الحوار المتمدن - موبايل


انتصار الثورة الديموقراطية في الأرجنتين

نهويل مورينو

2020 / 8 / 20
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


تقرير اللجنة التنفيذية الأممية للرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة في آذار 1983



8- المضمون التاريخي المختلف للثورات الديمقراطية



الماركسية وصفت الثورات الديمقراطية التي ميزت القرن الماضي وبدايات هذا القرن (القرن العشرين) بالديمقراطية البرجوازية. هذه الثورات أسقطت الإقطاعية أو الأنظمة الإقطاعية الملكية لفرض أنظمة ديمقراطية من أجل الدفع قدما بالتطور الرأسمالي. السلطة انتقلت إلى يد البرجوازية أو قطاعات البرجوازية الصغيرة. المسألة لم تقتصر على كونها ثورة سياسية فتحت الباب أمام نظام سياسي جديد، بل كانت أيضا ثورة اجتماعية انتزعت السلطة من الملكيات الإقطاعية لمنحها للبرجوازية.

هذا المضمون التاريخي للثورات الديمقراطية البرجوازية تغير جذريا منذ انتصار الفاشية في إيطاليا. منذ تلك اللحظة فصاعدا، برزت أنظمة ثورة مضادة شمولية معادية للديمقراطية بشكل مباشر، موظفة أساليب الحرب الأهلية ضد الحركة العمالية، وأحزابها، واتحاداتها. هذه الأنظمة ليست تعبيرا عن الإقطاع وإنما عن رأسمالية أكثر تقدما: الرأسمالية الاحتكارية.
نضال الحركة العمالية اكتسب معنى ديمقراطيا عميقا، كتلك الثورات الديمقراطية المناهضة للإقطاعية بالقرن الأخير، ولكن بمضمون مختلف كليا: النضال ضد البرجوازية والثورة المضادة اللا إقطاعية.

تروتسكي سبق وأن أشار في بداية العام 1930 إلى أن الشعارات الديمقراطية، نتيجة لصعود وانتصار الفاشية، اكتسبت قدرا جديدا من الأهمية الكبرى. بل يمكننا القول: إن صعود الفاشية وأنظمة الثورة المضادة أيقظ الحاجة إلى ثورة ديمقراطية حقيقية تمضي بها البروليتاريا ويتبعها الشعب. هذه الثورة الديمقراطية التي يتمثل مضمونها بالانتقال إلى أنظمة الثورة المضادة، تحولت بالتالي إلى مهمة الطبقة العاملة وشعبها، حتى عندما تنجح أحزاب البرجوازية، أو البرجوازية الصغيرة، أو الإصلاحيين، في هزيمة الثورة المضادة والاستيلاء على الحكومة. لهذا السبب تحديدا هي ثورة سياسية، لأنها لا تغير السمة الطبقية للدولة رغم الطبيعة الشعبية والعمالية لهذه الثورة.



9-الثورة الديمقراطية والثورة الاشتراكية



انتصار الثورة الديمقراطية الأرجنتينية فتح الباب على مرحلة من التناقضات وتفجر الصراعات الحادة بشكل متزايد. كان هذا لسبب في غاية البساطة: هذا الانتصار كشف تناقضا في غاية الخطورة لم يتم حلّه، والذي سيتفاقم بشكل متزايد في مرحلة ما بعد انتصار الثورة الديمقراطية.

بسبب هدفها المباشر، من الواضح أن الثورات الديمقراطية ليست مناهضة للرأسمالية، بل شعبية واسعة وديمقراطية. هذه الحقيقة يبدو أنها تأكدت أيضا بحقيقة أن الأحزاب التي صعدت إلى السلطة نتيجة لهذه الثورة هي أحزاب برجوازية أو برجوازية صغيرة مناصرة للرأسمالية.

