الحوار المتمدن - موبايل


الجريمة إحدى إفرازات السيطرة الطبقية وأدواتها في الولايات المتحدة

سعيد مضيه

2020 / 7 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


نزعت جريمة قتل جورج فلويد القناع عن نماذج متعددة لوسائل القهر الطبقي في الولايات المتحدة. أبرز الوسائل وضع الجماهير الشعبية في حالة انسحاق تحول دون وعيها لواقعها البائس . الشرائح الفقيرة والسود وبقية الأقليات تتردى في وضعية دونية موضع شبهات تُنزل بهم تلاوين الحرمانات وصنوف القسوة تدفع أفرادها في دروب الجريمة كي يبقوا مطارَدين تحيطهم أجواء الكراهية وهم يكابدون الاضطهاد. أساليب لاإنسانية تحول صاحب الحق من طارد للسلطة مطالب بالحق في حياة إنسانية الى مطارد من قبل السلطة مدان بجريمة. القضاء والسجون وسائل سيطرة طبقية، وكذلك تجارة المخدرات التي تتم تحت إشراف وكالة المخابرات المركزية ويتورط فيها التعساء من السود والأقليات العرقية. نشر الصحفي التقدمي الأميركي، جيفري سنت كلير، بحثا عنوانه "كيف حولت السي آي إيه أفغانستان بلدا آمنا لتجارة المخدرات"، وذلك تحت غطاء"المجاهدين من اجل الحرية". القضاء الأميركي لا ينظر في الحيثيات العلمية ولا يستدعي الشهود، بل يصدر الأحكام ضد من تشتبه به الشرطة، تكرههم على الاعتراف بعد ان تؤملهم بتخفيض العقوبة ، وب "التوافق" يصدر الحكم حسب ما أسند للضحية ظلما وتجبرا .
لورنس بيل يتيم الأبوين كان يعيش في بيت منعزل في كامدين بولاية نيو جيرسي عندما أدخل السجن وعمره 14 عاما. مارس عليه محققو شرطة المدينة ضغوطا كي يعترف باقتراف جريمة لم يقترفها، وأصر أثناء المحاكمة انه لم يقترف الجريمة، رغم أنه اعترف انه كان بسيارة الرجل الذي ارتكب الجريمة فعلا. مضى السائق بالمرأة الشابة الى حرش وهناك اغتصبها ثم شنقها. لم تقدم للمحكمة بينة علمية أو أي شاهد . جرى إرهاب لورنس في غرفة تحقيق الشرطة ، اكد المحققون له مرارا انهم يودون مساعدته ، وانه إذا ما وقع على الأوراق فسيعود الى البيت ، وان عشر سنوات ستخفض من العقوبة. هو يتيم الأبوين، وليس له أسرة تدافع عنه أو تعين محام له. توفيت أمه التي ربته مع ِشقيقته في حزيران 1985، وكان في التاسعة من العمر. رفض القاضي أثناء النظر في القضية إنكاره لما اعترف به، وإصراره على عدم اقتراف الجريمة وأنه لم يدرك حين وقّع على الأوراق ماذا يوجد بالأوراق وما هي العواقب . اهان القاضي لورنس بالمحكمة " جبان حقير".القاضي ستاينبرغ ، حين أصدر الحكم بالسجن مدى الحياة مضافا اليه خمسين عاما، لا يحظى بالعفو قبل أن يمضي بالسجن 55 عاما، لم يراع كون لورنس عمره 14 عاما حين اعتقل و15 عاما حين اعتبرته المحكمة راشدا و16 عاما أثناء المحاكمة. وبناء ً علية لن يحق له طلب العفو قبل بلوغ السبعين.
ولكن بفضل الجهد الذي بذلته المحامية جينيفير سيلّيتي، المحامية المسئولة عن تدريب 600 من المحامين العموميين، امكن تحرير لورنس من السجن بعد أن امضى فيه ثلاثين عاما ويوما واحدا. كرست سيليتي عامين ونصف العام من العمل المثابر حتى حصلت على براءة لورنس. بكت امام المحكمة، واستخدمت قضية لورنس نموذجا نمطيا لإعادة محاكمة من هم تحت السن القانونية. يوجد في سجون الولايات المتحدة 3’2 مليونا من النساء والرجال الفقراء امثال لورنس.
