الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أرض الأرواح: رؤى قبيلة كوز عن الخليقة والطوفان والموت والحياة

كلكامش نبيل

2020 / 7 / 19
الادب والفن


لأهداف أنثربولوجية، أتممتُ قراءة كتاب "حكايات قبيلة كوز" وهي من قبائل هنود أميركا الشمالية. الحكايات مكتوبة بدون تحرير كما جمعها ليو يواكيم فراختنبيرغ وترجمها خالد الجبيلي. بدت الحكايات بالنسبة لي مشتتة ومروية بطريقة طفولية في الغالب تخلو من الحبكة والتشويق. تتعلق بعض القصص بزواج البشر والحيوانات وتحولات البشر إلى حيوانات كما في كتاب مسخ الكائنات للشاعر الروماني أوفيد – ولكن بنسخة بدائية – فضلاً عن قصص الحب والخليقة ونشأة العالم وقبيلة كوز.

من المثير للاهتمام في قصة "الخليقة" ذكر عبارة "الماء يغمر كل شيء" في البداية وهذا يتوافق مع تصوّرات السومريين وسكان بلاد ما بين النهرين وقصص الأديان الإبراهيمية. يجعلنا مثل هذا التشابه نتساءل عن سبب تصور أغلب الشعوب القديمة لفكرة أن المياه قد سبقت اليابسة. في هذه القصة نرى تصورات طفولية لنشأة العالم مثل تحول ريش نسر يتم غرسه في الأرض إلى أشجار. من النقاط الأخرى التي تتوافق فيها قصة قبيلة كوز مع القصص الابراهيمية أن البداية كانت للرجل، ووجود رجلين في البداية وحمل أحدهما بامرأة بدون زواج. تخلو القصة من فكرة صراع الآلهة كما هو معروف في قصة الخليقة البابلية أو قصة الجبابرة اليونانية، فنحن نرى هناك اشتراك شخصين في خلق العالم وولادة الأنثى من الرجل.

من الملاحظات الأخرى المثيرة للاهتمام قصة بقاء رجل في جوف الحوت، ويذكرنا هنا بقصة يونان – يونس، لكن الشبه الوحيد هو في ابتلاعه ليس إلاّ. هناك أيضًا تركيز على فكرة إحياء الموت والعودة إلى الحياة ككل الشعوب الأخرى التي تخشى الموت، ويعتقدون في احدى القصص أن صديقين فقد أحدهما ابنه فقال له الآخر أنه لن يعود، ومن ثم مات ابن الآخر، فعاد الرجل ليأمل في إمكانية عودة إبنه، فقال له الأب الأول أن الابن الثاني لن يعود لأنك لم ترغب في عودة إبني أولا.

من المفارقات الأخرى وجود قصة عن فيضان كبير، وعن ركوب الناس أزواجًا أزواجًا في قوارب كثيرة إذ تحاول هذه القصة تفسير تفرق الناس وانتشارهم. هذا الشبه مثير للاهتمام واتساءل حقا إن كانت جذور هذه القصة قديمة أم أنها تولدت فيما بعد بحكم احتكاك هنود أميركا بالمبشرين بعد اكتشاف القارة. إذا كانت القصة أصيلة فإن هناك تساؤل كبير بخصوص أسباب تفكير أغلب الشعوب القديمة – بدون تواصل جغرافي - وأساطيرهم بخصوص طوفان كبير طال الأرض والكائنات، أو أن الأمر لا يعدو كونه خوف الإنسان من الفيضان.

في قصة عن عملاقة تخطف الرجال، وجدت تشابه بينها وبين قصة الغولة أو السعلوة في العراق تحديدا وربما دول أخرى في الشرق الأوسط. من التصورات التي لفتت انتباهي في هذه المجموعة القصصية تركيز الشعب على إمكانية إحياء الأموات حتى لو كانوا قد ماتوا قبل عقود، وتصورات إسطورية عن إعادة لصق الرأس بالجسد، وارتداء البشر لجلود حيوانات ليتنكروا في هيئتها، بل وتنكر رجل بجلد امرأة قام بقتلها وسلخ جلدها ولم يتعرفوا إليه. في قصص كثيرة تتردّد فكرة كون السماء تضم عالما آخرا وكأنها أرض أخرى في الأعلى. في عدة قصص، يتردد ذكر كلمة "شراء زوجة" أو "يشتري زوجة" وهذا يثير تساؤلا عن نظرتهم للزواج وقيمة المرأة ولكن القصص الأخرى تظهر أن النساء يخترن الرجال وينجذبن إلى قوة أو وسامة رجل يقابلنه في أثناء الصيد أو الخروج من المنزل ويعرضن عليه الارتباط بسرعة بقولهن "أنت زوجي" ويوافق على الفور. تتكرر قصة زواج النساء من رجال يكتشفن أنهم حيوانات في الأصل مثل قصة تتكرر في ثلاث نسخ مع تعديلات طفيفة لزواج امرأة من الميرمان "الحوري، نصف رجل ونصف سمكة" أو الكلب أو الذئب.

لم أجد متعة في قراءة هذه المجموعة القصصية لكنني خرجتُ بتصوّرات عن طبيعة تفكير تلك القبيلة وهذا ما كنتُ اقصده. أرجو لكم وقتا طيبا في حال قررتم قراءة المجموعة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفيلم الوثائقي حقائق النصر -شهادات واعترافات-


.. فعاليات الدورة الـ 38 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول حوض


.. بانوراما | تقارير غربية تحذر من اختفاء اللغة العربية.. ما ال




.. تفاعلكم | 25 سؤالا مع الفنان قيس الشيخ نجيب


.. تفاعلكم | مشهد صادم! سوداني يقتحم مناسبة ويهاجم الفنان وفرقت