التناقض يتمثل تحديدا في أنه رغم الطبيعة “الشعبية” الواسعة للثورة والأحزاب التي استلمت السلطة، فإنها بالفعل ثورة مناهضة للرأسمالية لسببين: إنها هزمت نظام الثورة المضادة الرأسمالي، وأن من قام بها هم العمال وليس البرجوازية.

لا يوجد نظام ثورة مضادة رأسمالي على الإطلاق سقط قبل هذا بفعل البرجوازية. قطاعات البرجوازية ربما كانت تنتقد أنظمة الثورات المضادة، أو حتى تقوم –في لحظات خاصة- بفعل وحدوي مع الشعب في نضاله ضدها. لكن الأسس الاجتماعية للمواجهة كانت دوما تتمثل بالشعب عموما والطبقة العاملة وحلفائها بشكل خاص. لذلك فإن كل نصر للثورة الديمقراطية هو نصر للطبقة العاملة، ولم يكن أبدا نصرا للبرجوازية لأن الطبقة العاملة هي من واجهت بإرادتها، حتى الموت، النظام البرجوازي المعادي للثورة.

التناقض الخطير الذي نتج بعد الانتصار الديمقراطي يكمن في أنه انتصار ثوري للشعب والعمال احتكرته على المستوى الحكومي البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، التي اعتبرت في المقابل، أنه بوصولها إلى المنصب تنتهي العملية الثورية.

بالنسبة لنا الأمر بالعكس، العملية الثورية اتسعت بما أن التناقض الأساسي بات هو محرّك الصراعات الهامّة التي لا حل لها في المرحلة التي دشنها الانتصار الثوري. حلها يكمن فقط في أن تستولي الطبقة العاملة على السلطة.

الثورة الديمقراطية الأرجنتينية تبين أن هذا التحليل، والذي هو تحليل الثورة الدائمة، حقيقة ملموسة. أولئك الذين قاتلوا وكرهوا الحكومة العسكرية، كما كرهوا الإمبريالية، كانوا الشعب والطبقة العاملة. البرجوازية والبيروقراطية لم يسبق لهما أن واجهتا النظام، أكثر ما فعلتاه هو انتقاده أو الضغط عليه، ومعظمهم تعاونوا معه.

ولكن انتصار الثورة الديمقراطية حتما سيقود البيرونية والراديكالية والبيروقراطية النقابية للسلطة، والذين هم ليسوا مجرد برجوازيين أو إصلاحيين، بل أصدقاء مقربين للعسكر.

هذا التناقض بين الحكومة وأنصارها (والذي تعبر عنه اليوم حكومة بيغنوني بشكل غير مباشر) وبين ثورة العمال والشعب بدأ فعلا يكشف ذاته: العمال يقاتلون اليوم من أجل حل فوري لمشاكلهم، الناجمة عن النظام الرأسمالي، ولا يستسلمون لحقيقة أن الجيش قد غادر الحكومة. الآن هم يقاتلون ضد آثار النظام وليس ضده، بسبب الافتقار إلى حزب ماركسي ثوري لقيادة الحركة العمالية. ولكن النضال موجه بشكل فوري وأساسي ضد عيوب النظام. يمكننا القول إن هذا بات هو المحور الأساسي للنضال الجديد لحركة الطبقة العاملة والشعب.

قبل سقوط الدكتاتورية العسكرية كان كل شيء يتقاطع مع النضال الفوري ضدها، ولكن بعد سقوطها بدأ محور نضال الطبقة العاملة والشعب يصبح موجها ضد آفات النظام الرأسمالي شبه الاستعماري، وليس ضد تعبيره المحض بوصفه ثورة مضادة.

اليوم، المشاكل الملحة والحاسمة التي يواجهها العمال والطبقة العاملة، هي: البطالة، والعمل لاثنتي عشر وأربعة عشر ساعة يوميا، ومعدلات الجوع، وحقوق الأرض والإسكان، بالإضافة إلى التعليم، والتي ترتبط جميعها بالنظام الرأسمالي.

