الحوار المتمدن - موبايل


العرب.. وسؤال الحداثة

محمد دوير

2020 / 7 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


اتخذ سؤال الحداثة في الفكر العربي طابعا مختلفا بحسب كل مرحلة تاريخية يُطرح فيها هذا السؤال، نظرا لاختلاف أهداف السائل نفسه. وقد فرض السؤال نفسه علي المجتمعات العربية في القرنين الماضيين ثلاث مرات علي الأقل. كان السؤال الأول بعد حملة نابليون علي مصر وجاء في صيغة كيف تقدم هؤلاء الفرنجة ؟ هنا فطن العرب إلي أن العلم والقوة العسكرية هما أسباب التقدم، فكان الرد علي ذلك من خلال البعثات العلمية إلي الغرب وبناء مؤسسات تعليمية مثل مدرسة الألسن، وتوقفت إجابة سؤال الحداثة الأول عند قدر كبير من التحديث ومساحات ضئيلة من الحداثة. ثم جاء السؤال الثاني بعد الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي واتخذ صيغة كيف يمكن لقوي التحرر الوطني أن تحرز تقدما اجتماعيا بعيدا عن سلطة الغرب المستعمِر ؟ حيث تأثرت الحداثة- التي عملت تحت إشراف الدولة- بقدر ليس بالقليل من الثقافة العالمية وانفتح العرب علي الفكر العالمي بصورة أكبر مما سبق،وإن ظل هذا الانفتاح خاضعا للرقابة وتوجهات السلطة بصفة عامة، وبالتالي فيمكن وصفها بأنها حداثة "موجهة" إلي حد ما.
أما السؤال الثالث فقد تزامن مع ما يسمي بثورات الربيع العربي منذ عقد تقريبا، وقد جاء السؤال في ظل مرحلة العولمة ونظريات ما بعد الحداثة، واتسم بالبحث عن الحقوق العامة والخاصة والضغط في اتجاه رفض السلطة بشكل عام وعلي رأسها السلطة السياسية.وبدا الأمر وكأن سؤال الحداثة الراهن جاء ماضويا وليس تقدميا كما حدث في المرحلتين السابقتين. واقصد بالماضوي هنا أن الغرب كان قد تجاز مرحلة الحداثة منذ الربع الأخير من القرن العشرين تقريبا،وصارت بالنسبة له إرثا ماضويا، ونظرا لأن" الأنا" العربية المعاصرة كانت تنشد حداثة علي النموذج الغربي، ومن ثم جاء المطلب الثوري العربي للحداثة مطلبا ماضويا. وربما هذا احد أسباب الارتباك الثقافي في الفكر العربي المعاصر.
اتسم السؤال الأول إذن سؤال التأسيس بغلبة الهوية الدينية، وتميز السؤال الثاني سؤال مرحلة ما بعد الاستقلال بالتمييز الواضح بين الغرب المتقدم والغرب المستعمر ولا مانع من الأخذ بأسباب التقدم دون الوقوع في حبائل الفكر والثقافة، وكانت الهوية القومية العربية هنا هي البديل الثقافي وربما الأيديولوجي لتلك المرحلة. فيما اتسم السؤال الثالث بكسر كافة الحدود والحواجز والانفتاح علي كافة الأفكار والتصورات مع رفض نسبي للهوية الدينية والقومية لدي المتحمسين للحداثة التي اتخذت في الغالب صورة علمانية دون الالتزام بأية أيديولوجية مناهضة لليبرالية أو العلمانية بوصفها – أي الليبرالية – هي الضامن الرسمي للفصل بين السلطات خاصة المدنية والدينية . بمعني أن الفضاء الثقافي صار أكثر اتساعا وأن الالتزام الهوياتي تراجع بدرجة كبيرة بفعل إخفاق الأجنحة السياسية لهاتين الهويتين في تحديث أو نقل المجتمعات العربية نقلة حداثية( كتجربة القومية العربية في أحزاب البعث في العراق وسوريا والناصرية في مصر وجبهة التحرير في الجزائر وثورة الفاتح في ليبيا والارتباك الطائفي في لبنان )
