الحوار المتمدن - موبايل


الأم تيريزا وابنتنا ليلى تعلو

مراد سليمان علو

2020 / 8 / 2
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


(الأم تيريزا وابنتنا ليلى تعلو)
1
على سفوح جبل شنكال تتمايل وتتراقص زهور نيسان على لحن هندي شجي فقد حانت قيامة الأم (تيريزا) برضا عيون الأطفال الجائعين الذين أطعمتهم بأصابعها المرتجفة.
ذهب قلق البطون الجائعة وبانت البسمة على العيون، ورحلت القدّيسة بعيدا لا لتطعم المزيد من الأطفال، بل لتسأل محكمة الربّ عن سبب جوعهم، ومنذ رحيلها وكلّ عام جمع الأيتام يختارون لهم أمّا بديلة لتنطق لتسرد الحكايا بدلا عنها وتربت على صدور الفقراء مثلها؛ ليشبعوا خبزا وحبّا حتى موعد التحاقهم بأمهم الحنونة.
وهذا العام كانت رقصة (السماع) للشقائق مهرجانا يشع نورا، ثم جاء لقب الأم مع أسراب السنونو والحجول المهاجرة ليدخل خيمة (ليلى) ابنة (شنكال) المقصوصة الجدائل، فحملت الأمانة واختلط اللحن الهندي الجذل بآهات (غريبو).
اعترف بكسلي في تخمير نصوصي في بداية شارع الذكريات، ولكنني دائما في بداية الشارع أجد فتاة تقود حمارا وهي تغني بفرح ذاهبة لتجلب الماء من الغدير القريب!
اجلس القرفصاء لصق حائطنا مداعبا عطشي وانتظر الفتاة لتجلب الماء، وقريبا من حديقتي الصغيرة المليئة بفنجانين القهوة البائتة يجلس (دخيل كارو) ويشعل سيجارته السابعة منتظرا مثلي أن تعود الفتاة بالماء.
صديقي الشاعر (دخيل كارو) طيب القلب فكلّ ظنه أنها صوفيا لورين وقد اعتزلت التمثيل وتبرعت بعمل طوعي في (سيباى) قرية الشعراء العطشى.
ومع الماء يذكر الخبز فتذكرت طالباتي في إعدادية (الجزيرة) في صباح القرية البابلية قبل الفرمان عندما كانت الأم تيريزا تستجدي الخبز من تنانيرنا السومرية لليتامى.
لم نتحرش بقطط العمّ (ألياس قولو) فهو مثلنا يتلوى من العطش وينتظر أن يعود الحمار بالماء ولا يهمه أمر الفتاة.
2
في صباح اليوم التالي أشذب قصيدة وأذكر فيها أن أخبار عودة الفتاة من الغدير تبشّر بالخير.
قد لا تعلم بأن لا علاقة تربط بين ارتداءك بنطلونك الكاوبوي وأسراب الحجول المهاجرة وهذا النصّ الذي خصصته للناجية (ليلى تعلو)، على كل حال رجعت الفتاة الذهبية من الغدير ووزعت الماء على نادية وليلى وحلا وشيرين وفريدة ووووو.
ويضحك مام ألياس قولو في قبره برفقة قططه الوادعة من هذه الكوميديا السوداء.
يترك صديقي المهموم دخيل كارو التدخين لمدة ستة أشهر ثم يعود إليه متلهفا.
وأنا اكتب نصّا جديدا.
3
مثل حكيم بابلي مطارد يراقب مفترق الطرق خوف العدو القادم من الشرق، هكذا أنا أراقب أسراب القبج المغادرة.
أنا لا اكتب إكراما لأحد، ولا أدعو الكسالى للقراءة، اكتب لأنني اشعر بالسعادة في لجّة الكتابة، وأكتب عندما أكون تعيسا، كتبت لأن الفتاة عادت من الغدير محمّلة ببراميل ماء وهي الآن تسقى عطشنا وتساعدها في هذه المهمة العزيزة صوفيا لورين وتقبّل الحمار ظنا منها أنه عمر الشريف الأيزيدي.
4
العودة لا تحتاج إلى طقوس، تأمّل كيف تتحول الفراشة من عذراء إلى سبية ثم إلى ناجية، واشعر بالعجز لعدم الكتابة عنهن جميعا بالاسم.
فكما تعلم وكما ترى جميع الفراشات جميلات ورفرفتهن تجلب السعادة والشعر والورد والموسيقى والحبّ، وكحمار له خبرة بالفرمانات وبالعطش، ويعمل بلا كلل، يجلب الماء وهو عطشان، يحمل العجائز وهو تعبان.