هناك أيضا مهمات ديمقراطية أساسية، كالقضاء على الأجهزة القمعية (المخابرات والقوات المسلحة) الملازمة للدولة الرأسمالية، والحقوق الديمقراطية للجنود، حتى الجمعية التأسيسية. طبعا، الشيء ذاته يحدث بالنسبة للنضال المناهض للإمبريالية، الذي يصبح محققا وفوريا بعد سقوط نظام الثورة المضادة، لأن هذا يتيح لنا إعلاء إمكانية عدم دفع الدين الخارجي، وكسر الاتفاقيات التي تربطنا بالإمبريالية، وما إلى ذلك.

تقريبا كل هذه الشعارات كانت قد رفعت في مرحلة سابقة، ولكننا كنا جميعا مدركين أنه يستحيل تحقيق هذه المهمات عبر النضال فورا إذا لم يهزم النظام أولا، رغم أن هذه المهمات كانت قد طرحت أيضا لهزيمته. ولكن بمجرد سقوط النظام أزيح جدار ما أتاح بنا الخروج وطرح هذه المهمات كمهمات فورية وأساسية.

هذه الدرجة الأولى، أهمية عاجلة تكتسبها المهمات المناهضة للرأسمالية، والمهمات الديمقراطية الأخرى المناهضة للإمبريالية، كالقتال من أجل الاستقلال الوطني، وجعل المرحلة مفتوحة بعد الانتصار للثورة الاشتراكية.

لكنها ليست مرحلة ثورة إشتراكية بسبب المهمات التي تواجهها، حيث يكون للمهمات المناهضة للرأسمالية وزنا أكبر، بل جوهريا بسبب مشكلة السلطة والحكومة. إنها المرحلة التي لا يعود فيها إسقاط نظام الثورة المضادة كافيا لحل المشكلات، بل لا بد من الناحية الاقتصادية والاجتماعية من إسقاط النظام الرأسمالي شبه الإستعماري، كما أن الأمر الجوهري والحاسم الذي يميز المرحلة هو هزيمة البرجوازية وأحزاب البرجوازية الصغيرة التي تهيمن على السلطة، من أجل انتزاعها من قبل الطبقة العاملة والحزب الماركسي الثوري.

لهذا السبب هي ثورة اشتراكية، لأنها تنزع السلطة، ليس فقط سياسيا بل أيضا اجتماعيا، عن البرجوازية. لم يعد الأمر مجردد تغيير نظام سياسي، بل بات تغييرا من نظام اجتماعي إلى آخر، ثورة اشتراكية، كنتيجة لانتزاع الطبقة العاملة والحزب الثوري للسلطة من يد البرجوازية.

من زاوية أخرى، فقد تجاوزت هذه الثورة الاشتراكية تناقض ثورة الشعب والطبقة العاملة، التي هزمت أكثر تجليات النظام الرأسمالي وضوحا (النظام السياسي للثورة المضادة) ولكنها جلبت البرجوازية وأحزاب البرجوازية الصغيرة إلى السلطة، لتجعل الثورة الديمقراطية (الإشتراكية أساسا) مكتملة، بتحويل هذه الثورة السياسية الجديدة إلى ثورة اجتماعية.



16- الأزمة والانفجار الثوري: هزيمة قوات النظام المسلحة



من المنطقي أن بعض الرفاق، بعكس كل ما كنا نقوله، يعتقدون أن تعريفنا للثورة الديمقراطية ليس مصحوبا بتعريف دقيق للانفجار الثوري، وبشكل أساسي للأزمة الثورية. بالنسبة لهؤلاء الرفاق لا يوجد انتصار لأية ثورة، سواء أكانت ديمقراطية أو حتى ثورة أكتوبر، إذا لم يكن هناك كفاح مسلح، وإذا لم يقد هذا الكفاح المسلح إلى أزمة عميقة أول حل مباشر للقوات المسلحة.

