الحوار المتمدن - موبايل


فلسفة كارل بوبر المتأخرة

مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)

2020 / 8 / 21
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


كاتب المقالة: ايغور سيرجيفيتش نارسكي*

ترجمة مالك أبوعليا

الملاحظات والتفسير بعد الحروف الأبجدية بين قوسين (أ)، (ب)... هي من عمل المُترجم

من المعروف اليوم أن المفاهيم الفلسفية والمنهجية لكارل بوبر، والتي أصبحت أساساً لآخر نظريات المنطق والعلم، شكّلت في احدى مراحل تطورها، محاولة لانقاذ الوضعية الجديدة تحت مظلة انتقادها. خلقت الطبيعة المُتشددة لآراء بوبر السوسيولوجية المُعادية للماركسية ومعاداته الشديدة للشيوعية شعبيةً كبيرةً له في الأوساط الرجعية، ليس فقط كسوسيولوجي وعالم سياسي، ولكن ايضاً كفيلسوف. يتباهى بها الآن المحافظون البريطانيون والاشتراكيون الديمقراطيون اليمينيون الألمان، الذين لم يكن لهم في السابق أي علاقة بمنهجيته في العلم. في نهاية المطاف، وجد رأي ايمري لاكاتوش(أ) Imre Lakatos حول أن منهجية بوبر هي أهم ظاهرة في فلسفة القرن العشرين، عدداً من المؤيدين له، وكان رأيه مماثل فيما يخص فلسفة بوبر في التاريخ (1). رُقّيَ بوبر عام 1965 الى مرتبة الفروسية، وصارت تعاليم السير بوبر مذهباً عقائدياً للجناح اليميني للديمقراطيين الاجتماعيين الألمان. اتخذ عدد من مُعادي الشيوعية في العالم مذهبه ترسانةً لهم. ووُصِفَ بوبر بأنه "الأكثر تأثيراً" بين فلاسفة عصبرنا.

1- مراحل تطور فلسفة بوبر ومذهب العقلانية الزائف
ميّز لاكاتوش ثلاثة أنواع (في مرحلتين من تطور) منهجية بوبر، فارزاً في المقام الأول نظرية التنفنيد "الدوغمائية" أو "،الطبيعانية"، والذي وفقاً لها تكون حقيقة Fact مُفندة واحدة كافية لمتطلب التخلي عن النظرية العلمية المُعطاة باعتبارها عديمة القيمة. ومع ذلك، وحسب لاكاتوش، لم يكن بوبر نفسه هو المُذنب الرئيسي في هذا، ولكن الفريد آير Alfred Ayer الذي شدد على تعاليمه في وسط الجدالات الدائرة. برأي لاكاتوش، بوبر مسؤولٌ فقط عن النوعين الأخيرين من تعاليمه. يُشير في المقام الثاني الى نظرية التفنيد "الساذجة"، ومن ثم في نهاية الخمسينيات، نظرية التفنيد "المُتطورة". اقتصرت الأولى على الفرضية القائلة بأنه من الضروري تعديل النظريات ليس عند أول حقيقة Fact تُناقضها وتهزها، ولكن فقط عندما تنهض في مواجهتها، أي في مواجهة النظرية، حقائق "قوية"؟ بشكلٍ مُتكرر. بعبارة أُخرى، لا يعني كل "دحض"، "رفضاً" للنظرية، ولكن في هذا النوع من التفنيد نظل تتعامل النظرية الجديدة التي حلت محل النظرية التي تم تفنيدها مع نفس موضوع الدراسة السابق. يذهب التفنيد "المُتطور" الى أبعد من ذلك، ويبدأ في افتراض نماذج من نظريات، يؤدي تفنيدها الى تغيراتٍ جوهرية في النطاق الكامل للمسائل التي تتعامل معها.
على عكس لاكاتوش، نحن نعتقد أنه لا يوجد سبب للحديث عن نُسَخٍ وأنواعٍ مُختلفة لمنهجية بوبر. نحن نتعامل مع تغييرات تؤثر على أجزاءٍ من نفس المفهوم. في مقدمة عام 1958 للنسخة الانجليزية المُوسعة من عمله الفلسفي الرئيسي (منطق الكشف العلمي) 1934، بدأ بوبر في التأكيد على فكرة "نمو المعرفة" التي كانت موجودة سابقاً على هامش كتاباته. لكن هذه الفكرة، التي اضطر الى قبولها تحت ضغط النقد، على الرغم من أنها تتعارض مع نسبويته الشديدة والشكية التي تُميزه، فقد اضعفته كما اتضح. بوبر هو مؤسس التنفنيد "الساذج" (أي في الأصل، المُواضع (ب) Conventionalism واللاأدري، بالرغم من هجومه على المواضعة واللاأدرية)، والذي ليس فيه اختلاف هام عن النسخة "الدوغمائية"، ولم يُغيره تطوره اللاحق جوهرياً. نعني بالتفنيد مطلب بوبر باستبدال مبدأ قابلية التحقق بمبدأ التفنيد، أي الامكانية النظرية للاشارة الى الحقائق التجريبية المُتعارضة مع نظريات مُعينة، والتي تقود الى نبذها واستبدالها بنظريات جديدة. أعلن بوبر في الستينيات أن نظريته هي "العقلانية النقدية"، ولتوضيح هذا المُصطلح، أشار الى حقيقة أنه يؤيد الحلول "العقلانية" لجميع المسائل، واستخدام تقنيةً فعالةً و"نقدية" للتفنيد في التوجه نحو هذه الحلول. وهكذا فان نظرية بوبر في التفنيد ترتبط بالابستمولوجيا، وترتبط العقلانية النقدية بالنظرة الى العالم والمنهجية بشكلٍ عام. بدأت المرحلة الأخيرة من عمل بوبر حوالي أعوام 1966-1968، وتُشكل ورقته البحثية في المؤتمر العالمي الرابع عشر للفلسفة "العوالم الثلاثة" وجهة نظر "العقلانية النقدية"، والتي يُمكن اعتبارها نقطة التحول الأكثر وضوحاً.
