الحوار المتمدن - موبايل


حصّتي من -المرهوجة-

فتحي البوزيدي

2020 / 8 / 13
الادب والفن


حارس السّجن
يفتّش سِلاَلَ الزّيارة..
يَسْتَبْعِدُ رغيفا
بشبهة أنّه معجونٌ بمخدّر "المرهوجة"(1).
يستبعد أيضا كتابا
بدعوى أنّه يشبه سِكِّينا.
لا شيء..
يخدّر الأفكار القلقة اللّيلةَ في رأس المساجين.
لا شيء..
يساعدهم على قطع أوردتهم.
***
منذ العواء و الظّلام,
كان النّاس يقدّمون دمهم قربانا يصون القمر من اغتصاب الذّئاب.
منذ أوّل قَبْوٍ,
كانت الأفكار تموت من الصّقيع إذا نامت على بلاط زنزانة.
نحتاج بعض اللّهو و نحن نشيّع الأحلام إلى مثواها..
نحفر الأرض..
نظنّ أنّ الصّلوات محاريثَ تشقّ السّماء.
الحقيقةُ أنّ ثقب المفتاح بباب السّجن
قبرٌ أضيق من عيون الموتى.
***
في مواكب الدّفن
ألْهُو قليلا..
قليلا أبكي..
أقطع رأسي..
أضعه بين قدميَّ.
أحبّ ركل حزن تكوّر في تجاويف دماغي
منذ كنت طفلا,
يغرورق الجمر بعينيّ كلّما أطَلَّت أصابعي من حذائي.
لا أعرف لماذا يوصي الآباء أبناءهم خيرا
بالنّعال,
بالحجارة؟
لماذا يعاقبونهم إذا مزّقوا أحذيتهم و قد عوّدهم الفقرُ على السّير حفاة؟
أمّا عنّي
فأنا لم أحافظ
على عادات الآباء..
على وصاياهم.
ربّما
لأنّي كنت أقدّس وشمَ "تانيت" في ذقن جدّتي..
كنت أصدّقها إذا أقسمت بِرأْس الربّ الأزرق.
أظنّ أنّ الوشمَ صورةُ ربٍّ تروي عنه الجدّةُ خرافاتها!
لذلك
مازلت أؤمن بحكايةٍ
"عن نِسرٍ أراد أن يقلّد مِشية الحمام,
فأضاع مِشيَته..."
لم أُرِد أن أصير حمامة!
ظننتُني نسرا!
أحببتُ السّماء البعيدة.
لم أحبّ السّير على الأرض كثيرا.
علّمتُ بنات أفكاري الطّيران.
علّمتها
أن تهرِّبَ
[روايات "غارسيا ماركيز",
قصائد "بابلو نيرودا",
علبَ سجائر "جلبير نقّاش"(2)]
إلى الزّنزانة.
علّمتهنّ
يَحْرُسْن الأقمار من أنياب الذّئاب
بِبَساتين ورْدٍ تسيل
من الوريد..
إلى الرّحيق.
من الشّوك..
إلى الوريد.
علّمتهنّ كذلك
أنّ الأفكار بلا أثداء,
لذلك تموت جوعا,
و لا تأكل قُوتَ العاهرات.
الأفكار:
نسورٌ
تكسّرت مخالبها..
انتحرت.
***
رأس السّجين بين قدميْه.
أحتاج حصّتي من المرهوجة,
لأرْكُلَ
ذاكرتي,
يوميّاتي,
أحلامي.
لأنسى
إصبعا يطلّ من حذائي المثقوب..
لألهوَ
في جنازتي قليلا..
لأُفرِغَ
تجاويف دماغي من حزنِ
[ماركيز,
نيرودا,
جيلبير.]
***
على جدران الزنزانة
أحطّم أفكاري,
مثلما يحطّم نسر رأسه على صخور الجبل.
___________________________________________________________________

1-المرهوجة اسم يطلق على حبّات مخدّرة تُعْجَن مع الطّعام ليسهل
تهريبها داخل السجن في سلال الزيارة التي يحضرها أهل السجين.
2-جيلبير نقاش كاتب و مناضل يساري تونسي وسم كتابا ألّفه
لمّا سُجِن في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة ب"كريستال"
و سرّ هذا العنوان أنّه كان ممنوعا في سجنه من ورق الكتابة
لذلك لجأ إلى حيلة تتمثّل في استعمال أغلفة علب السجائر التونسية
من نوع "كريستال" لتحبير كتابه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: غزل بالهوا الطلق مع حراسة مشددة ????????


.. المتحدة للخدمات الإعلامية توقف التعامل مع المخرج محمد سامي


.. صالات السينما في البحرين تعود للعمل بعد إغلاق دام أكثر من عا




.. بتوقيت مصر | اغنية انسي انسي | Rai-نا


.. Go Live - المنتج والمخرج ايلي معلوف