الحوار المتمدن - موبايل


بنات السياسة يساريات تونسيات يُداوينَ الكتمان بالحكي

عدنان حسين أحمد

2020 / 7 / 25
الادب والفن


صدر عن دار "زنّوبيا" في تونس كتاب جديد يحمل عنوان "بنات السياسة"، وهو من إعداد الناشطة والروائية العراقية هيفاء زنكنة. تتصدّر الكتاب توطئة بقلم الناشرة زينب فرحات التي سلّطت فيها الضوء على العنوان اللافت للانتباه، فحارسات سجن النساء بمنّوبة ينادينَ المناضلات السجينات بـ "بنات السياسة" للتفريق بينهنَّ وبين سجينات الحق العام. كما يتضمّن الكتاب مقدمتين؛ الأولى كتبتها المُعِدّة هيفاء زنكنة التي أدارت ورشة الكتابة الإبداعية لستِّ مناضلات يساريات كتبنَ في نهاية المطاف ست شهادات تجاوزنَ فيها حدود الاعتقال والتعذيب إلى محاور سردية مضيئة تلامس أعماق النفس البشرية الحالمة على الرغم من عتمة الأمكنة التي عِشنَ فيها. وقد استعارت زنكنة من الناقدة فريال غزّول تعريفها لهذا النمط من الكتابة السردية التي أسْمتها بـ "القصة الإخبارية التي تجمع بين الخبر والسرد الأدبي"، ولفتت زنكنة في ورشتها عناية المناضلات التونسيات الست إلى كيفية التعامل مع عناصر الزمان والمكان، وبناء الشخصيات، والحوار، والضمائر الملائمة للسرد، وتدفّق اللغة وسلاستها، وتجنّب التكرار، ومصداقية الأحداث خصوصًا وأنّ المساهِمات كلهنَّ عضوات في تنظيم يساري واحد هو "حركة برسبكتيف- العامل التونسي" التي نشطنَ فيها في سبعينات القرن الماضي. أما الخلفية التاريخية التي كتبتها المؤرخة ليلى تميم بليلي فقد ركّزت فيها على اعتراف النظام البورقيبي بفشل الاشتراكية الدستورية وتوجه البلاد نحو الاقتصاد الليبرالي، وقد اختار شباب الجامعات في السبعينات معسكر اليسار سواء أكان شيوعيًا أو ماويًا أو تروتسكيا، ووقفوا بالضدّ من الخصم المشترك وهم الطلبة الدستوريون الذين يمثلون النظام الاستبدادي للحزب الحاكم.
على الرغم من أوجه التشابه في الأزمنة والأمكنة وأسماء والحرّس والجلادين إلاّ أنّ لكل شهادة خصوصيتها التي يمكن أن نستشفها من صدق المشاعر، واللغة المعبِّرة، وزاوية نظر الكاتبة التي رصدت تجربتها، وانتقت ما هو مؤثر من الأحداث التي مرّت بها.
كتبت الصحفية وأستاذة الفلسفة آمال بن عبا شهادة بعنوان "تجربة حياة"، فقد حصلت على منحة من الدولة التونسية لدراسة الفلسفة في جامعة السوربون سنة 1964، وانضمت إلى حركة برسبكتيف حال عودتها إلى تونس. وفي 13 ديسمبر 1973 وبينما كانت تحضّر درس الغد لمادة الفلسفة دهم منزلها ثلاثة أشخاص وبدؤوا يبحثون عن آلة راقنة لم تكن بحوزتها فأخذوها إلى وزارة الداخلية وحشروها في غرفة الاستنطاق. ثم تعرضت للتعذيب على يد الجلاد "سكابا" الذي هدّدها بالاغتصاب. وبعدالانتهاء من الاستنطاق تراخت الرقابة نسبيًا وأصبح التواصل مع السجناء ممكنًا. وبعد 75 يومًا من السجن بدأت محاكمة 202 مناضل ومناضلة من البرسبكتيف وكان نصيبها السجن لسنة واحدة مع وقف التنفيذ. وحينما أُخلي سبيلها عملت في صحيفة "لوتون" الفرنسية كمصححة، ثم نُقلت إلى قسم التحرير وبدأت تكتب للصفحة الثقافية، قبل أن تنتقل لتدريس اللغة الفرنسية عام 1980 في معاهد الوردية وباردو وحلق الوادي تباعًا.
لا تختلف شهادة دليلة محفوظ عن زميلتها آمال حيث تمّ توفيقها في الأسبوع الأول من شهر مارس 1972 وحُكمت مع شقيقها نورالدين محفوط بالسجن لمدة سنة واحدة مع وقف التنفيذ للاحتفاظ بجمعية غير مُعترف بوجودها. فتحولت في السجن من كائن بشري إلى الرقم 265. وبعد قضاء هذه المدة حوكمت ضمن 101 سجينة بتهمة الانتماء إلى حركة العامل التونسي وصدر عليها الحُكم بسنة وستة أشهر. وقد تعرّضت خلال فترتي السجن إلى ضرب مبرّح بالسياط تارة، واللكمات تارة أخرى، والركل أسفل البطن الذي تسبب لها بنزيف حاد. وعند خروجها من السجن تزوجت المحامي عمّار الجديدي وأنجبت ابنها رامي عزيز جديدي الذي تبع خطى أبيه في مسيرته الحقوقية.