يوجد خلف مصطلح "العقلانية النقدية" الذي وسمه بوبر للجانب المنهجي لمفهومه اللاحق، مرحلةً كاملةً في تاريخ الفلسفة البرجوازية في القرن العشرين. وفي حين ألقى بعض مُمثليها-(اي الفلسفة البرجوازية المُعاصرة)-بأنفسهم في اسار اللاعقلانية، دق آخرون، على العكس، ناقوس الخطر وأظهروا اصراراً على استعادة جانبها العقلاني السابق. انفصلت البرجوازية منذ زمنٍ طويل عن (عقل) ديكارت المُدرِك و"معقولية" قوانين الطبيعة كما فهمها رجال التنوير الفرنسي، والايمان بالتقدم الدياليكتيكي لـ"عالم العقل" الذي أعلنه المثاليون الألمان الكلاسيكيون. ليس من قبيل المُصادفة أن الفلاسفة البرجوازيين المُعاصرين يروجون بشدة لزيف عقلانية نظرية التوماية الجديدة، ويروجون كذلك لعقلانية الوضعية الجديدة "العلمية" سيئة الصيت.
يؤكد المدافعون عن بوبر أن صفة "النقدية" الخاصة به تتكون من انكار "موثوقية" كل المعرفة، علاوةً على ذلك، "دحضاً تاماً للعقلانية الكلاسيكية"(2). هذه "الصفة النقدية" في رأيهم، تتكون من انكار بوبر لأي "تأكيد" Assertiveness في العلوم ولأي نزعة ثورية "دموية" في السياسة. و"العقلانية" في "نقديته" شبيهة بالجدل السلبي للمدرسة الايلية Eleatic School وكذلك مفهوم العقلانية الذي كان يتبناه سوسيولوجي المعرفة ماكس فيبر. يكمن وراء كل تفكير من هذا النوع محاولة ملتوية لالصاق العلموية البرجوازية بالانسانية الزائفة وتنقيتها من اللاعقلانية مع الحفاظ على الجوانب الرجعية لفلسفة بوبر. من المؤكد، انه هو نفسه، الذي يدعي أنه "ثوري" في الابستمولوجيا، نتيجةً لابتكاره "التفنيد"، مُستعد حتى للاعتراف بوجود عدم انسجام بين اصلاحيته الاجتماعية و"ثوريته" الابستمولوجية التي يزعم أنها تُميزه. نجد مثل هذا النقاش على هذا الخط في مقالته عام 1970 "العقل أم الثورة" Reason´-or-Revolution. لكن في الواقع، فان عقلانية ونقدية بوبر الزائفتين هما في توافقٍ تام مع قناعته السياسية الرجعية. هناك ما يكفي من اللاعقلانية في منهجيته ونظرية المعرفة الخاصة به. نجد هذا في تصعيده المُميز له لمنهجية التجربة الوخطأ الى مستوىً مُطلق وفي مفهومه عن "القرارات" بمعنى التعسف اللاعقلاني الذي أعلنه والذي يجب على العلماء بناءاً عليه أن يختاروا القواعد المنهجية والفرضيات والافتراضات العلمية الأساسية(3). علاوةً على ذلك، أعرب بوبر عن تأييده لـ"الفهم الحدسي للواقع"(4). في مقالته "(التوقعات والتنبؤات في العلوم الاجتماعية) Forecasts and Prediction in the Social Sciences وفي سيرته الذاتية، كتب بوبر أنه تصور "عقلانيته النقدية" منذ البداية على أنها نقيض الماركسية. في وقتٍ سابق كان يُفضل تصوير الأمر كما لو أن منهجيته وفلسفته نشأت فقط كتحدٍ للوضعية المنطقية والاختزالية وبأن لها مقدمات أكاديمية بحتة. ومع ذلك، دعونا نتذكر أنه رفع راية العداء للشيوعية خلال الحرب العالمية الثانية، والتي كانت بعيدةً كل البُعد عن كونها مُساهمةً في وحدة الحلفاء في النضال ضد الفاشية.
كانت هجمات بوبر على الاستقراء ومبدأ الوضعية الجديدة للتحقق أكثر من مُتعددة(5)، على الرغم من أنه في الواقع لم يكن قادراً على التحرك خطوةً واحدةً دون الاستقراء ودون التحقق (التحقق التجريبي الذي له نتيجة ايجابية) في مفهومه عن التفنيد. بالاضافة الى ذلك، فان محاولات بوبر لمواجهة مُشكلة التمييز Problem of Demarcation-أي ترسيم الحدود بين القضايا الكاذبة والقضايا العلمية-مواجهتها بالتمييز الوضعي الجديد بين القضايا القابلة للتفسير وغير القابلة للتفسير، هي مواجهة خاطئة أيضاً(6). اذا نظرنا الى ما يذكره بوبر في كلٍ من عمليه المذكورين في هذا الهامش السابق، سنرى، في الواقع، أن الاختلاف بينه وبين الوضعية الجديدة ليست الا مجرد اختلافات في المُصطلحات.
