الحوار المتمدن - موبايل


حديث في المراهقة السياسية

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 7 / 27
مواضيع وابحاث سياسية


المراهقة في اللغة العربية هي من كلمة راهق وتعني الاقتراب من شيء، أما في علم النفس فهي تشير إلى اقتراب الفرد من النضوج الجسماني والعقلي والاجتماعي والنفسي، أي إنتقاله من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد والبلوغ , وتصاحبها مجموعة من التغيرات الفسيولوجية والنفسية التي قد يؤدي بعضها إلى تمرد المراهق وعدم تقيده ببعض القيم والأعراف الإجتماعية السائدة في مجتمعه, وربما سعيه لتغيرها من منطلق كونه بات الأكثر معرفة ودراية وحيوية ونشاطا من سواه . وتجدر الإشارة هنا إلى أن مرحلة المراهقة لا تعد مرحلة نضوج تام ولكنها مجرد مرحلة تحول قد تطول أحيانا , وقد تعود ثانية لدى البعض في سن متأخرة نسبيا فيما بات يعرف بالمراهقة المتأخرة , ولكنها في جميع الأحوال مرحلة إنتقالية يمر بها الإنسان وتنتهي ,تؤدي تبعاتها وأحداثها إلى النضوج, وتوازن الشخصية والقدرة على تحمل المسؤولية تجاه نفسه ومجتمعه,وإتخاذ القرارات المناسبة من منطلق شخص كامل التأهيل والأهلية في الحالة الطبيعية. ولا تتسبب المراهقة في العادة بتبعات وخيمة على المراهق أو عائلته أو مجتمعه, كونها مرحلة بناء شخصية المراهق وتكاملها وتأهيله لممارسة دوره الطبيعي في الحياة والمجتمع ,بخلاف ما عليه الحال في المراهقة السياسية التي لا تتحدد بعمر معين , وقد تكون نتائجها كارثية .
ظهر في عالم السياسة مصطلح المراهقة السياسية , ويقصد به عدم بلوغ من يمارسون العمل السياسي أفرادا أوجماعات, النضج السياسي الذي يؤهلهم لممارسة قدر ولو يسير من العمل السياسي النافع, وخوض غمار معتركه بوعي وإدراك لتبعاته, ولما يمكن أن يسببه من أذى لشعبه وأضرار بمصالح شعبه ووطنه ,وربما تدميره تدميرا كاملا في بعض الأحيان . يتوهم المراهقون السياسيون بأنهم عباقرة سياسيون لا يشق لهم غبار , ويمتلكون فكرا سياسيا ثاقبا , وبأنهم بعثوا لإنقاذ شعوبهم من الذل والعبودية والهوان , وهم وحدهم ,وليس سواهم قادر على أداء ذلك , كونهم قادة تاريخيين جادت بهم السماء لشعوبهم في حلكة الظلام الذي يلف شعوبهم المغلوب على أمرها, بينما هم في حقيقة الأمر أميون فكر لا يفقهون شيئا في أبجدية السياسة والاعيبها ودهاليزها الدولية, وتشابك علاقاتها وتضارب مصالحها الدولية. ويرمي الكثير منهم نفسه وشعبه في المهالك بوعي أو بدونه, متوهما أن ما يقوم به عملا نضاليا بطوليا أو جهاديا جبارا كلفهم به رب البلاد والعباد, تهون دونه التضحية بأرواح الآلاف من الناس, سعيا لتحقيق أحلامه, وهو بذلك يتقمص زيفا دور البطل المنقذ , الذي هو في حقيقة الأمر نضالا فارغا يناطح فيه طواحين الهواء ,لا يقدم ولا يؤخر شيئا إطلاقا .
