الحوار المتمدن - موبايل


العنف

كريم الوائلي
(Karim Alwaili )

2020 / 8 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


قد لا أكون مبالغا اذا قلت ان تاريخ البشرية منذ بدايتها هو تاريخ العنف ، اذ يمكن لاهوتيا ان نعد عصيان ادم لربه اول وسيلة عنف ضد إرادة الله، فالعصيان لون من الوان العنف ، الذي يجابه به العبد ربه ، وليس الامر متوقفا عند ذلك بل تحول العنف في الجيل الثاني مباشرة الى ارتكاب اول ريمة قتل وهو ليس قتل لإنسان لا تربط احدهما بالآخر علاقة قرابة ، اذ هما الاخوان هابيل وقابيل ، وبغض النظر عن التفسيرات المتناقضة التي يقدمها مفسرو الأديان حول هذه الجريمة لكنها تعد عنفا تجاوز الحد الى القتل لاختلاف بين اخوين مهما كانت طباعهما طيبة ونقاء وإرادة الاب كما هو الحال في قابيل .
وليس من باب القدرية ان تكون البشرية كلها من أبناء القاتل والمجرم ، وليس من أبناء الطيب والبريء.
وقد احتار الدارسون في فهم طبيعة العنف والتمرد ، هل هو رغبة للقتل او غريزة عدوانية ، ام ان العنف والتمرد سمات يتعلمها الانسان في مكتسبة وليست فطريه في النفس الإنسانية ، او انها ردة فعل للضغوط التي تعصف بالإنسان ,
وقد يخضع العنف لدوافع ذاتية فان ( هيثكلف ) في رواية مرتفعات ويذرنع مستعد لقتل البشرية كها كي يمتلك حبيبته ، كما يرى ذلك البير كامو 1 ، بغض النظر عن معقولية القتل او لا معقوليته . ويضيف كامو انه يرتكب الجريمة وعند هذا يقف معتقده ،ويفترض هذا العمل قوة الحب والمزاج الملائم وبما ان قوة الحب نادرة الوجود ، لذلك يبقى القتل عملا استثنائيا ، ويحتفظ اذن بطابعة التحطيمي .
وتعرف الموسوعة الفلسفية العنف بانه فعل يعمد فاعله الى اغتصاب لشخصية الاخر ، وذلك باقتحامها الى عمق كيانها الوجودي ويرغمها بافعالها وفي مصيرها منتزعا حقوقها او ممتلكاتها او الاثنين معا .2
وليس الامر مقتصرا على الافراد والمنظمات فان بعض الدول الكبرى وبخصة الولايات المتحدة وإسرائيل تتنمر على شعوب وحكومات فتعمد الى استخدام العنف بأقصى درجاته كالغزو والاحتلال ، او تغيير الأنظمة السياسية من وراء الكواليس ، والى استخدام وسائل متعددة من العنف كفرض العقوبات بأنواعها المختلفة ,
ويمايز جورج سوريل بين القوة والعنف ، فالقوة هي التي تفرض تنظيم وضع اجتماعي تكون فيه الأقلية هي الحاكمة ، اما العنف فهو الذي يرمي الى تهديم النظام 3وهو بهذا يعقد مقارنة بين ما تقوم به البرجوازية في استخدام القوة لتثبيت سلطتها ، وما تقوم به البروليتاريا في استخدام العنف لتقويض النظام البرجوازي بأصله الذي ربما يقصد العنف الثوري .
وليس غرييا او من قبيل المصادفة ان تضفي حنة ارندت على العنف أهمية كبيرة في دوره العظيم في حياة البشر, اذ يقترن لديها العنف والسلطة برباط يكاد يكون مقدسا ، حين تقتبس مقولة ماوتسونغ في ان السلطة تنبثق من فوهة البندقية ،وكأن هذا يعارض مع مقولات كارل ماركس الذي يرى ان العنف لا يمثل سوى دور ثانوي في احداث التغيرات لانتقال المجتمع من القديم الى الحديث ، لان التناقضات الموجودة داخل المجتمع هي التي تحدث ذلك .وهذا يعني ان القوانين قد لا تعدو ان تكون مجرد كلمات لا قيمة لها ان لم تعضدها البندقية .
وتخضع مشروعية العنف بحسب الجهة التي يصدر عنها العنف ، سواء اكانت في السلطة ام في المعارضة ، اذا تضفى الشرعية على العنف حين يكون العنف صادرا عن السطلة أصحاب عنف ضار ،ان الأفعال الصادرة عن السلطة السياسية وأجهزتها والتي تتصف بطابع القوة والشدة والقمع والاضطهاد والاعتقالات الكيفية هي أفعال غير عنيفة لأنها قانونية 5
ويظهر في هذا السياق مصطلحان هما العنف الرجعي والعنف الثوري ، وكان بريق العنف الثوري ساطعا بحيث يبرر للقائمين فيه شرعية تنفيذه ÷وبخاصة ضد كل ما يطلق عليه العنف الرجعي ، ومن الجدير بالذكر ان ما تقوم به الطبقة العاملة البروليتاريا هو عنف ثوري وما عداه فهو يعد عنفا رجعيا.
وليس من الغريب حين يستلم السلطة أصحاب الشرعية الثورية فانهم يمارسون الأدوار نفسها بالبطش بخصومهم وذلك جلي في كثير من الممارسات العالمية والعربية .
ومن الجدير بالذكر اني حضرت محاضرة في كلية الآداب جامعة بغداد أوائل السبعينات ، وكان المحاضر أستاذا جامعيا مرموقا ، تحدث فيها عن العنف الثوري وآلياته واساليبه ، ثم تساءل : ما موقفك حين تكلف بتصفية امبراطور جائر ، ولكنك في اللحظة الأخيرة قبل التنفيذ تشاهد بريق عيني طفل داخل العربة التي تقل الامبراطور ، فقاطعه من وسط القاعة ، مهرج قائلا : اذا كنت ثوريا ستنفذ المهمة وتقتل الامبراطور ومن معه .
المصادر :
1 ـ البير كامو ، الانسان المتمرد ، ترجمة نهاد رضا ، دار عويدات بيروت باريس 1983 ، ص 10 .
2 ـ الموسوعة الفلسفية العربية ، معن زائدة واخرون ، معهد الانماء العربي ، بيروت ، 1986 ص 625 .
3 ـ نفسه .
4 ـ حنة ارندت ، في العنف ترجمة إبراهيم العريس ، دار الساقي بيروت ، 2015 ص 10
5 الموسوعة الفلسفية ص 625








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ارتفاع نسب التصويت المبكر في ميشيغان وتكساس تتحول إلى ولاية


.. ما أهمية فلوريدا في حسم السباق الانتخابي الأميركي؟


.. تركيا | زلزال يضرب ولاية إزمير وخسائر مادية وبشرية كبيرة




.. تهديدات لمسؤولين في البنتاغون على خلفية مقتل قاسم سليماني


.. فرنسا وتفاعلات ما بعد هجوم نيس ????