كالعادة، يتوجب علينا أن نحاول الاتفاق على ما نناقشه. إذا كانت التعاريف توضع ارتباطا بالأنظمة السياسية، والنظم الإجتماعية، فيما يتعلق بالأهداف التاريخية الكبرى، بصرف النظر عن الآلية والعلاقات بين الطبقات والأحزاب، والنضالات التي تحقق هذه الأهداف التاريخية، فإن تعريفنا صحيح.

أما إذا كانت المرجعية هي وجود أو عدم وجود اشتباكات دموية في تحقيق هذه الأهداف التاريخية، بمعنى إذا كان هناك انهيار للقوات المسلحة، وصراعات جسدية، كشرط لإطلاق تعريف الثورة على هزيمة نظام الثورة المضادة، وظهور نظام ديمقراطي جديد، عندها يكون تعريفنا خاطئا.

لأن الثورة الديمقراطية الأرجنتينية لم توجد عمليا كنتيجة لمواجهات جسدية مع قوات النظام المسلحة. والأمر ذاته فيما يتعلق بالأزمة الثورية أو الانفجار الثوري. بالنسبة لنا الأزمة الثورية واندلاع الثورة قد لا يكونا دمويين. إننا نصرّ على أن الثورة هي حيث يتحقق الهدف التاريخي. أي هزيمة نظام الثورة المضادة وظهور نظام ديمقراطي جديد. إذا كان هذا النظام الجديد هو نتاج مجمل الأزمة بداية، ونتاج جبهة المعارضة لحركة الجماهير، حتى وإن كان هذا يتم التعبير عنه بطرق مختلفة وغير عنيفة فيما يتعلق بالقوات المسلحة للنظام، عندها يكون كل من الأزمة والانفجار ثوريين حقا.

لا نريد أن نخوض نقاشا حول التصنيف الذي نضع فيه الظواهر الأرجنتينية أو البيروفية أو البوليفية، بالنسبة لنا ما ينبغي إبرازه هو ما هي الحقيقة الحاسمة؟: سواء لم تكن هنالك صراعات دامية في أيام قليلة أو أن نظام الثورة المضادة تاريخيا قد تمت تصفيته، وبدأ تأسيس نظام ديناميكي جديد ليحدد شكله النهائي في سياق صراع طبقي مكثف. إذا كانت هذه الحقيقة الثانية هي محور التعريف فإننا لا نستبعد الظواهر الأخرى، التي هي أيضا جوهرية وستصبح أكثر أهمية مع تطور العملية. من المهم للغاية إذا كانت هناك اشتباكات عنيفة أدت إلى شلل القوات المسلحة، أو حتى قادت إلى هزيمتها الكاملة كما حصل في العام 1952 في بوليفيا، أو 1959 في كوبا. إنها ثورات ديمقراطية قضت على القوات المسلحة، التي هي ركيزة أساسية للدولة البرجوازية.

يمكننا أن نطلق على هذه الحالة الثورة المزدوجة، لأنها بقيامها بالثورة الديمقراطية سحقت المؤسسات البرجوازية، وليس فقط نظام الثورة المضادة البرجوازي، بل أكثر من ذلك.. كافة مؤسسات الهيمنة البرجوازية، ولا سيما القوات المسلحة.

وعكسها أيضا له أهمية كبرى: ثورة برجوازية ديمقراطية تهزم نظام الثورة المضادة البرجوازي، لكنها تترك الركيزة الأساسية لبنية الدول البرجوازية، القوات المسلحة، سليمة، ولكن مع أزمة هامة لا تقودها إلى أزمة شلل نهائية.

حسب الطريقة التي تتم بها الثورة البرجوازية الديمقراطية – سواء بالمواجهات أم لا، تدمير الجيش أم لا، سنحدد المهام العاجلة التي ستُعرض خلال الثورة بعد تغيير النظام. لكن هذا لا يلغي حقيقة أن النظام قد تغير بالفعل. عندما يكون النظام قد هزم ولكن قواته المسلحة مازالت باقية، فإن المهمة الكبرى تتمثل بالقتال من أجل القضاء عليها. وإذا لم تعد موجودة، أي أن النضال قد نجح في القضاء عليها، فإن المهمة الكبرى هي تجنب إعادة تشكيلها من قبل البرجوازية بكافة الوسائل، وتسريع الاستيلاء على السلطة من قبل البروليتاريا، التي ستقوم بالتالي بمأسسة القوات المسلحة الخاصة بها.