ولكنه أيضا حرون ولا يتحرك إن شعر بنشاز في نغمة آب الحزينة.
هكذا أنا.
ولكنني أرفض أن تغسل بدمعتي بقايا أغاني وطنية من حرب الثمانينات ويذهب فاضل عواد ليزور الحسين ويدوس على قبور الشهداء.
5
ومثل فقير (صولاغي) لا يستغنى عن البصل في غدائه ولا عن كاسيتات (قبال) و (خدر فقير) هكذا أنا لا أقدر أن أبتعد كثيرا عن نصوصي.
أهديها لمن أشاء أمحو أسماء وأضيف أسماء.
لا أجيد التفاعل مع الآخرين كثيرا واخجل من قولي لأحداهن صباح الخير؛ لأنه لا يوجد في توقيت فرمانهن صباح؛ ولهذا أنا صامت معظم الوقت ولكنني أهديت لهن جميعا كتبي. العديد من الكتب أهديتها لهن وأغريت بعض المبدعين بتقليدي.
مرحى لمن يهدي كتبه للشهداء وللناجيات وللسبايا وللأرامل وللأيتام ولأهل الخيام وللمهاجرين وللأطفال ولحبيبته.
6
هناك من لا يجيد الضحك، ولا يجيد شرب الماء، ولا يجيد الكتابة.
أتعبتني ثنائية الخير والشر، الليل والنهار، الشعر والصمت، والحب والهجر. كأنها صور من قرى شنكال وانتظار أن تمطر السماء وتمتلئ الغدران بالماء القراح ويصبح عمر الفتاة أربعة عشر آبا وتذهب إلى الغدير متأبطة ديوان شعر مكتوب بخط يدي الرديء.
اشتاق لدفاتري القديمة المدونة فيها أسماء المدن التي أحبها وأسماء الفتيات اللواتي عشقتهن وأغاني الأفلام الهندية التي شاهدتها في سينما السندباد بالموصل.
الآن أفتش في تلك المدن عن تلك الفتيات فلا أجد سوى بوستر لفتاة مع حمارها تتهيأ للذهاب إلى غدران سيباى لجلب الماء المليء بالضفادع الصغيرة وفي يدها ديوان (حياة من طين).
7
الربيع يهلهل لعيد شنكالي أتى ليملأ بطون الفقراء الأيزيديين، وتتدافع السحب لتملئ صندوق (حملة الألف دينار) في لالش وصدقات أهل الخير للناجيات.
لا مزيد من الكاز الأبيض لليالي طلبة شنكال العالقين في ليل بعشيقة البارد الطويل فقد سرق الكاز ليحرق به نصوصي ولتنتحر بالبقية الباقية سبايا بلون الثلج.
لا يهمني إن أكملت قراءة النصّ أم لا، ما يهمني أنني انتهيت من كتابته ولا فرق بين مقهى بالقرب من بوابة أوسنابروك أو في دهوك ففي كلتاهما لا تغني أم كلثوم التي تعلمت من حركات منديلها زبيدة ثروت التمثيل بعينيها الساحرتين.
أمنا تيريزا التي باركها الهنود بدورها أعطت بركتها لأبنتنا ليلى، وليلى ككل المرايا تشبه ليلنا الذي نخاف أن نضيء الفوانيس فيه حتى لا ينكشف عارنا.
تلك الأم الحنونة التي تشبه مطبخ شيخادي وتطعم الجائعين وتصلي من أجل السبايا.
عليّ أن احضن جميع الناجيات وأهدي كل واحدة فيهن قصيدة بطعم التين كما يقبّل الحاج أركان وأبواب وشبابيك وزوايا وأشجار لالش.
شرفدين يحييّ الحسين والمسيح، ويصيدنا شجن حنجرة (قحطان العطار) في (يا ضوه ولايتنا) فنرتوى حزنا وشوقا حتى قبل أن ترجع الفتاة من الغدير.
*******








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مقتطفـات | عرب في كوريا - تسوق في كوريا مع لينا


.. مقتطفـات | عرب في كوريا - تذوق القهوة باريستا مع لينا


.. مقتطفـات | عرب في كوريا - تجربة الميك آب مع صديق لينا الكوري




.. مقتطفـات | عرب في كوريا - كيف تحافظ لينا على صحتها لينا الكو


.. مقتطفـات | عرب في كوريا - BTS Pop UP