الحوار المتمدن - موبايل


صوتك حلو ..ج الأول

فرات المحسن

2020 / 8 / 8
الادب والفن


دفع طرف الكوفية عن وجهه وأرخى اللثام الذي يغطي أنفه وفمه اتقاء ذرّات الرمل المتطاير. مسّد شاربه ولحيته ونظر أمامه في الأفق المغبر. الحسنة الوحيدة التي يجنيها جندي فصيل الحجاب هي انفلات الرقابة اليومية الصارمة للضباط ومن ينوب عنهم، وبالذات في موضوعة التعداد اليومي وحلاقة الذقن.
في فصائل الحجاب لا عمل لك غير مراقبة الموت القادم من وراء الساتر الأخر البعيد، وأن تكون مصدراً للإنذار لمن هم خلفك، في مواضع الفوج، حين حدوث حركة مريبة. ففصيل الحجاب هو النسبة المؤوية للخسائر التي تقدمها الوحدات العسكرية، وليس هناك تسمية تليق بهذا الفصيل غير مصدّ الموت.
ساعة إثر ساعة، لا بل دقيقة أو لحظة بعد أخرى، ما على الحواس غير أن تتوفـز وتكون بكامل وعيها لتترقب الأفق البعيد. حتى الريح لها قيمتها في اكتشاف حركة العدوّ واستعداداته. كانت تلك آخر المعلومات التي أجبر على سماعها من رأس العرفاء شمخي، وهو ينبئه بقرار إرساله إلى فصيل الحجاب.
مرّر كفـّه بتؤدة واسترخاء فوق ذقنه. نما شعر لحيته بغزارة، وأصبحت لأصابع اليد القدرة على إمساكه. بين لحظة وأخرى كان يحدق في السبخ والظلمة الممتدة بعيداً حتى حدود مواقع الخصم، والتي ترى بصعوبة تحت ضوء القمر الشاحب. الأرض اليباب المجدبة تنخرها الريح، فيصدر عن شقوقها صفير رتيب مزعج. الثالثة صباحاً. ليس هناك ما يشي بقدوم الفجر. للخريف في هذه الأرض طباع مؤذية. تمتزج الألوان بين الأرض والسماء بصفرة غريبة. العاصفة الرملية التي بدأ أوارها منذ صباح البارحة جعلت دكنة الليل تخالط اصفرار الرمل الذي غطى بدوره كلياً وجه السماء، فاختفت النجوم. حتى القمر خفت لونه وخمد ساكناً شاحباً في البعيد.
منذ اليوم الأول لوصوله، أطلق للحيته العنان لتنمو. عندما كان في مقر الفوج، فـكر في هذا وشعر ببعض راحة رغم المهمة الصعبة والمميتة التي كلـف بها. فهو سوف يتحرر من تلك الأوامر اليومية السخيفة المملة،حلاقة الذقن والتعداد اليومي والوجه العابس اللئيم للضابط مساعد آمر الفوج،ووضاعة رئيس عرفاء الفوج ونفاقه. فكر في الحدث وابتسم. قبل المهمة وتحرك نحو الخندق الشقي الممتد أمام الفوج، ولكنه لم يدع الأمر يمر دون أن يترك أثراً مريحاً في نفسه، لذا بصق على الأرض جوار غرفة مساعد الآمر، وكأنه يُودّعْ عنده ما يستحقه. شعر بالرضا التام عن فعلته مع هذا الغبي القاسي القلب، الوضيع في عباراته، واللئيم في أوامره.لقد ودّعه بما يستحق.
خرج من مقر الفوج، و سار في الخندق باتجاه الأرض المفتوحة، تأكد من حاجياته، بطانية وزمزمية وصفّ رصاص وبندقيته الرشاش، وعلبة صغيرة تحوي ملقط شعر وماكنة حلاقة ومرآة وزجاجة كولونيا لم يشعر لحد اليوم بحاجة لاستعمالها. نصف ساعة من السير الحذر وضعه أخيراً وسط فصيل الحجاب.