ولعل اخطر ما في سؤال الحداثة الراهن - الذي لم يزل سؤالا يعاني حالة سيولة - أن المطلب الحداثي يأتي في توقيت صعب للغاية حيث يعاني العالم من مرحلة تحول منذ انهيار الكتلة الشرقية، من جهة أخري يختلف عن السؤالين السابقين ( صدمة نابليون – ما بعد الاستعمار ) في أنه لم يعد سؤالا داخليا يتحكم فيه المجتمع العربي أو السلطة السياسية بل صار سؤالا عولميا، أي أن مدخلات الحداثة لا تأتي ولا تتم تحت إشراف الدولة أو مؤسساتها الثقافية والسياسية" الأحزاب– منظمات المجتمع المدني" بل تتم عبر ثورة الاتصالات المعاصرة التي صارت شريكا رئيسا في تشكيل الوعي الجمعي والفردي داخل الأمم، وهو ما يلقي بشروطه في عملية الحداثة نفسها إذ ستصير خليطا من الحداثة وما بعدها، وإذا أضفنا إلي ذلك أنه يتم غرسها في تربة اجتماعية غير مؤهلة تماما للاستقبال الصحيح، سنصل إلي نتيجة أننا إزاء حداثة "مشوهة" لا سيما وأن السلطة السياسية في البلدان العربية تحولت إلي مقاوم علي عكس المرحلتين السابقتين حينما كانت السلطة هي من يستدعي بعض قيم الحداثة،بمعني أن الحداثة الراهنة تحولت بفعل ظروف موضوعية " اجتماعية وسياسية ودينية" إلي مطلب منحصر في النخبوية ويسبح ضد تيارين هما السلطة بنزوعها الشعبوي أحيانا والشعب الذي يتعرض لعمليات تزييف وعي غير مسبوقة.
إضافة إلي عمليات القطع الحداثي التي شغلت مساحات زمنية كبيرة منذ محمد علي حتي الأن، فسؤال الحداثة يُطرح علينا مرة كل قرن من الزمان، في أوائل القرن التاسع عشر، ثم في منتصف القرن العشرين، ثم في أوائل القرن الواحد والعشرين. وما جعل المسافة كبيرة بين السؤال الأول والثاني - حوالي 150 سنة - أن المزاج العام للعرب حينئذ أو الوعي الجمعي كان يتشكل وفقا للهوية الدينية التي كانت الدولة العثمانية رغم ضعفها تصدره، فيما تقلصت المسافة الزمنية بين السؤالين الثاني والثالث إلي ستين عاما تقريبا لأسباب عديدة منها أن الهيمنة القومية أقل سطوة من الدينية، وكذلك عجلت نكسة 1967 بانكسار المشروع الوطني العربي وبالتبعية الحداثة المنبثقة عنها، وعاش الفكر العربي بعد النكسة فترة فراغ أيديولوجي سعت التيارات المختلفة لاحتلاله. وفي قلب هذا المخاض الطويل من النكسة وحتي الهبات الشعبية العربية ابتدءا من 2010 إلي 2020 كانت تتشكل ملامح السؤال الثالث عن الحداثة. ولكن – كما أسلفنا – جاء سؤالا ماضويا، وأكاد أن أقول سؤالا لقيطا أيضا ناتج عن غياب الحضور الثقافي للأمة وتمرد الغرب علي الحداثة وقيمها لصالح ما بعد الحداثة وتصوراتها التفكيكية حيث ترك ساحة الحداثة منذ عقود، إضافة إلي أن النخبة العربية نفسها التي خرجت للبحث عن الحداثة عبر التغيير السياسي لم تكن مؤهلة بصورة كافية للإجابات.
النقطة المهمة هنا هي أن الفكر العربي المعاصر في سياق بحثه عن سؤال الحداثة لم يكن لديه رفاهية الاختيار بين خيارات مطروحة عليه بقدر ما هو نتاج لواقع وحقائق علي الأرض، ويخطئ من يتصور أن فلاسفة العقد الاجتماعي في الغرب طرحوا أفكارهم في بيئة غير مؤهلة للنقلة الحضارية التي حدثت في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، فالمؤكد أنهم نتاج بيئة وأرض تمور بالمتغيرات بحيث صارت أفكار فلسفة السياسة وتغيير أنظمة الحكم وظهور نظريات المواطنة والدولة وبلورة الحقوق؛ هي تلبية ضرورية لمجتمع خاض تجارب مريرة مع الإصلاح الديني والانقلاب المفاهيمي الذي أحدثته نظريات العلم وخاصة في الفلك والفيزياء وتزايد نفوذ التجار والصناع بعد الكشوف الجغرافية...