الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ظل آخر للمدينة12

محمود شقير

2020 / 7 / 24
الادب والفن


وأنا أتجول في شوارعها وأسواقها، أدرك كيف ظلت معنية، بالمحافظة على مشهدها الأصيل الذي يراد طمسه وتبديده، وظلت في الوقت نفسه، معنية بأن تكون مدينة التعددية والانفتاح.
يتبدى ذلك في العديد من المظاهر المرتبطة بأماكنها الدينية المقدسة التي تخص الديانات الثلاث، ويتبدى على نحو ما في شبابيكها. شبابيك متنوعة ذوات طرز وحجوم وتشكيلات وأشكال متباينة. شبابيك منبثقة من ثقافات عدة، ومن إبداع معماريين من عصور شتى ومن مختلف الجنسيات.
أتعرف فيها إلى الفن المعماري الإسلامي بتأثره الأكيد بالفن المعماري الفارسي، وبتجلياته الأيوبية والمملوكية والعثمانية. أتعرف إلى الفن المعماري الروماني والبيزنطي، والفن المعماري الأوروبي من العصرين الوسيط والحديث. أشاهد الفن المعماري الذي ينطوي على أبعاد دنيوية معنية بالمشهد، وأناقته وإمكان تجسيده للبهجة والفرح. وأشاهد في الوقت نفسه الفن المعماري الذي ينطوي على أبعاد دينية معنية بإدخال المهابة إلى نفوس الناس.
وثمة انطباعات أخرى تشي بها شبابيك المدينة. ففي بعض البنايات تجد في الحائط الواحد ثلاثة شبابيك متجاورة، لها استطالات ذاهبة إلى أعلى، وهي مفتوحة على الخارج، كما لو أنها تطمح إلى اكتشاف أكبر قدر ممكن من المشهد الخارجي، وهي في الوقت نفسه غير متحفظة تجاه الحيز الداخلي، إنها معنية بكشفه لو أتيحت لها الفرصة لذلك، وبخلق تواصل بينه وبين المشهد الخارجي في التحام لا انفصام فيه.
قد تكون الشبابيك الثلاثة متساوية في الحجم وفي الشكل وفي الزخارف وغيرها من أشكال الفن. وقد تأخذ شكلاً حميماً آخر، حيث يكون الشباك الأوسط أكبر حجماً من الشباكين الواقعين عن يمينه ويساره، حيث يضفى التماثل وعدم التماثل في المشهد الواحد إحساساً بالوحدة وبالتنوع في الوقت نفسه، ما يهب الناظرين من أي اتجاه متعة، وما يهب المشهد كله حالة من التعلق بالدنيا وما فيها من متاع.
وقد تكون الشبابيك مركومة في حالة من التماثل على نحو كثيف، في حائط يشتمل على طوابق عدة من إحدى البنايات، فتعرف أنك أمام حشد من شقق السكن أو مكاتب حكومية أو أهلية، أنتجها عقل براغماتي معني في الأساس باعتبارات الظلمة والنور والحر والقر وتبدل الفصول، فلا يعود ثمة فرق بين شباك وشباك. ثمة تشابه واتساق. وثمة إيحاء بأن المشهد واضح القسمات. فالشبابيك هنا ليست للتأمل فيها ولا للتمعن في جمالها، وإنما هي مكرسة لتوفير متطلبات حيوية يومية، لا بد منها لساكني الشقق من المواطنين أو لشاغلي المكاتب من الموظفين.
قد تجد شبابيك عشوائية بلا نسق ولا نظام، فلا تتوقف عندها كثيراً، لا تكترث بها ولا تعيرها انتباهاً. وقد تجد شبابيك صغيرة منعزلة، كما لو أنها شبابيك سجن أو زنازين. قد تجد شباكاً واحداً في حائط بيت قديم. يشد انتباهك لأنه يستحوذ على المشهد وحده، بإطلالته على الشارع المجاور حيث المارة وأسراب السيارات، ما يجعل المشهد ممتعاً مثيراً لمزيج من المشاعر، فثمة شباك وحيد في حائط، ثمة امتياز من نوع ما، أو ثمة عزلة وانعزال، وثمة تفرد في محيط من الكثرة الوافرة.