وبرغم ما يلحق بشعبه من خسائر فادحة , يستمر المراهق السياسي بالاعيبه البهلوانية حيث يصور هزائمه , بأنها إنتصارات طالما أنه مستمر بحكم بلاده بالحديد والنار , وكأن بقائه في السلطة هي الغاية الأسمى , تهون دونها ما يتكبده شعبه من خسائر يمكن إستعادتها لاحقا بمغامرة أو مغامرات . يتفنن المراهقون السياسيون بإطلاق التسميات على هزائمهم النكراء , فهي تارة " نكسة " وتارة " أم المعارك " وهكذا من تسميات جوفاء عبثية باهتة لا معنى لها... , ويطلبون من شعوبهم المنكوبة المزيد من الصمود والتضحيات , بينما هم وعوائلهم ينعمون بالعيش الرغيد . لم يتعظوا من مغامراتهم الفاشلة , بل يزداد البعض منهم عنادا , ويحشد ما تبقى لديه من إمكانات شحيحة التي تقتضي الحكمة توظيفها لإعمار بلاده المنكوبة , إستعدادا لجولة عسكرية قادمة , أو القيام بمغامرة عسكرية ألعن من سابقتها , أو خلق فوضى عارمة يختلط فيها الحابل والنابل , كما حصل فعلا في العراق بعد خروجه من الحرب العراقية الإيرانية التي إستمرت نحو ثمان سنوات التي راح ضحيتها آلاف الأرواح البريئة بين قتيل وأسير وجريح , وخسائر مادية جسيمة , وإيقاف عجلة التنمية بكل جوانبها حيث أصبح العراق مثقلا بالديون التي تقدر مبالغها بأكثر من مائة مليار دولار أمريكي بنهاية هذه الحرب عام 1988, بعد أن كان العراق يملك فائضا ماليا يقدر بنحو ستة عشر مليار دولار قبل بدء الحرب عام 1980, وكان العراق حينها ينفذ أكبر خطة تنموية شاملة لو قدر لها الإستمرار بذات الوتيرة , لإنتقل العراق بمدة وجيزة إلى مصاف الدول المتقدمة .
وبدلا من أخذ العبر والدروس من هذه المأساة وترميم جراح العراق , أدخلوه في حرب ألعن من سابقتها وأكثر خطورة منها بنتائجها ومعطياتها, في وقت كان العالم يشهد فيه تغيرات دولية متسارعة غير مسبوقة , تمثلت بإنهيار الإتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الإشتراكية وهدم جدار برلين وتوحيد ألمانيا , وبروز الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الأعظم في العالم , وسعيها لإقامة نظام دولي جديد الذي يضمن لها وحدها التصرف بالشؤون الدولية . فأية نرجسية ومراهقة سياسية هذه التي لا تراعي ظروف شعبها القاسية , ولا تقيم وزنا لمتغيرات العلاقات الدولية وتشابك مصالحها , وإدراك مدى قوتها وقوة خصومها , وما هو مسموح به وما هو غير ممكن تجاوزه , لتقدم على ما يمكن تسميته بعملية إنتحارية بغزو الكويت عام 1991 , وما ترتب عليها من تبعات جسيمة قضت على العراق دولة وحضارة , ما زال يعاني منها حتى يومنا هذا .
لم يرد في خلد هؤلاء القادة الذين يحلو لهم أن يطلقوا على أنفسهم قادة تاريخيين, برغم فشلهم الذريع وخسائرهم الفادحة , أن يعودوا إلى رشدهم ومراجعة سياساتهم الفاشلة , ناهيك عن التفكير بالتنحي عن السلطة وتسليمها إلى آخرين ,ربما بإمكانهم إعادة بناء بلدانهم وصون حرية وكرامة شعوبهم وإستقلال بلدانهم . ونكتفي بمثال صارخ آخر للمراهقة السياسية , تصرفات العقيد معمر القذافي الصبيانية وهدره للمال العام الليبي في مشاريع عبثية وتدخله في صراعات دولية لا ناقة ولا جمل فيها للشعب الليبي إطلاقا. أدت هذه السياسات الطائشة في نهاية المطاف إلى دمار ليبيا شعبا وحكومة, وفي مقدمتها معمر القذافي نفسه الذي قتل شر قتلة بكل همجية ووحشية, وتعيش ليبيا اليوم إنقسامات حادة بين شرقها وغربها , وتشهد صراعات دامية تحركها المصالح الدولية, ضحيتها الليبيين أنفسهم قبل سواهم. وهناك أمثلة أخرى كثيرة لا داع للخوض بتفصيلاتها.