17 – مشكلة أجهزة السلطة



موقف مشابه لهذا حول الازمة والانفجار الثوري وقتال الشوارع لتدمير القوات المسلحة، كشرط لا غنى عنه لوصف تغيير النظام بأنه تغيير ثوري، هو ذلك الذي يشير إلى حاجة العملية الثورية لأن تكون موجهة بالهيئات المؤسسية لسلطة العمال.

نحن أيضا لا نتفق مع أن هذا الشرط لا غنى عنه لوصف تغيير النظام، أو القبول بأن هذا ثورة، أي هزيمة نظام الثورة المضادة وظهور نظام ديمقراطي، يكون فقط بوجود أجهزة مؤسسية للسلطة، هي منظمات عمالية تمارس السلطة. إننا نعتقد أن هذا، كاقتراح تدمير القوات المسلحة، هو شرط من شأنه تعزيز طبيعة الانتصار، بل وجعله أكثر قوة، ولكن يمكن بناء هذه المؤسسات في سياق الثورة الديمقراطية، ولا يحتاج الأمر إلى وجودها قبل انتصار الثورة الديمقراطية. وبالتالي فإننا لا نتفق مع مطلب السمة المؤسسية العمالية للثورة الديمقراطية.



بعض المقارنات



المقارنات التاريخية، سواء النظرية أو السياسية –ليس فقط حول بلدنا- سيكون لها تداعيات نظرية هامة. بالنسبة لنا، انتصار ثورة الأرجنتين “الديمقراطية” هو مشابه بالمقياس التاريخي لثورتيّ فبراير و1905 في روسيا، وللثورة الألمانية التي أطاحت بالقيصر، أو الثورة الاسبانية عام 1931 عندما استقال الملك. في تلك الحالات اختلط المحتوى المناهض للبرجوازية بالنضال ضد بقايا الاقطاع –خاصة في الحالة الروسية- والملكية المطلقة. في حالة القيصر والملك الاسباني كانت مهمة مناهضة للرأسمالية، لأنها لم تكن جوهريا ملكيات إقطاعية، رغم أنها اشتقت بقايا وأشكال ثانوية تماما للإقطاعية.

على أية حال، الثورة الديمقراطية الأرجنتينية في هذه اللحظة التاريخية لها نفس المعنى للثورة الساندينية التي أسقطت سوموزا، وكتلك التي أطاحت بجنرالات البيرو، والتي قضت فعلا على النظام العسكري، والإضراب العام الذي أسقط في النهاية غارسيا ميزا في بوليفيا.

هذه كلها كانت ثورات ديمقراطية، من بين تلك الثورات فقط الساندينية تمكنت من القضاء على القوات المسلحة. على الصعيد العالمي، انتصار ثورة الأرجنتين الديمقراطية، وثورة فبراير، مشابهة إلى حد بعيد لثورة 1952 في بوليفيا، وللثورة الكوبية، إلى جانب تلك التي ذكرناها.

رغم أنها كانت شبيهة بثورة نيكاراغوا، فيما يتعلق بالقضاء على القوات المسلحة، إلا أن الثورة الكوبية كانت هي الوحيدة التي تقدمت نحو تجريد ملكية البرجوازية الوطنية والإمبريالية. لهذا يمكننا القول إنها البلد الحر الوحيد في أميركا.

علينا أن نحدد، في قارتنا، ما إذا كانت الإكوادور وسانتو دومينغو لم تشهدا ثورات ديمقراطية منتصرة أيضا، رغم أنه في حالة سانتو دومينغو تم سحقها عبر ثورة مضادة إمبريالية مباشرة.