يتحدث مؤرخو الفلسفة البرجوازية اليوم ويكتبون مرةً أُخرى عن بوبر "الثاني"، أي التغيرات التي ذكرناها أعلاه، بدءاً من بداية منتصف الستينيات، في آرائه حول طبيعة وسمات التصورات والمعرفة. ارتبط هذا الحديث بشكل أساسي بظهور مفهومه سيئ الصيت عن "عوالم" الأنطولوجيا والابستمولوجيا "الثلاثة". نشأ هذا المفهوم الى حدٍ ما تحت تأثير لاكاتوش واتخذ تبريراً برنامجياً في مقالة عام 1967 (الابستمولوجيا بدون موضوع مُدرِك) Epistemology Without a Cognizing Subject وورقته (حول نظرية العقل الموضوعي) في المؤتمر الدولي الرابع عشر للفلسفة في فيينا عام 1968. في عصر الثورة العلمية والتكنيكية، لم يكن من المُمكن لبوبر أن يأمل في الاحتفاظ بتأثيره الواسع على عقول المثقفين البرجوازيين، حتى من خلال الاعلان عن معاداته للشيوعية، دون اجراء بعض التصحيحات في لاأدريته الشاملة. على اي حال، ما مدى نطاق وأهمية هذه التصحيحات والتغييرات؟ وما العلاقة التي تربطها بتعاليم بوبر الوضعية عن التفنيد؟
اضطر بوبر الى الاعتراف بأن وضعه لنظرية التكشيب في مواجهة شديدة مع نظرية التحقق قد أخفق تماماً. أعلن في مقالته (ثلاثة متطلبات للمعرفة الانسانية) Three Requirements for Human Knowledge 1962: "لقد أكدت سابقاً أن العلم سيصاب بالركود ويفقد طابعه التجريبي اذا لم نبحث عن التفنيدات. نحن نرى اليوم، على نفس الأسس، أن العلم سيصاب بالركود ويفقد طابعه التجريبي اذا توقفنا عن السعي للبحث عن تحققات التوقعات الجديدة"(7). لكن الأمر لم يقتصر على هذا التراجع. في وقتٍ سابق، كان بوبر قد أدان المواضعة الواضحة التي تُميز تشارلز بيرس، واللاأدري ديفيد هيوم. الآن صارت النغمات الكانطية أقوى في أعماله، وبدأ يكتب صراحةً عن كانط. في (منطق الكشف العلمي) تحدث بشكلٍ غامضٍ عن "غريزة الباحث"(8)، وادعى في (المعرفة الموضوعية، مُقاربة تطورية) Objective knowledge-An Evolutionary Approach انه يوجد في الدماغ الانساني "تركيبات تفاعلية" Reactive Dispositions (جـ) لمنهجية الادراك ومقدماته المُسبقة. نحن الماركسيون لا نُنكر وجود تركيبات تشريحية-فسيولوجية تطورت في عملية تطورية طويلة، وبالتالي وراثة تجارب الأجيال بشكلٍ أو بآخر(9). في هذه التركيبات، في شكل ردود فعل غير مشروطة وغرائز وقدرات، موجودة، لكنها ليست معرفة فطرية ولا أشكال مُسبقة من المعرفة. هذا هو بالضبط ما أثبتته الدراسات الجديدة لعلماء السيكولوجيا السوفييت. ولكن هذه القَبلية ظهرت في آراء بوبر المتأخرة في شكل تأكيدات على وجود معرفة منهجية ما قبل-تجريبية مزعومة مُستقلة عن شكل ومحتوى أي شخص فرد، وأيضاً في شكل تأكيدات على وجود معرفة بشكلٍ عام، مُستقلةً عن أي مواضيع تجريبية مهما كانت.
ان مكانة هذا النوع من المعرفة تذكرنا مُباشرةً بأفكار أفلاطون وبولزانو، أو بـ"الروح المُطلقة" لهيغل، والتي لا يُنكر بوبر نفسه هذه المُشابهات. تبيّن أن كانط هو نقطة الانطلاق لبحث بوبر المنهجي، وكذلك أفلاطون وهيغل، الذين أدانهما بشدة بسبب مثاليتهما ودوغمائيتهما في كتابه (المُجتمع المفتوح وأعداؤه). لقد خلط الآن بين مثالية هيغل وأفلاطون، عند تجريدهما من الدياليكتيك، بهيغيلية الانجليزي روبن كولينغوود الجديدة، الذي كتب في وقتٍ مُبكرٍ من عام 1939 عن "المُقدمات المُطلقة" للمعرفة. في الوقت نفسه، احتفظ بوبر بنظريته عن التفنيد، والتي ترجع اصولها الى مبدأ ما يُسمى بالخطأية fallibilism(د) لتشارلز بيرس، وكذلك عدد من اطروحات هـ. باشلير الذي كتب عن "الانقطاعات" في تطور المعرفة الانسانية. كانت النتيجة مفهوماً انتقائياً بالمعنى الكامل لهذه الكلمة: نشأ مزيج تلفيقي نوعاً ما من الوضعية الجديدة والأفلاطونية والهيغيلية الجديدة. أشار بوبر أحياناً الى نقطة أكد عليها كثيراً حول أن فلسفته تنطلق، كما يزعم، من مصادر انجليزية بحتة. لكن لم يكن روبن كولينغوود الانجليزي الهيغيلي الجديد هو الذي كان له أقوى تأثير عليه، بنفس القدر الذي لم يكن ونستون تشرتشل (الذي لم يكن فيلسوفاً) هو الذي عزز آراءه "الواقعية". ومع ذلك بالضبط، يقتبس بوبر منهما باسهاب(10). ولكن لما كان يفعل هذا؟ على ما يبدو، من أجل أن يُعزز صورته كبريطاني، وخلق مناخ مُحيط أفضل، وجعل نفسه أكثر قبولاً في الأدب البرجوازي البريطاني وأي أدب مكتوب باللغة الانجليزية.