قد تجد صفاً أفقياً من شبابيك متماثلة، لا فضل لشباك منها على شباك. شبابيك ذوات استطالات منتهية بأقواس محدبة تذكر بشكل الهلال، أو بأقواس نصف دائرية. الأقواس قد تذكر باجتهادات أجدادنا القدماء حينما بنوا أول البيوت وأول الأبواب وأول الشبابيك. كانت أغصان الشجر وسعف النخيل التي انبنت منها أول البيوت تميل إلى التقوس والانحناء. ربما من هناك جاءت الأبواب التي تنتهي في أعاليها بأقواس، وربما من هناك جاءت الشبابيك. فإذا كانت الأبواب هي الحيز المخصص لدخول البشر وخروجهم، فالشبابيك هي الحيز المخصص لدخول أشعة الشمس والهواء. والأقواس التي تنتهي بها أعالي الأبواب والشبابيك قد تحمل دلالات دينية، رغم أن البناية التي تشتمل على هذه الأبواب وتلك الشبابيك ليست مسجداً ولا كنيسة. القوس إيحاء بالقبة، والقبة رمز للسماء، والسماء منبع الديانات.
في المسجد والكنيسة تتلون الشبابيك بطابع ديني لا شك فيه. الشبابيك مرتفعة ذاهبة نحو أعلى جدران الكنيسة والمسجد، بحيث لا تطالها أيدي المتدينين بالبساطة المتوخاة. ذلك يوحي بأنها أقرب إلى السماء منها إلى الأرض. وقد يوحي بأن الكائن البشري بحاجة إلى قوة عليا مسيطرة تصل ما بين الأرض والسماء.
في المسجد تنفرد الشبابيك بزجاج بنفسجي أو ملون بمختلف الألوان. وترتفع استطالات الشبابيك إلى أعلى وتنتهي بأقواس نصف دائرية تذكر بالقباب التي تذكر بالسماء، وتظل مغلقة في أغلب الأوقات، من خلف زجاجها يتراءى نور خفيف مختلط بألوان الزجاج، ما يهب المتدين شعوراً بالغموض الذي يملأ النفس خشوعاً، وانجذاباً إلى عوالم غير أرضية فيها سمو ونقاء.
في الكنيسة أيضاً، تنفرد الشبابيك بزجاج ملون. وتظهر شبابيك أخرى بزجاج عادي غير ملون. تبدو متراصفة متجاورة، تحف بها عتمة قادمة من حيز الكنيسة ومن البخور المتصاعد منها، فتعمل على إحاطة المشهد بشيء من الغموض الشفاف. في الكنيسة تتعدد حجوم الشبابيك وتتنوع تشكيلاتها، وتمعن في التجلي قريباً من سقف الكنيسة وقبتها العالية، ما يضطر المتدين إلى رفع رأسه عالياً للنظر إليها، وما يجعله عبر هذه الحركة الاعتيادية، متجهاً بنظره إلى السماء التي تركز على قدسيتها الأديان.
في المسجد وفي الكنيسة تصرّ الشبابيك على حجب الخارج عن الأنظار، ويجري التركيز على الداخل، حيث الانقطاع للعبادة ونسيان الدنيا ولو مؤقتاً والتفرغ للسماء.
يتبع..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كروان من الصحراء.. منى حسن موهوبة بالفطرة وتغنى لفنانى الزمن


.. مصر.. ما حقيقة هدم قبر عميد الأدب العربي لإقامة كوبري؟


.. فنانون يخلدون ذكرى شيرين أبو عاقلة • فرانس 24 / FRANCE 24




.. صباح العربية | عبد الله جاسم.. كوميدي عراقي أميركي في ضيافة


.. فيلم ملّا علقة Trouble الثلاثاء 21:30 على ال LBCI