من الواضح أن الغزو يفسره انتصار الثورة، التي واجهتها ثورة مضادة مسلحة. لذا فإننا نؤكد فرضيتنا بأن كل الثورات الديمقراطية لا يمكن أن تتراجع إلا عبر انتصار ثورات مضادة باستخدام وسائل عنيفة.

علينا أن نحدد أيضاً أن هذه الانتصارات الثورية العظيمة في أمريكا اللاتينية هي جزء من انتصارات الثورات المناهضة للاستعمار، كما في الصين وفيتنام وكوريا وغينيا بيساو وموزمبيق. هناك أيضا بعض المقارنات مع الثورة البرتغالية، على الرغم من كونها حضرية. كل هذه الثورات تشترك في كونها نتيجة لأزمة نظام الثورة المضادة والنظام الرأسمالي، وللتعبئة الجماهيرية التي أسقطت الأنظمة المعادية للثورة، ومهدت لنمط جديد من الأنظمة.



موقف تروتسكي – 19



من هذه المقارنات، يتضح أن تروتسكي كان لديه تصورا مشابها على الأقل لمفهومنا حول تغيير النظام. حتى أنه كتب أنه لا يمكنك الانتقال من نظام إلى آخر دون اضطراب، دون أن يطلق عليه اسم ثورة. هنالك مثال كلاسيكي يوجه تصورنا.

تروتسكي عرّف إسقاط ملك اسبانيا بأنه ثورة ديمقراطية في صيرورة المضي إلى ثورة اشتراكية، كجزء من الثورة الدائمة، ومع ذلك فإن ملك اسبانيا سقط بسبب الصراع الانتخابي، هزيمة قادت إلى تنحيه، دون أن تكون هناك مواجهات في الشوارع بين القوات المسلحة والحركة الجماهيرية.

أزمة الملكية اقترنت برفض عام لكل الشعب الاسباني، وفقط من أجل إنقاذ القوات المسلحة استقال النظام الملكي، ما مهد بالتالي لانتصار الثورة الديمقراطية.

بهذا المعنى، فإن الثورة الاسبانية هي أنسب تشبيه تاريخي للثورات البيروفية، والبوليفية، والأرجنتينية. لم تكن هنالك اشتباكات حقيقية أو انفجارات ثورية –بمعنى الصراعات العسكرية في الشوارع- أو أزمة ثورية دموية، ومع ذلك اعتبرت الثورة الاسبانية من قبل تروتسكي ثورة ديمقراطية منتصرة. في الثورة الاسبانية لم تكن هناك هيئات للعمال وسلطة شعبية قبل الاستيلاء على السلطة. السلطة الشعبية والعمالية قد تكون تواجدت في لحظة معينة، ولكن بشكل جزئي محدود، وليس منظما أو مؤسّساً.

دائما، عندما تدخل السلطة والنظام القائمين في أزمة، تبقى هناك أرض محرّمة، وحقيقة وجود سلطتين.



20 – نقد رسمي



في حالة الأرجنتين، هناك اعتراضان رسميان على تعريفنا للثورة المنتصرة، هما: بداية إن جنرالا معينا من قبل الجيش، أو من قبل قيادة الجيش (لأنه من غير المعروف ما إذا كان يحظى بالدعم العام من الضباط) هو من يحكم. الاعتراض الثاني أن الحكومة العسكرية التي اختارهذا الجيش لن تعود موجودة كما كانت فقط عندما تجري الانتخابات، بعد سنة ونصف من تولي الجنرال بنيونه لمنصبه.