تناول الصحفي الأميركي، كريس هيدجز، قضية لورنس للتشهير بنظامي القضاء والسجون بالولايات المتحدة ولإدانة منطق القسوة في التعامل مع البشر، وذلك في مقال نشره في الثلاثين من حزيران الفائت. عمل مدير مكتب نيويورك تايمز في الشرق الأوسط، وآخر مؤلفاته"فاشيون اميركيون ،اليمين المسيحي والحرب على أميركا، موت طبقة الليبراليين".
جاء في مقال كريس هيدجز: كم هو شرسٌ وقاتلٌ عنف الشرطة في شوارع المدن الأميركية ، غير ان نظام السجون الوحشي، يضاهيه شراسة وبعدا عن الإنسانية. الفقراء يحشرون داخل أقفاص حديدية بأوامر قضائية ، حيث أُكره 94 بالمائة منهم على قبول صفقات يقرون فيها بالجريمة بدل إجراء محاكمة قانونية. يقبع الفقراء لعقود متتالية داخل السجون على جرائم لم يقترفوها ، او بعقوبات على جرائم اقترفوها مضاعفة اربع او خمس مرات عن عقوبات جرائم مماثلة في بلدان صناعية أخرى. في الولايات المتحدة 25 بالمائة من نزلاء السجون في العالم، نصف السجناء في أميركا لم يلحقوا أذى بأحد .
نادرا ما يحظى الفقراء بدفاع قانوني ملائم ، وحال دخول السجن يتوقف مصيرهم على أشباه قانونيين اكتسبوا الخبرة عن طريق التعلم الذاتي ليساعدوا في تقديم طلب استئناف الحكم، رغم ان احكاما عديدة تصدر مع العلم بعدم الاستئناف. المحامي يطلب مائة الف دولار لإمساك قضية استئناف.
السجون والشرطة ركيزتان للسيطرة الاجتماعية، تسخرهما نخب الحكم لحجز الفئات المنبوذة في مناخ من الترويع والتحييد .إن كسر سطوة الإرهاب وتعديل قوانين نظام أضخم سجن بالعالم يعري نخب الحكم. وهذا هو سبب عدم وجود رغبة لدى اوليغارشية الحكم في الولايات المحدة في إضعاف ركيزتي ترويع الفقراء في الولايات المتحدة ، رغم تقديم الوعود المتكررة بالإصلاح.
يعقد الكاتب مقارنة مع أوضاع السجون بالنرويج، حيث بلغ مجموع نزلاء السجون في عموم البلاد 3207 بمعدل 60 لكل مائة الف مواطن، ويعادل عشر النسبة في الولايات المتحدة. والنرويج أقل البلدان يعود المفرج عنهم الى السجن ؛ إذ تبلغ النسبة خلال السنوات الخمس الأخيرة20 بالمائة ، مقابل 76.6بالمائة في الولايات المتحدة.
هذه الفروق الصارخة تعكس فروقات في مقاربة الجريمة. في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية قال مدير سجن هالدن النرويجي " نحن نتاكد من ان السجين يمضي فترة محكوميته، لكننا نساعد السجين كي يغدو افضل. نحن نقوم بدور نموذجي ، إقامة وإشرافا". في السجن النرويجي "يشارك السجناء طاقم الإدارة اثناء الاكل ولعب الكرة الطائرة ويقومون معا بأنشطة ترويح، وهذا يتيح التفاعل مع السجناء والتحدث معهم وتحويل سلوكهم" .
السجن مصمم جيدا وله موارد جيدة ويحظى بالعناية اللازمة . اماكن إنسانية يستطيع النزلاء داخل السجن الدراسة وتعلم المهارات وإعداد انفسهم لحياة جديدة بعد الإفراج. السجون اماكن إعادة تأهيل ، وليست اماكن معادية يتلقى المساجين فيها الإهانات والعقوبات/ مثلما هو شائع ، استنادا الى اعتقاد خاطئ بان العقاب القاسي ونظام العنف والإساءة يسهم في الردع.


