الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ماهية الاستقرار السياسي

محمد حسين راضي
كاتب وباحث وشاعر ورياضي

(Mohammed Hussein Radhi)

2020 / 8 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


تُعد مهمة تحقيق الاستقرار السياسي من أوليات الدولة الحديثة، لما له من أهمية في استتباب الأمن، وبذلك فهو الأساس لإرساء نظام الحكم، وإنجاز خطط التنمية، ومما جرت عليه الأدبيات في العلوم السياسية، أنه لا يتم دراسة الاستقرار السياسي في كثير من الأحيان بشكل مباشر، وإنّما العكس، فعادة ما يتم التعامل معه عن طريق دراسة سوابقه، مثل الشرعية، أو غيابها، كما هو الحال في الثورة، فالاستقرار هو متغير حاسم في العلوم السياسية.
ويعرف الاستقرار السياسي أنه من أهم المفاهيم التي تناولها المفكرون والمحللون السياسيون، الذي أخذ بدوره حيزاً كبيراً وعميقاً في تفكيرهم وأبحاثهم، ذلك لتعقيده وغموضه ومعياريته أذ تختلف نسبية المعيار من مفكر إلى آخر، هذا إذا أخذناه بمعناه الاصطلاحي، والذي هو محل بحثنا هذا، أمّا المصطلح اللغوي فكلمة استقرار في اللغة العربية مأخوذة من الفعلّ (أستقر، يستقر استقراراً)، بمعنى الثبوت والسكون.
والاستقرار السياسي كظاهرة من الظواهر السياسية تتصف بالديناميكية والحركية، فضلاً عن أتصافها بالتعقيد وعدم الوضوح في آلياتها، واختلاف معطيات المكان والزمان، السبب الذي كان وراء تُعدد مفاهيمها، وعدم تلون مضامينها بلون واحد، وهذه الظاهرة ذات عوامل مُتعددة، وتظهر أهمية كل عامل على حدة، أو مجتمعة من مرحلة إلى أخرى، بحسب الظروف التي تحيطها.
وتجدر الإشارة هنا إلى إنَّ أبرز الصعوبات في إطار تعريف هذه الظاهرة هي عدم الاتفاق على صيغة محددة لتعريفها، لأنَّ معظم المفكرين المختصين في العلوم السياسية تناولوها من زاوية تحديد المؤشرات الإيجابية والسلبية لها، أي الاكتفاء بذكر الدوافع الكامنة التي تقف وراء الاستقرار أو عدمه للمجتمع محل الدراسة، أمّا البعض الأخر، فقد حللوا هذه الظاهرة بربطها بالمجال البحثي الذي يُراد التعرف على هذه الظاهرة ضمن إطاره، ووفق هذا المنظور قد يحدث خلط بين محددات الاستقرار السياسي وبين مؤشراته الإيجابية ومؤشراته السلبية، مما ينتج عنه صعوبة تحديد دوافعه ومِن ثمَّ فقدان نسبية الحكم في استقرار هذا المجتمع أو ذاك من عدمه، وقد تناولها بعضهم بتواجد العوامل المؤدية إلى عدم الاستقرار السياسي .
وقد ارتبط مفهوم الاستقرار السياسي في الفكر السياسي الغربي بالوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لدولة ما، مثل التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، أو التمايز الطبقي، وتوزيع الثروات داخل المجتمع، ومناقشة بعض القضايا العامة، مثل: قضية شرعية النظام السياسي والمشاركة السياسية، وقضية الصراع الاجتماعي، وغيرها من القضايا التي تعرض لها الباحثون في دراسة هذه الظاهرة، مما يشكل تهديداً مباشراً للنظام السياسي واستمراره، ومن الملاحظ أنَّ المفكرين الغربيين لم يتفقوا في وضع تعريف واحد جامع مانع للاستقرار السياسي.