لم يكن بحاجة للكثير من الوقت حين بدأ يألف باقي جنود الفصيل. ومثلما أُخبر فقد حلّ بديلاً عن ذلك الجندي الذي بدا منهكاً مريضاً وبانت ملامحه غائرة مصفـرة، وكأنه خرج للتو من قبر. ودّعه مثلما فعل الآخرون، دخل بعدها جوف الملجأ. وضع حاجياته ثم مد البطانية فوق الدكة الترابية التي رُصّت فوقها ألواح خشبية لتكون سريراً للنوم. تبادل نظرات الرضا والتحايا المألوفة مع زميله الذي يشاركه الملجأ الكئيب الذي ينيره ضوء كابٍ لقنديل نفطي صغير. كان الملجأ من الصغر بحيث بدا وكأنه جحر كلب. أحس حينها بضيق وألم في الصدر وزاد من جزعه ما تلقفه أنفه من رائحة عطن طاغية ملأت الجو.
البارحة طالع وجهه في المرآة، فوجد بياض الشعر قد اكتسح ما تبقى من سواد، فتاهت نظراته بعيداً عند مجدبات أيامه. وكلما أمعن النظر، فكر في الملجأ الذي ينام فيه والذي أصبح مأواه وقبره المحتمل. يتذكر الساعات الأول التي وضع فيها جسده وروحه وسط هذا المكان، ودوّن حينها في تلافيف دماغه ملاحظة ليس من السهل انتزاعها، الحرب برمّتها كانت تعني جهنّم بجوفها المفتوح تصرخ مع مضي الوقت وتوالي المعارك الطاحنة، ألا من مزيد، وأن فصيل الحجاب لن يكون سوى موقع صقر منها. فكر في ذلك ملياً، وأنتهي أخيراً بيقين أن الموت لا يمكن أن يختصر بغياب الجسد، ومن ثم طمره في لحد من تراب قرب ضريح أحد أولياء الله، فالأكيد أن للموت معنى آخر. أن يكون الخوف مسلطا فوق رأسك كل ثانية، أن تذلّ مثل عبد، وعليك لعق جراحك بصمت دون شكوى أو تذمّر. أن يعمر صدرك إحساس قاتل باليأس والخذلان. أن تقتل أحلامك وأنت لا تمتلك ما تدافع به عن وجودك. هذه أيضاً وجوه أخرى للحرب وصنوها الموت أو هي الموت بعينه.
لا نهاية للحرب، وليس هناك سوى انتظار دورك حين يهبّ زملاؤك بخفة وشطارة للملمة بقايا جسدك المبعثرة. فكر في هذا وسرح بعيداً. كيف يتسنى لمثله إعادة تركيب قدح تشظى بعد أن قفز فوق الأربعين، وبدا الأمل في العودة مرة أخرى لحياة جديدة ضرباً من الخيال. ولكن مدينته البعيدة تعلق في ذاكرته، تتشبث مثل أقدام عنكبوت تنسج وتشبك خيوطاً غليظة بين طيّات ذاكرته. يمضي معها متحرراً من كل قيد. يتلذّذ وهو يستحضر صورها وحركة الناس فيها. يتمطى في أزقتها، يدب دبيب الديدان دون هدف. لم تعد مثلما عرفها، وبالرغم من كل ما أصابها وما جرى عليها، لكنه ما زال يشعر ببعض أمان حين يزورها، فسير الأيام يخالطه الكثير من العذابات والمخاطر، ولكنها بقيت حاضنته التي يلوذ بها ويود أن تلملم أحلامه مرة أخرى.
في زياراته كان يطلق زمام خيالاته وأحلامه، يستمع لصهيل صبواته تردّدها الجدران. يقترب من النهر ويجلس عند حافة رصيفه يستمع لهدير الماء. يدندن أغانيه بانتظار أن يرخي المساء سدوله ليكون له فيه شأن آخر. شيء مثل ضوع الزهور وضوء الأقمار وبروقها.
أعاد الكوفية ليغطي أنفه مرّة أخرى، وتطلع لساعته محاولاً معرفة الوقت وكم تبقى من زمن خفارته. الرابعة إلا ربعاً، لم يتبقَّ سوى دقائق معدودات. كانت الريح تصفر بحدة، رغاء حزين يصدره مرور الهواء من بين حافة سقف المرصد وأكياس الرمل، وكأن هناك حيواناً يذبح، أنات موحشة تخترق حوافّ الساتر وتتسلل خلال أكياس الرمل. الساعة كأن الظلام امتلأ بالأرواح الشريرة، والعيون الوحشية الناطة من قبور تمتد أمامه. يتراكم الحزن في قلبه ويتسرب لجسده مثل حركة أقدام نمل، فيشعر بقشعريرة برد تتسلل لكيانه.في هذا المكان القاسي الجافّ الموحش يقف اليوم وحيداً فزعاً مفجوعاً.