كان بوبر نفسه مهتماً بطبيعة الحال، بالموائمة، بطريقةٍ أو بأُخرى، بين منهجية التجربة والخطأ المُحببة لديه والمرسومة بألون مواضعية من جهة، والقَبلية Apriorism، من جهةٍ أُخرى. على سبيل المثال، اعتبر معاييره للتقييم المُقارن للنظريات، كأولوية: غنى مُحتواها، ولااحتماليتها improbability وبساطتها. أما الغرض من منهجية التجربة والخطأ، كما تصورها، هو اضافة ميزة (القابلية للتغير المواضعية) على هذه المعايير، والتي سيجعلها قابلةً لتطبيقها بشكلٍ متنوعٍ أكثر. لقد أعلن أن 99.9% من معارف العضوية فطرية، و0.1% منها يُفسرها بعض التعديلات على التركيبة القبلية للمعرفة(11). بوبر مُبهَم للغاية في تفسير المعنى الدقيق لـ"الفطرة" ويوظف في العادة مُصطلحات المعرفة الفطرية والمُقاربة القَبلية والتركيب الفطري بشكلٍ متبادل وغير واضح، مع أن الفرق بين المفاهيم الكامنة وراء هذه المُصطلحات، في العلم والفلسفة كبير للغاية بالطبع. يبدو أننا نتعامل مع افتقار مُتعمد في الوضوح، مما يُساعد بوبر على التملص من النقد.
فيما يلي "البُنيتين النظريتين الأساسيتين" لبوبر المتأخر:
1- تتكون كل معارفنا المُكتسبة، وكل ثمار التعليم من تعديلات (وربما نفي Negations) لأشكال مُعينة من المعارف والتركيبات dispositions، والتي هي، في التحليل النهائي، تركيبات فطرية.
2- يسعى الناس الى تحسين معارفهم، ويقيموا الأمل في "الاقتراب" من الحقيقة. لكن هذا الأمل فارغ: لا يمكن للبشر بلوغ الحقيقة من هذا النوع، اي بصفتها صنفاً كاملاً من الافتراضات الصحيحة المُطلقة.
نحن هنا نواجه مجموعةً من الأشياء الغامضة: مُطابقة المعارف والتركيبات، وتفسير النفي "كتعديلات" Modifications للمعرفة الفطرية، وفصل حاد بين التصورات الحسية والمعرفة الأصيلة، التي يُزعم أنهما موجودين في مجالين يختلف أحدهما عن الآخر، ولا علاقة للأول بالثاني. في حقيقة الأمر، ما يحدث في المجال الأول هو التطور التاريخي للتصورات الحسية، وهو شيء أعظم من مجرد نبذ مجموعة من النظريات والاستعاضة عنها بأُخرى. في وقتٍ مُبكرٍ كما في مقالة (ثلاثة مُتطلبات للمعرفة الانسانية)، بدأ بوبر، بروح لاكاتوش يُعبر عن نفسه بشأن التحولات في المعرفة نحو درجات ومستويات أكثر "تقدميةً"(12). في المجال الثاني، يؤكد الآن على وجود معرفة صحيحة بشكل مُطلق على النحو المذكور آنفاً، أي كمجموعة من الافتراضات الصحيحة. هذه الحقيقة المُطلقة تبدو غير قادرة على التطور أكثر من ذلك الى الأمام. ومع ذلك، وفقاً لبوبر، هناك، الى جانبها، لسببٍ ما، "مسائل" لم يتم حلها بعد. اذاً أين يمكن أن نعثر على الحقيقة؟
قام بوبر باضفاء بعض "التحسينات". لكن اتضح أنها اربكت الأمر برمته أكثر فأكثر: تبيّن أن المجالات التي بدأ يُطلق عليها "عوالم" صارت ثلاثة، وظلت العلاقة فيما بينها غير واضحة ومتناقضة.

2- مفهوم "العوالم الثلاثة"
العالم الأول هو "العالم المادي" أو عالم الموضوعات المادية، أي الطبيعة المرئية. العالم الثاني عالم الادراك الانساني والعمليات العقلية التي تحدث في رؤوس الناس. والعالم الثالث هو عالم الحقيقة (أي مُحتوى الفكر)، على الرغم من أننا سوقف نرى، بأنه يوجد في هذا العالم الأخير شيء آخر ايضاً. يبدو أن ما نتعامل معه هو مجرد مزيج تلفيقي لشيء مثل مادية العلوم الطبيعية الأفلاطونية، هذا المزيج الذي أطلق عليه بوبر عام 1970 "الواقعية الميتافيزيقية"، لكن الحقيقة هي، أن تلفيقية بوبر هذه، أقل أصالةً مما تبدو عليه.