تتميّز الشهادة التي كتبتها الأستاذة الجامعية زينب بن سعيد الشارني بتفرّدها فهي الوحيدة بين المناضلات الست التي تعرّضت للتعذيب بطريقة غريبة تُسمّى بـ "محنة الدجاجة" فبعد أن تلقّت الصفعات والركل وهي معصوبة العينين طلب منها الجلادون أن تتعرّى من ملابسها لتتهيأ للتعذيب حيث تم تقيّيد يديها ورِجليها معًا بحبل ثم أولجَوا عصًا بين أعضائها الأربعة المشدودة، وعلّقوها بين طاولتين؛ الرأس منكّس إلى الخلف، والرِجلان والبطن مرتفعتان نحو المعصمين، ثم بدأ الجلاد بالضرب على باطن القدمين حتى اشتعلتا من الألم، ولم يكن الهدف من هذا التعذيب إيذاءها بدنيًا ونفسيًا فحسب وإنما لإيلامها وخدش أنوثتها، والاستخفاف بدرجتها العلمية فهي دكتورة تُدرِّس الفلسفة وعلم الاجتماع بجامعة تونس ولديها خمسة كتب وعشرات المقالات الفلسفية الرصينة.
تعرِف الضحيّة ساسيّة الرويسي جلادها، فهي الآن مُعارِضة سياسيّة مطلوبة لأجهزة الأمن التونسية، أمّا غريمها فهو يشغل وظيفة أمنية يطارد المعارضين ويزج بهم في أروقة التعذيب بتُهم جاهزة مثل "التآمر على أمن الدولة"، "محاولة لقلب نظام الحُكم"، و "المسّ بكرامة رئيس الدولة". كانت ساسيّة قوية وعنيدة حتى أنَّ وجهها قد أصبح بلا ملامح من شدة التعذيب ولم تعترف على رفاقها، فنُقلت إلى سجن منّوبة للنساء حيث مارست الإضراب عن الطعام أكثر من مرة إلى أن شملها العفو الرئاسي الخاص وتنفّست هواء الحرية من جديد.
الصحفية والمتخصصة بالأدب الفرنسي عائشة ﭬلوز تحوّلت هي الأخرى إلى رقم 362 ورغم ذلك فقد باحت بكل شيء لأنها تؤمن بأنّ دواء الكتمان هو الحكي لفضح سلوكيات النظام القمعيّ. وقد صدرت ضدها الأحكام بمرحلتين؛ الأولى لمدة سنتين ثم خُفِّض الحكم إلى ستة أشهر بتهمة الاحتفاظ بجمعية غير معترف بوجودها، والمحاكمة الثانية قضت بسجنها لمدة ستة أشهر لنشر أخبار زائفة، وثلب شخصية رئيس الدولة. وكانت إدارة السجون تتعمد شطب كلمة "سياسية" في محاولة يائسة لطمس حقيقة وضعنَّ كسجينات رأي والإيحاء بتصنيفهنَّ ضمن سجينات الحق العام.
تتوسّع المؤرخة ليلى تميم بليلي في الحديث عن سيرتها الذاتية فنفهم أنّ أباها ينحدر من عائلة فقيرة من "واحة وذْرف" لكنه سوف يصبح مقاولاً، ويكوِّن ثروة كبيرة، ويتزوج فتاة من الطبقة البرجوازية الصغيرة في تونس، ويقيم في فيلا راقية في باردو، ويسفر زواجه عن ثماني بنات وولد واحد. ونظرًا لولعها بالقراءة الأدبية والفكرية يداهمها رجال الأمن ويصادرون كتابين، الأول رواية "الأحمر والأسود" لستندال التي يعتبرونها حجة على شيوعيتها، وكتاب ثانٍ Les sans culottes ترجموه حرفيًا على وفق ذهنيتهم المشوّشة "بدون كيلوت" أو "منزوع السراويل" وعدّوه دليلاً على تفسخها الأخلاقي. وقد سُجنت لمدة سنة مع وقف التنفيذ، وأُخليَ سبيلها لتواصل دراستها في السوربون بالمراسلة وتكتب أطروحتها عن "الفيدرالية الشيوعية التونسية".
لم تُدرج الروائية هيفاء زنكنة شهادتها في إطار "بنات السياسة" مع أنها سُجنت في الحقبة الزمنية نفسها وانتمت إلى تنظيم مماثل فكريًا وهو "الحزب الشيوعي العراقي- القيادة المركزية" لكنها اختارت لنصّها السردي مكانًا مجاورًا للشهادات الست التي تكشف فيه عن أسباب سجنها، ومدة محكوميتها، وطرق التعذيب الوحشية التي تعرضت لها، ومحاولة إهانتها وإذلالها من خلال نقلها إلى "سجن العواهر". ورغم أنّ القرّاء المتابعين لتجربتها الروائية سيعرفون أنّ مقاطع هذا النص مُستلةً من روايتها الموسومة "في أروقة الذاكرة"، وهي من روايات "أدب السجون" المؤثرة في العراق وقد نالت إثر نشرها تعاطفًا كبيرًا من لدن القرّاء العراقيين والعرب لمصداقيتها، وسلاستها اللغوية، وملامستها للجوانب الإنسانية المرهفة.
بقي أن نقول بأنّ كتاب "بنات السياسة" وإن جاء متأخرًا إلاّ أنه يشكِّل وثيقة دامغة على صلابة المناضلة التونسية اليسارية التي اجترحت تاريخها الخاص، وخلقت قيمها الأخلاقية النبيلة، "وكانت مستعدة للتضحية بدمائها من أجل أن تقول ما تريد".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عبد الغني النجدي باع الايفيه لاسماعيل يس و شكوكو بجنيه .. و


.. دراما كوين | تترات المسلسلات من الموسيقى للغناء.. أصالة وعمر


.. تحدي الضحك بين الفنانة رولا عازار وأمل طالب في #التحدي_مع_أم




.. حسين في مسرحية جورج خباز: أنا بحبه لمار شربل، مَنّو طائفي


.. عودة شريهان بإعلان رمضاني..احتفاء كبير بالفنانة الاستعراضية