أدت المراهقة السياسية العربية عام 1967 إلى ضياع فلسطين التاريخية بكاملها وتشريد المزيد من أهلها, فضلا عن ضياع هضبة الجولان السورية التي ما زالت محتلة حتى يومنا, وفرض إستسلام مصر لشروط الكيان الصهيوني وإعترافها بدولة إسرائيل مقابل إنسحابها من الأراضي المصرية المحتلة بحرب الأيام الخمسة عام 1967, وبروز الكيان الصهيوني كأكبر قوة عسكرية وتقنية مهيمنة في المنطقة. تسعى بعض البلدان العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج العربي, لتحضى برضا دولة الكيان الصهيوني وتطبيع علاقاتها معها , على الرغم من معارضة شعوبها . فأي هوان أكبر من هذا الهوان الذي لم يدركه هؤلاء القادة الذين ملأوا الدنيا صخبا وزهيقا عبر إذاعاتهم ووسائل إعلامهم التي كانت ترحب بالمعارك , وياليتهم إنصرفوا لتهيئة مستلزماتها بصمت وجدية, والتحسب لكل إحتمالاتها في ضوء موازين القوى لضمان نجاحها , ذلك أن الحروب ليست نزهة أو ألعاب بهلوانية , أو مناورات وتهديدات يمكن للقوى الدولية الكبرى تهدئتها متى ما أرادوا, إذ أن لكل دولة مصالحها التي تهمها قبل مصالح الدول الأخرى , ذلك أن العلاقات الدولية أشبه ما تكون بلعبة كرة القدم ,على كل فريق إتقان فنونها ومهاراتها وقوانينها والإستعداد الجيد لكسبها.
وبرغم كل ما لحق بالدول العربية من هزائم ومصائب ونكبات على مدى نحو قرن من الزمان, فأن حكامها ما زالوا يتخبطون بسياساتهم العبثية حتى يومنا هذا , في الوقت الذي تتقدم فيه دول العالم المختلفة إلى الأمام , بإصرارها على إمتلاكها ناصية العلم وحلقات التقنية المتقدمة, وسعيها لتوظيفها لمصلحة بلدانها , وإستطاعت كل منها تحقيق درجات متفاوتة من التقدم والرقي ,بينما نلاحظ تراجع الدول العربية في سلم التقدم الحضاري أكثر فأكثر, وتتحدث هذه البلدان عن ماضيها التليد , أكثر من سعيها لبناء غد مشرق سعيد لبلدانها . وكأن قدر هذه البلدان بات مرهونا بإرادة قادة نرجسيون لا يرون إلاّ أنفسهم سادرين بغيهم وألاعيب المراهقة السياسية الباهتة , ولعل الأغرب من كل ذلك أن يتمكن هؤلاء الساسة من أغواء بعض من يصنفون في عداد المفكرين والأكاديميين ورجال الثقافة , للتطبيل والتزمير لهم وتلميع صورهم الكريه تجاه شعوبهم , مقابل مال سحت حرام أو منصب حكومي يعدونهم به. كما لا زال البعض يحلم بقدوم الفارس المقدام من وراء الأفق , لإنقاذ البلاد والعباد من شرور هؤلاء الأفاكين , وبناء دولة العدل والأمن والرفاهية والأمان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التشيك تصعد أمام روسيا في أزمة الدبلوماسيين


.. خلال 36 عاما.. Google Earth تكشف كيف تغيرت المدن | #أون_ستري


.. الجيش السوداني يؤكد قدرته على حماية الأراضي المستردة من إثيو




.. المعارضة التشادية ترفض الاعتراف بالمجلس العسكري الانتقالي -


.. إسرائيل تخطط لسيناريو تأجيل الانتخابات الفلسطينية