أعلن بوبر، في مقدمة (المعرفة الموضوعية)، بأنه كان ينفصل بطريقة حاسمة عن أكثر التقاليد "الذاتية" في تاريخ الفلسفة، والذي يُضمنها ليس فقط بيركلي وريد ولكن أيضاً ديكارت وهوبز ولوك. وبذلك، لم يقم فقط بوضع المثاليين في قائمة أصحاب المفاهيم الذاتية، بل وأيضاً ماديي الماضي. الآن يبدو أنه يعتبر أن مساهمته القيمة هي الاعتراف بوجود العالم "المادي" Physical. ولكن كيف يُمكن فهم هذه "المادية" Physicality التي يتحدث عنها؟ انه يُنحي المادية Materialism جانباً. انه أكثر اعجاباً بالمادية Physicalism الوضعية الجديدة، وبالتالي أثبت أن ما يملكه من مفهوم عنها كـ(عالمٍ أول) هو مزيج من تصورات حسية مفهومة بطريقة نصف وضعية ونصف واقعية(13). هل العالم الثاني، أي العقل، يعكس الطبيعة الفيزيقية؟ هل وعي الناس نفسه نتاج تلك الطبيعة؟ يُقدم بوبر اجابة سلبية على السؤال الأول، ويحاول التهرب من السؤال الثاني(14). مُهاجماً نظرية لوك، مُحاولاً رفض فكرته عن انعكاس الأفكار، يدحض نظرية (اللوح الفارغ) Tabala Rasa(و).
هل ربما سيتضح الأمر أكثر اذا قمنا بتحليل فهم بوبر لـ"العالم الثالث"؟ ولكن هنا أيضاً، تظهر النتائج التي تنشأ عن مثل هكذا تحليل على أنها مُشتتة الى حدٍ سواء. في "العالم الثالث" لا يُضمّن بوبر الحقائق Truths في حد ذاتها وحسب، بل يُضمّن أيضاً المسائل والتخمينات ونفيها، وهذا يعني، كما يُقر هو نفسه تضمين النظريات الخاطئة كذلك- وليس مُجرد "الكذبة بشكلٍ عام"، ربما كان الأمر كذلك لو كان أكثر اخلاصاً لأفلاطون. صحيح أنه لا يستشهد بأفلاطون وحسب، بل وغوتفريد ليبينيز وبولزانو وغوتليب فريج Gottlob Frege. يجد في بعض الأحيان صلةً بين نظرية "العالم الثالث" ومفهوم هيغل حول تطور المعرفة المتموضعة Objectivized، بحيث يتوسع محتوى هذا "العالم" ليشمل "كل أشياء الفكر المُمكنة"(15)، والذي سيتضمن ليس فقط المفاهيم، أي الأفكار، بل كلاً من الافتراضات الخاطئة والصحيحة والنظريات الافتراضية بأكملها. "ان افتراض وجود منطقة الذهني كـ"عالم ثالث" يشهد على حقيقة أن بوبر قد راجع موقفه تجاه المثالية الألمانية والأنطولوجيا المُعاصرة. مثل هذه الأفكار، القائمة على هيغل وشيلينغ ونيكولاي هارتمان وماكس شيلر أو وايتهيد، كانت ستظهر في السابق مُعادية لمن كان يستند على كانط وهيوم فقط"(16). هنا يتم توسيع مدى الأشياء التي يضمها الى عالمه الى حدٍ ما، وهذا يتوافق حقاً مع حقيقة أن بوبر يُضمّن الكتب في "العالم الثالث"، والتعاليم، بما في ذلك التعاليم الخاطئة والمواقف الاشكالية والنقاشات، وكل شيء "مُمكن" Potential بشكلٍ عام(17). يمكننا أيضاً أن نعثر على النوع التالي من التوضيح المتعلق بمحتوى"العالم الثالث": انه يتألف من "النظريات الموجودة في المجلات والكُتب في المكتبات ومناقشات حول النظريات والصعوبات والمشاكل"(18)، وكذلك القِيَم والمؤسسات الاجتماعية والأعمال الفنية، كل هذه هي ثمار اللغة والفكر الانسانيين، أي نتاجات الانسان التاريخية التي قام بها "العالم الثاني"(19).
ما ينشأ نتيجةً لذلك هو تناقضٌ صارخ بين المعاني المتنوعة لمُصطلح الموضوعية، وفكرة عالم المعرفة الموضوعية. ان الاولى هي "الاختبار على نحو ذاتي مُتبادل" intersubjective verifiability(20)، والثانية هي الفرق بين المعرفة الموجودة مُسبقاً ونشوئها في نشاط الذات المُدركة. يُعلن بوبر أن المعرفة الموضوعية الأصيلة موجودة حيث لا توجد ذات مُدركة، وبالتالي لا يوجد وسط تشتغل فيه هذه الذات، أي حيث لا يوجد واقعٌ تجريبي.