ويتعلق موضوع الاستقرار السياسي باستقرار المؤسسات الرسمية وغير الرسمية من مؤسسات النظام السياسي، التي بدورها تكون مسؤولة عن كتابة الدساتير، وتشريع القوانين، والأعراف، وتكون مسؤولة عن ضبط نسق المؤسسة الإدارية وتوازنها، وضبط النسق السياسي مع بقية المؤسسات لغرض الوصول إلى الاهداف التي تنشدها، بما في ذلك الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والأيديولوجيات السائدة بالبلد والمعارضة السياسية.
فالاستقرار السياسي يمثل حالة من الثبات وعدم التغيير لمؤسسات النظام السياسي، وأيضا يمثل مستوى القدرة الثاني على استثمار الظروف والتعامل مع الأزمات بنجاح، بهدف استيعاب الصراعات الداخلية، والتهديدات الخارجية، وهو بذلك يتيح البيئة الضرورية لتنامي عنصر الأمن وتحقيق التنمية بكل أبعادها، كما يتيح للمجتمع فرصة التوحد والبناء والتنمية بمعظم أبعادها والوقوف بوجه التحديات الداخلية والخارجية.
وإنَّ عدم الاستقرار في دولة ما يؤدي إلى تغلب المصالح الشخصية الضيقة على المصلحة العامة، لعدم شعور أفراد المجتمع بمسؤوليتهم القومية تُجاه دولتهم من جهة، وعدم شعور القابضين على السلطة بواجبهم نحو تحقيق الأهداف المرجوّة من قيام النظام السياسي، ولتحقيق الاستقرار السياسي الذي يشترط توفر حكومة ديمقراطية، ويتطلب تحقق شرعية استمرار الحكومة في ممارسة وظيفتها، فضلاً عن عدم تغيير نظام الحكم من مدة إلى أخرى.
لذلك يُمكن تعريف الاستقرار السياسي أنّه (محصلة أداء النظام السياسي في استحقاقه للشرعية السياسية وتحقيقه للعدالة الاجتماعية ونجاحه في التنمية السياسية والاقتصادية، وأن تكون مؤسّساته قادرة على الاستجابة لمتغيرات البيئتين الداخلية والخارجية، وحفاظه على شرعيته وتصاعد فعاليته) وذلك عبر خضوع عملية التغيير المتدرج والمنضبط، التي تؤدي إلى زيادة شرعية النظام السياسي وكفاءته، باستعمال الوسائل المضمونة، وتوجيهها الوجهة الصحيحة، حتى وإن اقتضى الأمر استعمال وسائل العنف المادي في بعض الأوقات، كما جاء تأكيد (ماكس فيبر) على أنَّ شرعية النظام السياسي في استمرار مواطنيه بالشعور بصلاحيته واستحقاقه التأييد والطاعة.
وهذا يعني في حالة طرأت بعض التغييرات على النظام السياسي فأنها لا تؤدّي إلى التفكك والاضطراب، وهذا ما يسمى بالاستقرار النسبي، إذ تبقى أجزاء النظام العام متفاعلة بينها، وأعتقد إنَّ تحقيق النظام السياسي للاستقرار السياسي مع استحصاله على رضا ومقبولية أغلبية أفراد المجتمع يعطيه الشرعية في الاستمرار بالبقاء في السلطة، ولا يوجد بحسب استقصائنا للأنظمة السياسية في معظم دول العالم نظام سياسي حاز على نسبة مطلقة من رضا ومقبولية المجتمع المحكوم من قبله لإنَّ الناس مختلفون في مصالحهم وطباعهم وسلوكياتهم وأفكارهم وعقائدهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. موسكو: مقتل 200 جندي أوكراني و100 مرتزق أجنبي


.. القوات الروسية تقصف خيرسون والجيش الأوكراني يتصدى




.. سوريا..المقاتلات التركية تشن غارات على مناطق بريف حلب الشمال


.. العراق..نيجيرفان بارزاني في بغداد لبحث الملفات العالقة بين ا




.. السودان..اجتماع الآلية الثلاثية مع القوى السياسية لبحث الاتف