الخ ومن ثم يصبح الفكر العربي المعاصر– وهو يطرح سؤاله عن الحداثة– رهينة لمجموعة إحداثيات لا يستطيع الخروج عنها، بل كل ما يمكنه فعله هو إبداع طرح السؤال والإخلاص في تقديم إجابات ترتكز علي فهم واقعنا الراهن بكل عيوبه. إن علي المفكر ألا يكون حالما إلا بقدر قدرة الواقع علي تحمل أعباء الحمل، حمل الأحلام إلي الواقع.فالمؤكد أن ما يحدث في المجتمعات العربية بعد ثورات الربيع العربي هو شيء مختلف عما يحدث في أوربا في عصر النهضة، ففي أوربا دفعت عوامل داخلية نتيجة الصراع الكنسي والصراع الاجتماعي بين الإقطاع والتجار والثورة العلمية...الخ الدعوة للفردانية والمواطنة والحق قي اختيار الفرد لتصوراته ومعتقداته ومن ثم النظام الذي يقبل به في الحكم. كانت المواطنة هي حجر الزاوية التي حاولت المجتمعات الغربية للتوصل لصيغة مناسبة. أما في المجتمع العربي فالأمر أكثر صعوبة لأن مطالب المواطنة والحقوق العامة والخاصة تتم في ظل غياب أصول تقدمية كالتي حدثت في أوربا، فالإصلاح الديني المتواضع الذي ظهرت بوادره مع محمد عبده وطه حسين والتنويريين العرب لم يتحول في أي لحظة إلي تيار بسبب غياب الحاضنة الاجتماعية له، بل سنجد أن السلفية الدينية التي تمثل الردة والجمود تنامي تأثيرها ربما حتي لحظتنا الراهنة. إضافة إلي أن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية العربية لم تشهد مرحلة نمو ونضج وتطور بفعل أن الدور المركزي في الدولة وخاصة في مصر لعب دورا في وأد أي صراع اجتماعي تنافسي بين الطبقات والتي لم يتح له فرصة تاريخية للتشكل. وهناك آخر ثالث حضر في الغرب وغاب عندنا وهو حركة العلم التي انحسرت منذ الدولة العثمانية وحتي مرحلة الاستقلال عن الاحتلال الغربي، بعدها تحولت المؤسسات العلمية في العالم العربي إلي مستهلك وتابع بالضبط كما حدث في الاقتصاد.
هذا الغياب التأسيسي لمجتمع حداثي جعل المواطن العربي يخرج منذ عشر سنوات للشارع بدون سند سياسي أو ثقافي أو اجتماعي أو طبقي،وإنما استند الانفجار الشعبي علي شعور عام بإهدار الكرامة وتراجع مستويات المعيشة وتكلس السلطة السياسية، ولم يكن الحلم الثوري محررا من زيف الأوهام وطوباوية التصورات عن غد أفضل لمجرد أن احتل الناس الشوارع ، أو لمجرد أن أسقطت رمزية السلطة بقتل أو هروب أو تنحي الرئيس، ولم تدرك الجماهير العربية أن ملامح دولة الثورة لابد وان تتشكل من الوعي وليس من التمرد، من التنظيم وليس فقط من التظاهر،فخرجت تطالب بالحرية وليس لديها أدواتها، وتطالب بالحداثة ولا نعلم أية حداثة نريد، وبإسقاط النظام ولم نحدد مسبقا ما هي حدود ذلك النظام وتشابكاته وتحالفاته.. باختصار جاء سؤال الحداثة الثورية الراهن مشوها بقدر يدفعنا لضرورة محاولة الإجابة علي ثلاثة تساؤلات محددة : 1- هل يمكن إنتاج حالة حداثية عربية في ظل طمس ملامح التمييز الاجتماعي وانحسار الطبقة الوسطي؟.. 2- هل يمكن انجاز الحداثة العربية بأدوات ما بعد حداثة غربية ؟؟ 3- هل يمكن انجاز حداثة في غياب المشاركة الشعبية ؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نجمة برامج التوك شو المذيعة المصرية -ريهام إبراهيم- ضيفة مرا


.. ريتا أغنى فاشينيستا عربية على انستجرام ?? انصدمت


.. التصعيد الإسرائيلي الفلسطيني: تواصل الضربات واستمرار التحركا




.. كيف أثرت السيارات على تصميم المدن؟ هكذا قد يكون المستقبل بسي


.. البيت الأبيض: منخرطون في دبلوماسية هادئة من أجل خفض التصعيد