وهكذا توصّل بوبر الى ثُنائية جديدة حول التصورات الحسية والمعرفة: التصور الحسي الذاتي (والمعرفة الزائفة) ليست الا مُجرد تركيبات عضوية organismic dispositions، أما المعرفة الموضوعية فهي نوع من "المحتوى المنطقي" المُستقل، للشيفرة الجينية وبحثنا النظري(21). يُعلق بايرتز بحق أن "بوبر يكرس نفسه للأفكار اليومية السليمة Common Sense كثيراً بحيث أنه لا يستطيع أن يُنكر استقلال الواقع عن الوعي، ولكن من ناحيةٍ أُخرى، انه وضعي جداً لدرجة أنه لا يستطيع أن يقبل الواقعية Realism بعلاقتها الابستمولوجية(22).
على عكس الثُنائية الكانطية، يرسم بوبر حدود ثنائيته داخل المعرفة نفسها. وليس كمثل المبادئ الابستمولوجية لمدرسة فيينا، فانه لم يعد يتجاهل عملية تطور المعرفة خارج حدود المفهوم الأساسي، ولكنه ينظر الى المعرفة الموجودة مُسبقاً على أنها نوع من "الجوهر" المنطقي مقترناً بالنشاط النفسي العضوي. يتشكل التناقض في أحكام بوبر بين "المعرفة الموضوعية" التي يُزعم أنها تقع خارج حدود التصورات الحسية، ونقده اللامتناهي لـ"الجوهرانية"، أي كل النظريات حول وجود الجوهر والذي يعتبر أفلاطون وهيغل وماركس من روادها. في الوقت نفسه، ينشأ تناقض بين نقد بوبر العدمي للنزعة السيكولوجية، والمحاولات التي تظهر لديه لاحقاً من أجل التقدم بأساس بيولوجي للعمليات الادراكية. لكن على العموم، يتسع وينمو التناقض بين عدمية مبدأ التفنيد فيما يتعلق بالمراحل السابقة للعلم من جهة، ومبدأ دمج المعرفة السابقة بالمعرفة الجديدة في شكل تابع لهذه الأخيرة. وبشكلٍ عام، ينمو التناقض بين لاأدرية بوبر "التقليدية" و المبدأ الجديد "الميتافيزيقيا الواقعية" للمعرفة الموضوعية. يَثبُت أن العزلة المُتبادلة بين العلم والواقع هي لحظة تأسيسية في نظرية بوبر المعرفية(23).
وهنا يظهر المعنى الثالث لمصطلح "الموضوعي"، انه معنىً أقرب الى المادية المُبتذلة(24). عالم المعرفة الموضوعية هو عالم من الاشارات المكتوبة والمطبوعة مُحدد بشكلٍ ملموس. يبقى عش الطير عشاً حتى لو غادره الطير، ويحتفظ الكتاب بهذه الميزة حتى عندما يختفي كاتبه وقارئه عن الوجود(25). من الواضح أن بوبر "يتعثر" بالمادية عندما يقول انه بما أن كل الانسانية المُتحضرة وجميع المكتبات ستهلك، فان الآف السنين يجب أن تمر قبل أن تولد من جديد(26). في هذه الحالة، ما هو معنى أفكاره حول "الاستقلال" العميق لـ"العالم الثالث"(27)؟ لا يُدرج بوبر بُني معارفنا المتنوعة في المنطق والرياضيات والبُنية المنطقية للمعارف الأُخرى فحسب، بل ايضاً التعبير المنطقي عن أي معرفة ومسارات البحث باتجاها، وبطريقة ما، كل محتوى المعرفة بشكلٍ عام، بما في ذلك التركيبات النظرية التي لن يكتشفها أي انسان أبداً. ويُعلن، بالاضافة الى ذلك، أن ذلك "العالم الثالث" يُسلط الضوء على العالم الثاني، أي على عالم النشاط الانساني الذهني، ولكن ليس العكس. من الواضح أن "معنى" نظرية العالم الثاني يظل أساساً هو نفس مفهوم أفلاطون وبولزانو.، ولكن من الواضح أن هناك تلفيقية ميؤوسٌ منها بحيث أنه لا جدوى من البحث عن عُمق غير مُشترك أو فرق بين الطرفين (بوبر، وبولزانو وأفلاطون). كان بوبر ببساطة غير قادر على ربط الأطراف المُرتخية مع بعضها البعض ولم يرغب في أن يرى، على سبيل المثال، أن هناك مصدراً مادياً للأفكار الرياضية البدائية.
يخلط بوبر للغاية، مسألة العلاقات بين "العوالم الثلاثة". يتقدم في بعض الأحيان باجابة بسيطة بأن "العالم الثاني" أي (الذات)، "ترى" (بعينيها) "العالم الأول" (الأشياء المادية Physical) و"ترى" (بدماغها،أي بتجربتها) "العالم الثالث". هذا جد سخيف. وفي نفس الوقت، نحن نظل، ببقائنا في حدود الأفكار اليومية، مشلولين على تخوم المسألة النظرية التي لا تزال بحاجة الى حل. ان الرجوع الى أفلاطون يُعيق الطريق الى حلها. اذا كان على المرء أن ينسب أي معنىً عقلاني الى بذرة الحقيقة في اجترارات بوبر هذه، فيمكن أن تكون الاجابة الوحيدة المقبولة كما يلي: "العالم الأول" مُنعكس في "العالم الثاني"، والمحتوى الموضوعي لهذا الانعكاس، بعد تجريده من شكله الذاتي، يُمكن أن يُسمى "العالم الثالث".
