبرار.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مصر: قتلى وعشرات الجرحى جراء انقلاب عربات قطار في محافظة الق


.. الدراما العربية.. طموحات نحو العالمية في زمن المنصات الرقمية


.. العراق يشترط أخذ اللقاح على الراغبين بالسفر إلى الخارج




.. 11 قتيلا وعشرات الجرحى بحادث قطار المنصورة في مصر


.. نجم القصاب: إجراء الانتخابات البرلمانية في أكتوبر القادم يعط