الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ياسعادة وزير التربية والتعليم : لا تطفئ الشمس

الشربيني عاشور

2006 / 6 / 30
حقوق الانسان


تلميذة تنتقد الرئيس بوش فيعاقبها الوزير المصري بالحرمان من الدراسة
يا سعادة وزير التربية والتعليم : لا تطفئ الشمس

لن أبدأ الكتابة بالجملة الشهيرة ( صدق أو لا تصدق ) .. فقد أصبح كل شيء في عالمنا العربي ممكنا وجائزا ومصدقا ولا يثير أي غرابة أو دهشة . بعد أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه من ضعف وفساد وإهمال وعبث طال كل شيء وأفسد علينا الماء والهواء . فأصبحنا كائنات مهملة تبحر صباح مساء في التفاهة والسطحية واللامبالاة إلا من رحم ربي وهم قليل بعرف الأمم والشعوب النابهة .

أما ما لن أبدأ الكتابة عنه بــ ( صدق أو لا تصدق ) فهو القرار الذي اتخذه وزير التربية والتعليم المصري بحرمان الطالبة ألاء مجاهد ( 15 عاما ) من محافظة الدقهلية عاما من الدراسة وترسيبها في مادة اللغة العربية لأنها كتبت في ورقة الإجابة (موضوعاً عن التدخلات الأميركية في الشؤون العربية انتقدت فيه سياسة الرئيس جورج بوش، في معرض إجابتها عن سؤال ضمن اختبار اللغة العربية دعا الطلاب إلى اختيار موضوع حر للكتابة عنه) !!

فالسيد الوزير الذي يفترض فيه أنه يرأس وزارة تربي ( العقول ) وليس ( العجول ) كان ينبغي له أن يفرح بأن من بين تلميذاته من تملك عقلا تفكر به في ما يحيط بهذه الأمة من مشاكل وتحديات ومصير غامض ، كان ينبغي له أن يفكر بأن تلميذة لم يتجاوز عمرها خمسة عشر عاما تمتلك عقلية نقدية قادرة على انتقاد رئيس أقوى دولة في العالم هي تلميذة واعدة وبيضة ذهب في سلة بيض ( ممشش ) مشغول بالستار أكاديمي , ( الواوا أح ) و( الواوا أوف ) والخروج في المظاهرة الفضيحة للمطالبة بالإفراج عن مغنٍٍ مزور وهارب مزعور من أداء الخدمة العسكرية كالرجال في جيش بلاده التي جعلت من أمثاله مغنيا ونجما مشهورا ورفعت صوره في الشوارع وعلى شاشات التليفزيون والسينما .

كان ينبغي على السيد الوزير أن يسأل نفسه لو أن طالبة أمريكية كتبت تنتقد الرئيس بوش هل كان الرئيس بوش أو أي من وزرائه سيقوم بمعاقبتها بحرمانها من الدراسة لمدة عام وترسيبها في المادة خاصة وأن إجاباتها صحيحة في المادة التي رسبت فيها . لو سأل الوزير نفسه هذا السؤال فإنه لن ينكر أن الإجابة ستكون لا .. لن يفعل الرئيس بوش ذلك ولن يرتكب أي من وزرائه هذه الجريمة في حق الولايات المتحدة الأمريكية . ولو علم الرئيس بوش بأن تلميذة صغيرة في مدرسة ثانوية بدلتا مصر تنتقده لاستمع إليها وربما شكرها ولكنه أبدا لن يحرمها من دراستها لأنها تشجعت وقالت : لا لسياساته !! فلماذا يكون وزير التعليم المصري ملكيا أكثر من الملك ، ولماذا ينطبق علينا دائما هذا المثل : أهل الميت صبروا والمعزيين كفروا !!

وما أشبه الليلة بالبارحة فقد حدث معي شخصيا أيام كنت مدرسا للغة العربية موقف مشابه أثناء الغزو العراقي للكويت إذ فرضت مديرية التربية والتعليم آنذاك على مدرسي اللغة العربية موضوعا موحدا في حصة الإنشاء ( التعبير ) يهدف إلى إدانة الغزو العراقي وتلقين الطلاب هذه الفكرة باعتبارها سياسة الدولة ولكني كمدرس يؤمن بأن دوره هو تربية العقول على الحرية والنقد والقدرة على تبني المواقف السليمة رفضت رأس الموضوع المقرر وتحدتث مع تلميذاتي عن الغزو وانقسام الأمة العربية بشأنه وطلبت منهن أن يناقشن الموضوع في البيت مع الأسرة وأن يقرأن الصحف ويشاهدن التليفزيون وأن تتبني كل تلميذة الموقف الذي تراه صحيحا ثم تعبر عنه بشرط أن تبرر موقفها بأدلة عقلانية .