كما هو معروف، نحن الماركسيون لا نساوي بالتأكيد مجالات الواقع الثلاثة-الطبيعة والفكر والمُجتمع- بالرغم من أنه لا يُمكن اختزال الفكر لأيٍ من "عوالم" بوبر. في حقيقة الأمر، يُصبح الفكر بحد ذاته موضوعاً للادراك والمعرفة، وتنوجد المعرفة الموضوعية الحقيقية فقط عندما تُفكر بها الذات، على الرغم من أن محتوى الحقيقة الموضوعية لا تعتمد على الانسان، ولكنها "تُخزّن" في بُنىً ملموسة على شكل اشاراتها. من الناحية السببية، فان العالمين "الثاني" و"الثالث" هما عالمان ثانويان بالنسبة الى "العالم الأول"، ولكنهما ينشآن فقط في المُجتمع، لان المعرفة جزء من الحياة الاجتماعية، وكذلك عاملين في الشروط المُسبقة لنشوئها (أي لنشوء الحياة الاجتماعية)، وهما نتجية لقوانين تطورها الموضوعية.
ان التشويش واضح تماماً عند بوبر: لقد لاحظنا مُسبقاً أن "العالم الثالث" يجعل من الممكن فهم "العالم الثاني"، لكن هذا الأخير لا يكشف "العالم الثالث". علاوةً على ذلك، يُعلن بوبر أنه يوجد هناك تشابه بين العالمين الثاني والأول، يتمثل في وجود النمو والتطور البيولوجي(28). تحتوي كل "العوالم الثلاثة" على شيء ما "لغوي" و"يتضمن نشاط العقل بشكل أساسي من اشتغال بأشياء العالم الثالث(29). اضف الى ذلك، نقرأ أن "العالم الثالث" هو نتاج غير مقصود وغير مُتوقّع(؟) لنشاط الانسان"(30). وهنا نتفاجئ، بأن "العالم الثاني" نشأ من "الأول"، وأن "ما يمكن تسميته بالعالم الثاني-عالم العقل- يُصبح، بشكلٍ متزايد، وعلى المستوى الانساني، حلقة وصل بين العالمين الأول والثالث: تتحدد كل أفعالنا في العالم الأول بما يُدركه ويأخذه عالمنا الثاني من العالم الثالث"، ولكن في نفس الوقت "لا يوجد بين العالم الثالث والوعي البشري أي تشابه..."(31). ومع ذلك، يُعلن بوبر "أنا أعتبر العالم الثالث نتاجاً مُهماً للعقل الانساني. انه نحن من خلق كيانات العالم الثالث"(32)، لان لدى هذه"الكيانات"، "على الأقل"، "قاعدةً" لغوية(33). يوضح هذا النوع من التشويش، المستوى النظري الواطئ جداً لتفكير السير بوبر الفلسفي.

3- نمو المعرفة الانسانية، والنزعة البيولوجية الزائفة.
يتخبط بوبر المتأخر في مخططه حول حول نمو المعرفة الانسانية، وينسبه تارةً الى "العالم الثاني" ثم الى "العالم الثالث" تارةً أُخرى. ان مخططه بسيط للغاية: م1 ← ن ت ← ق خ ← م2. تُمثل (م) في هذا المُخطط المُشكلة، ومن ثم ينتج عنها ن ت (نظرية تجريبية)(34) مُقترحة كحل للمشكلة، ومن ثم يتبعها القضاء على الخطأ ق خ، أي تفنيد هذه الفرضية عبر نقدها، مما ينتج عنها مشكلة ثانية م2(و)، أي "تتحول"- (في مصطلحات لاكاتوش)- المُشكلة الأولى ويتم تنقيحها أحياناً جزئياً أو كلياً، ويتم فهمها بشكل أعمق من ذي قبل. يُصوّر بوبر العلم على انه سلسلة من وضعيات المشاكل التي يتم فهمها بشكلٍ أدق بفضل تغلغل المنظرين في "خلفيتهم" التي تقع في "العالم الثالث"(35). ولكن كيف يُمكن حل هذه المشاكل؟
لا يُقدم بوبر اجابةً واضحة. بشكلٍ عام، يرى أن كل حل تقريبي لمشكلة ما، قد يكون "مناسباً" أو "مُفيداً" في اللحظة المُعطاة، ولكن من وجهة نظر الحقيقة Truth الأصيلة التي تبقى في "العالم الثالث" فهو حل خاطئ. ان قول هذا بشكلٍ قاطع فيما يتعلق بالمخطط العام لحل المُشكلات الذي أعلن عنه بوبر على نطاقٍ واسع سيعني التقليل من قيمة هذا المُخطط تماماً، وهو يُفضل بذلك، اسلوب التقرير المُراوغ. انه يلتزم بهذا التكنيك عندما ينهض السؤال حول ما تبدأ به كل مشكلة في العلم: اذا ما ابتدأت بـ"القضاء على الخطأ" ضمن المُشكلة العلمية السابقة، فأين تظهر المُشكلات الأولى؟ متى لم يكن العلم، بالمعنى الدقيق للكلمة، موجوداً؟