اما غراهام بيبيلز، وهو صحفي بريطاني ناشط في الأعمال الخيرية ، نظم دورات تعليمية في سريلانكا وإثيوبيا والهند، فقد تنماول موضوع السجون في مقال عنوانه اماكن إصلاح ام أكاديميات للجريمة؟ يولي التعليم أهمية رئيسة في مكافحة الجريمة والانحرافات. ولهذا تتعمد الحكومات الطبقية تزويد الفئات الفقيرة بالتعليم الرديء، وتهمل التأهيل المهني للأفراد. ظهر مقاله على موقع كاونتر بانش في العاشر من تموز، وجاء فيه معظمنا لن يذهب الى السجن: جزر معتمة من الحجز، توجد في حيز معزول عن بقية المجتمع، حيث تغلق الأبواب على رجال ونساء وفتيان، يتلقون معاملة سيئة في الغالب، ونادرا ما يعاد تأهيلهم. في معظم البلدان نسبة مئوية عالية من نزلاء السجون هم من السود أومن أصول آسيوية ومن اٌقليات عرقية بمن فيهم أبناء قبائل. وفي أميركا ، حيث الحجز بناءً على أسس عرقية بات أمرا روتينيا، وجدت سياسة السجون ان " الأميركيين السود يشكلون 40 بالمائة من نزلاء السجون، رغم أنهم لا يشكلون سوى 13 بالمائة من سكان الولايات المتحدة.". في بريطانيا تظهر الإحصاءات الرسمية ان" أبناء الأقليات العرقية يشكلون 27 بالمائة من نزلاء السجون مقابل 13 بالمائة من عدد السكان.هذه النسبة تزداد بين مخالفي القانون من الشبان، حيث 51 بالمائة هم أطفال سود بين نزلاء مراكز الإصلاح[ يطلق عليها ببريطانيا مؤسسات الفتيان المخطئين] في سن 15-17 عاما والشبان 18-21 عاما. يضاف لذلك يتعرض السود للتوقيف والتفتيش في الشارع بمقدار ثمانية أضعاف ما يتعرض له البيض، واحتمال استخدام الشرطة العنف ضد السود خمسة أضعاف البيض. في أميركا اعلى رقم للسجناء بين بلدان العالم، إذ يوجد في السجون بمعدل 655 لكل مائة الف نسمة من السكان. مقاربة واسعة الانتشار تقوم على اعتقاد مغلوط يزعم أن المعاملة الخشنة والأحكام القاسية تشكل رادعا للجريمة. بناءً عليه تم إغلاق المراكز التي تقدم التعليم للنزلاء أو تعلم مهارات وإعداد النفس لحياة جديدة ؛مراكز إعادة التاهيل والتعليم، تستبدل باماكن معادية حيث العقوبات والتعزير.
يتوجب إعادة تنظيم السجون كمراكز علاج طبيعي للتغيير ، حيث يتلقى المسيء المسئولية عن أفعاله، بدون ان يحسب مجرما أو موضع ازدراء. يتوجب اعتماد مقاربة تنظر لسلسة المؤثرات التي تدفع الفتيان للجريمة والانضمام الى عصابة إجرام. المجتمعات التي توفر للنزلاء مساعدة تعليمية وعلاجية ؛جماع التركيز يجب ان يوجه نحو إعادة التأهيل والتعليم وتضميد الجراح، بهدف إعادة الناس الى المجتمع أفضل تعليما وأقوم نفسيا وإعدادا لمواجهة متطلبات الحياة. وكما يحصل في النموذج النرويجي يحتاج السجناء الى الاحترام والتعاطف ، وتحتاج السجون الى التزود الجيد بالامكانات وأن تمولها الدولة –وليس للشركات الخاصة مكان بالسجون- وينبغي أن تزود بكوادر مدربة.