هناك في مدينته للطراوة لذة وللخضرة بهجة. هناك تنام الطيور في قلب النخيل، والأزقة تخلو من المارة، ليس سوى مواء القطط ونباح الكلاب وشخير يتسرب من خلف الجدران والأبواب، وصرخات التياع وتغنج تختلط بضحكات تهمس لترتشف رحيق لذتها. وحده جبار كرمش يخط بأقدامه فوق تراب الشوارع، صوته يهدر بأغنية ملتاعة فتنهض الصبايا من غفوتهنّ، يتنصتن ويدندنَ معه باستحياء وهنّ في أسرّتهنّ، يتكسر النعاس فوق جفونهنّ. الالتياع ذاته، كل ليلة يبهج الروح ويفقس ألف ألف لوعة. ويمشي جبار كرمش مترنحاً بين الأزقة يدور مثل وزّة عرجاء أنهكتها الشيخوخة. تنطلق من حنجرته كلمات وجد ما عاد يعرف لها نهاية أو يدقق فيما تعنيه. الرغبة في الغناء تكتسحه وتزيده وجداً وصبابة.
وهو مثل شبح يتسلل مراقباً جبار عند المنعطفات ثم يعافه لأغنياته. الليل المندّى فضاء دون حدود وأزقة المدينة تفتح أكفـّها ملساء دافئة لا تحمل غير الطمأنينة والأمان. يقترب ببطء، يتخفى ويسير وئيداً بين حوافّ البيوت مثل لصّ، ثم يجدها تتلصّصه بعيونها عبر فتحة الستارة. يقترب من النافذة فتطالعه بابتسامة رضية. ينبسط صوت جبار في البعيد، مدراراً يأتي، يخالطه عرير الصراصير ونباح الكلاب وثغاء الخراف. عندها يتقاذفه مع أغاني جبار تيه شفيف فيجد روحه تهّس مثل سعفة ويغور بعيداً تهدهده ترانيم مثقلة بالفرح.
سألته يوماً وهو يلتقيها عند طرف السوق. اقتربت منه ووقفت جواره ولكنها أعطته ظهرها خوفاً من أن يراها أحد ما تحادثه مباشرة.
ـ هل أنت من يغني في الليل.
أرتبك وشعر برعشة فجائية تنتاب جسده. تلعثم بالكلمات وشعر بأنه يمضغها بصعوبة لا تطاق.
ـ أي ... نعم.
ـ صوتك حلو.
ـ أنت أحلى.
مشت، تتهادى مثل غزال، ترفع العباءة وتشّدها بين حين وآخر لتعيد ترتيب وضعها. تلتصق العباءة فوق الجسد مبرزة بعض ملامح القوام الممشوق. تسير مبتعدة، تتوقف ثم تمشي وهو يلاحقها بنظراته وشهوته. يسحبه مسحوراً ذاك الجسد الطري الوثاب النطاط. يلاحقها ويدور من الجهة الأخرى للسوق ليكون أمامها. يتقابلان فينظر إليها مبهوراً، جيدها المكشوف، عيناها تسطعان مثل الزمرّد، وخصلة مثل سواد الليل تنسلّ متدلية فوق الجبين. جسدها الذي يتمّلاه ليلاً ها هو أمامه في وضح النهار مثل طير حرّ طليق. ثم يتردد الصوت، يأتيه من مكان لا يتبينه.
ـ صوتك حلو.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماذا يعني التنازل عن الملكية الفكرية للقاحات كورونا؟


.. شاهد: مظاهرات بالشموع والموسيقى احتجاجا على الأوضاع الاقتصاد


.. سر العلقة الساخنة من تحية كاريوكا للفنانة رجاء الجداوى مع ال




.. الرجل الأول في فيلم الرجل الثاني.. لواء الشرطة الذي أغرته ال


.. هاجر ومحمود اتحدوا النار والحروق بالحب.. حكايتهم أقوى من أفل