الواقع يبدّد هذين الاعتراضين الرسميين، حقيقة أن جنرالا مثل بنيونه يحكم بتفويض قطاع من القوى المسلحة، لا ينبغي أن تخفي عدة حقائق: أولا، أن الحكومة العسكرية التي حكمت قبل أن يتم اختيار بنيونيه قد اختفت، دخلت في أزمة، وتوقفت عن العمل. ثانيا، أن دعم بنيونه الفعلي لم يعد من الحكومة العسكرية المأزومة، وأصبح من قبل كل الأحزاب السياسية المعترف بها في الأرجنتين، وتحديدا التعددية الحزبية (مولتيبارتيداريا) والأحزاب الرئيسية، والبيرونية، والراديكالية، إلى جانب البيروقراطية النقابية. مصدر قوة الحكومة تحوّل من العسكر إلى الأحزاب السياسية ذات التأثير الجماهيري. هذه حقيقة ساطعة.

أما الاعتراض الثاني بأن الحكومة ستختفي فقط بعد إجراء الانتخابات، يتجاهل حقيقة أننا نعيش مرحلة حريات ديمقراطية رائعة إذا ما قارناها بالوضع السابق لحرب البلقان، ومن ناحية أخرى الحكومة ذاتها حددت تاريخ انتهاء صلاحيتها. هذا يعني أنها سقطت، وأنها كانت فقط تدير سقوطها، في محاولة لجعله بطيء الإيقاع باتفاق كل البرجوازية.

الأحزاب البرجوازية السياسية والبيروقراطية منعت السقوط العنيف، مبقية على الحكومة، عوضا عن العسكر، الذين اختفوا كقيادة للمجلس العسكري. حقيقة أن البرجوازية منحت مهلة للحكومة الحالية لتجنب انهيارها المفاجئ لا تعني أنها لم تسقط. سرعة سقوطها ليس هو ما يهم، المهم أن السقوط حدث، وأنها في طريقها للتحطم على الأرض.



22- منهج خطير



بعض الرفاق، استنادا إلى مراقبة دقيقة للواقع، عند محاولتهم إثبات اتساع نطاق منجزات الحريات الديمقراطية، أعلنوا أنه كان هناك تغيرا من نظام ثورة مضادة إلى نظام برجوازي ديمقراطي. اليوم نحن نتفق مع هذا التصريح، الذي حاربناه في وقته، لذا من الضرورة العودة إلى الأسباب التي قادتنا إلى عدم القبول بهذا التعريف في وقته.

بالنسبة لنا، تعريف أن نظاما برجوازيا ديمقراطيا جديدا قد ظهر، وأن نظام الثورة المضادة قد هزم، هو إصلاحي –وما هو أسوأ من كونه إصلاحيا هو أنه يتخذ خطأ بشكل خطير على أنه منهج- إذا لم يكن مقترنا بفهم أنه كان هناك أزمة ثورية، هزيمة نظام ثورة مضادة وانتصار ثورة ديمقراطية. إذا لم نقل إن الثورة الديمقراطية انتصرت، فإن أية محاولة للقول بأن النظام العسكري قد تحول إلى نظام برجوازي ديمقراطي، هي إصلاحية. هذا يعني أنه بدون ثورة فإنه يمكن لنظام عسكري أو معاد أن يتحول او يسقط.

يمكن لهذا أن يعني أن الحزب الشيوعي كان محقا في النهاية. طالما راهنوا على العسكر الديمقراطي، الذي سيقودنا إلى نظام ديمقراطي من خلال عمل هؤلاء الجنرالات، والتقارب المدني- العسكري، دون الحاجة إلى ثورة لتحقيق هذا.





ترجمة تامر خورما
مراجعة فيكتوريوس بيان شمس








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسيرة احتجاجية في عمان للمطالبة بإسقاط الاتفاقيات الموقعة مع


.. ...أفغانستان.. -بنجشير- الوادي الذي استعصى على السوفييت و


.. لماذا حزب الطبقة العاملة و عموم الكادحين و الكادحات؟- ندوة ا




.. بين سام وعمار - للدفاع عن امتيازاتها.. مؤسسات الجيش حاربت ال


.. بعد موافقة الوكالة الأوروبية للأدوية.. نمساويون يسارعون إلى