الأسباب الكامنة خلف السلوك المعادي للمجتمع هي معقدة، غير أن الدراسات تظهر ان الفقر والتعليم السيء وغياب ترشيد الأبوين( خاصة أب مستقر) تشكل عوامل اساس. يجري باضطراد الترحيب بالتعليم عاملا أساسيا للتحرر من الفقر والحرمان الاجتماعي ، ومن ثم الخلاص من الجريمة.
ان اللامساواة، إحدى قضايا العدالة الاجتماعية، ليست ببساطة قضية مالية . فهي من صلب النظام الاقتصادي – الاجتماعي وتبسط تأثيراتها على جميع مناحي الحياة (بما في ذلك التأثير السياسي- مع الثروة تمضي السلطة)، وتسمح بالإبقاء على اوسع اختلال للتوازن الاجتماعي. ومن المثير للاهتمام وجود علاقة ما بين مستويات اختلال التوازن والجريمة. ترتفع جرائم القتل والشكوك والمخاوف من الآخرين في البلدان حيث التباين أكثر بروزا في الثراء/ المداخيل /الفرص، وكذلك الأمراض العقلية بالإضافة الى سلسلة من المشاكل الاجتماعية، مثل حمل البنات القاصرات[ في الولايات المتحدة المراة في سن السادسة العشرين تغدو جدة؛ تضع وليدتها في الثالثة عشرة ليكون ذلك مصير ابنتها]
ان اللامساواة بالولايات المتحدة " الحصص الأكبر من الثروة الوطنية والمداخيل تذهب الى الواحد بالمائة وبنسب أعلى من أي بلد في العالم". وأميركا أيضا تضم أكبر قدر من السجون في العالم ولديها احكام مؤبدة اكثر من أي بلد: 30 بالمائة من العدد المقدر في العالم.
كل ذلك مترابط في علاقة متشابكة ؛ السجون والجريمة عنصران متشابكان في بنية مجتمعية تتسم بالجور وانعدام العدالة، تتطلب إحداث تغيير جذري. ينبغي إعادة النظر في الأساليب المعيبة المتبعة ، والتي تخطاها الزمن ، وتطوير الترابطات التي ازيح عنها الغطاء والمقاربات المتعلقة بها.
يتوجب السعي لإدراك الأثر السيكولوجي الذي تتركه طرائق معتادة وقيم يجري الترويج لها بلا توقف: التعليم والسكن ، عدم الاطلاع على الفنون وتأثير القيم المادية التي تروجها الشركات الكبرى والحكومات بصورة مضطردة، الى جانب سلوكيات تشجع عليها تلك المثل والتركيز على النجاح المادي.
مطلوب إحداث تغيير جذري، يمد جذوره في الإقرار بأن البشرية كيان واحد، وان التحيز لا وجود له في وعينا أو مجتمعنا، وان بذور كل ما هو طيب كامنة لدى الجميع ولدى كل إنسان. ولكي تنتعش بذور الخير مطلوب خلق بيئات خالية من الكراهية والأحكام المتجنية؛ وتحفيز حيزات ( بيوت ، مدارس، جامعات ، سجون والمجتمع عموما) تقوم على التعاطف والتفاهم والتسامح.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أودي كيو 5 سبورتباك-سيارة تجمع بين القوة والجمال | عالم السر


.. تريندينغ الآن | -لهفوا اللقاح-...هل سرق فعلا مجلس النواب لقا


.. طالب جامعي جزائري: -عدنا بعد أن كنا قد أوقفنا حراك الثلاثاء




.. اليمن: حراك دبلوماسي أممي وأمريكي لإحياء مسار السلام ووقف ال


.. هل تخفي إيران عن العالم مواد نووية في مواقع سرية؟