لم يكن يعنيني أن تدين التلميذات الغزو أو لا تدينه كان يعنيني أن تتعلم التلميذات كيف يفكرن وكيف يصبح لديهن موقف مستقل بعيدا التلقين والإملاءات السياسية والمواقف المسبقة. فانظر ماذا جرى ..

بعد يوم واحد فوجئت أثناء دخولي المدرسة بالمديرة تخبرني بأن المفتش العام للغة العربية في محافظة الدقهلية آنذاك ينتظرني في مكتبها فذهبت إليه ودار الحوار التالي :
ــ أنت طلبت من البنات أن يكتبن هذا الموضوع .. ( كانت لديه نماذج من الموضوع ) .
ــ نعم .
ــ الم تخبرك المديرة بالكيفية التي تطلب بها الوزارة تدريس الموضوع .
ــ أخبرتني .
ــ لماذا خالفت إذن .
ــ لأنني أؤمن أن دوري كمعلم هو أن أعلم البنات كيف يفكرن ، وأعطيهن الحرية في التعبير عن أفكارهن . إن التلقين في الغالب يفسد التعليم ، وعليه فإنني استغل حصص التعبير لتربية التلميذات على التفكير والتعبير الحر . وبذلك أشعر أنني أسهم في بناء شخصياتهن .
ــ من يعطيك راتبك ؟
باغتني السؤال فلم أجب سريعا .. فواصل سعادة المفتش كلامه :
ــ الحكومة هي التي تعطيك راتبك ، والحكومة التي تعطيك راتبك هي التي تطلب منك أن تدرس الموضوع بالكيفية التي تراها هي !!
ــ قلت : عفوا .. الحكومة لا تعطيني شيئا من جيبها .. الحكومة تأخذ راتبها مثلي من أبي وعمي حسن الطباخ جارنا وعمي محمود صاحب المقهى المواجه لدكان أبي .. الحكومة تأخذ راتبها مثلها مثلي من الضرائب التي يدفعها الشعب في المواصلات العامة وطوابع الدمغة والرسوم ومصادر الدخل القومي .. لا أحد في الحكومة حتى سعادة رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم يعطيني شيئا من جيبه أو من ماله الخاص !
ــ نظر اليََ الرجل وعلى فمه ابتسامة مشفقة وقال : يا ابني أنا أفهم حماس الشباب ولكن الحياة شيء آخر . عموما إذا لم تغير الموضوع وتدرسه بالطريقة المطلوبة فلدينا مكان شاغر في ( الجمالية ) إنهم هناك بحاجة إلى مدرس للغة العربية !!
طبعا الجمالية قرية بعيدة جدا عن بلدتي ما يعني أنها منفى سيلتهم راتبي وربما أستدين عليه لكي أوفر ثمن المواصلات فقط ، فضلا عن التعب والبهدلة في السفر ذهابا وإيابا .
ــ قلت له : فليكن . لكني لن أغير الموضوع .
وانتهى الحديث بيننا عند ذلك الحد .. وللأمانة لم ينقلوني فقد توسط لي مفتش آخر كريم كان أستاذا لي في المرحلة الإعدادية وبعض رجالات الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم ممن يعرفونني .
وهو ما تفعله الآن ( وساطة ) لجنة حقوق الإنسان في البرلمان المصري مشكورة بمطالبة الوزير بإلغاء قراره تجاه التلميذة ألاء مجاهد معربة عن تضامنها مع الطالبة، ورافضة إنزال أي عقوبات عليها. بل وتدعو إلى تعويضها عما «لحق بها من أذى وترويع» وإعادة النظر في درجاتها. فهل تنجح اللجنة أتمنى ذلك .. لأننا نريد لكل بناتنا وأبنائنا أن ينشأوا أحرارا وأن ينعموا بحريتهم التي يجب أن نرعاها بعيدا عن الهلس والشعوذة والتسطيح والابتذال والإسفاف والإرهاب والقمع الذي يغرق بلادنا . ويحزننا على مستقبلها .

أرجوكم تضامنوا مع هذه الزهرة البرية ، ومع لجنة حقوق الإنسان في البرلمان المصري واصرخوا في السيد الوزير كما صرخ إحسان عبد القدوس من قبل : لا تطفئ الشمس









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. في اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية.. علم قوس قزح يرفرف فو


.. ليبيا.. المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان تصدر تقريرها حول أوضاع




.. طلاب جامعة السوربون يتظاهرون دعما لفلسطين في يوم النكبة


.. برنامج الأغذية العالمي: توسيع العملية العسكرية في رفح سيكون




.. الأونروا: الرصيف البحري المؤقت لا يمكن أن يكون بديلا للمعابر