نحن نعلم أن التجربة الانسانية، هي المصدر البدائي التي كسرت "الحلقة المُفرغة" للمشاكل والنظريات، وتفنيدها، كما كسرت الحلقة المُماثلة من العلاقات بين الاستنباط والاستقراء. لكن موقف بوبر تجاه التجربة الملموسة للبشرية في التاريخ الاجتماعي هو موقف ازدراء. يحاول حل مسألة الاستنباط والاستقراء بالثرثرة حول قَبلية "النفسي" و"الوراثي". انه يحل مسألة المشاكل والفرضيات ودحضها بنفس الطريقة تقريباً. انه يكتب "أعتقد أن العلم ينشأ من المشاكل (وليس من الملاحظات أو حتى النظريات، ونُضيف، على الرغم من أن (خلفية) المشاكل تتضمن نظرياتٍ وأساطير)"(36). حتماً، لن ينشأ أي تطور تاريخي للمعرفة عندما يتم تفسيرها على هذا النحو: السلسلة التي تتكون كل حلقة منها من مُشكلة (م1)، ونظرية تجريبية (ن ت)، وتفنيدها (ق خ) والمُشكلة "المُتحولة" (م2)، ترمز الى التغير في معرفتنا، ولكن هناك فارق عظيم في نظرية المعرفة بين الاعتراف بالتغير، وتفسير التطور. يكتب بوبر، ناشراً هذه الصيغة حول "تحوّل" المُشكلة، أنها تُصوّر كلاً من عملية نمو المعرفة ومسار "نقدها العقلاني" على مدار هذه العملية بأكملها(37). بقدر ما تنهض المشاكل عندما يكون هناك ادراك لبعض التناقضات في النظريات الموجودة، تكون فرضية أن "العلم يبدأ بمُشكلة وينتهي بمشكلة"(38)، يُمكن أيضاً تفسيرها على أنها تعني أن العلم يبدأ بالتناقضات وينتهي بتناقضات. هنا يجد بوبر بعض التشابه بينه وبين آراء هيغل، لكنه يرفض أن يكون له أي علاقة بالدياليكتيك. انه يعترف فقط أن الأفكار الجديدة تنشأ في السياقات المنطقية أو "الدياليكتيكية"(39). وبقدر ما يكون الأمر كذلك، يُزعم أن صيغته أو مُخططه هي تحسين وعقلنة(؟) لابستمولوجيا هيغل. في هذه الكلمات يظهر دافع العودة الى المثالية الموضوعية مرةً أُخرى.
في الواقع، صيغة بوبر ومخططه السابق هذا هي مُحاكاة سخيفة لدياليكتيك هيغل. يتطور العلم، في فهم المُفكر الألماني العظيم، من خلال التناقضات في التصورات الحسية ولكنه يبلغ ذروته في تَحَقّق المعرفة. بطبيعة الحال، فان مثال الحقيقة المُطلقة بعيد المنال، وفي هذا الصدد وقع هيغل في الوهم المثالي. من المعروف أن تطور العلم يسير بلا نهاية، في دورة لا تنتهي من حل المشاكل الجديدة واكتشاف تناقضات جديدة تُنتج مشاكل جديدة، يليها حلٌ لها. لكن الطريق السريع لتطور العلم، الذي يصل مُختلف الروابط في عملية تجري بشكلٍ دوري، ليس في الأساس مُجرد سلسلة من المشاكل والنظريات، ولكن على وجه التحديد اضافة المعرفة الجديدة على تلك الموجودة مُسبقاً، أو بشكل أكثر دقة، تحولاً تراكمياً للمعارف. يبدأ العلم بالتجربة، والتي تكتسب تفسيراً نظرياً في سياق النشاط العملي للبشر، انه لا ينتهي، ولكنه يتقدم من خلال تحوّله، الى التوصل الى نظريات أكثر اكتمالاً. عند بوبر، لا يمكن حل التناقضات في المعرفة بشكلٍ أساسي من خلال تقدم العلم، ولكن يتم تجاهل هذه التناقضات بما في ذلك النظريات السابقة (الفرضيات) التي كانت أرضيةً لها. اتسم مفهوم بوبرالابستمولوجي المُبكر بـ"كوارثية" تدمير النظريات السابقة بسلاح التفنيد، واستقدام نظريات جديدة تماماً وتدميرها. في التبسيط الابستمولوجي المُفرط لبوبر اللاحق اتخذ الأمر المظهر المُضاد لـ"الكوارثية"، أي تنازلات لوجهات النظر التراكمية cumulativist: تُقَدّم النظريات اجاباتٍ على المُشكلات، لكن تُثبت الاجابات أنها غير مُرضية، وبالتالي يتم طرح مشاكل جديدة نسبياً، وسيتم الكشف عن خطأ اجاباتها اللاحقة، ويتم تجاهلها. بدلاً من التطور الفعلي للنظريات، فانه يوجه الانتباه الى التغييرات في المُشكلات، ويُقدم تنويعة اخرى لنفس موضوعة لاكاتوش. في حين يكتشف هيغل الطبيعة الدياليكتيكية للوضعيات المُتناقضة في الادراك، وتكتشف المادية الدياليكتيكية للطريقة التي تعكس بها المواقف الاشكالية، التناقضات في الواقع الموضوعي نفسه، بالرغم من أن ما يعكس وما هو مُنعكس ليسا مُتطابقان، فان بوبر يسعى الى اقناء قُرّائه أن التناقضات في التصورات الحسية سلبية بشكل مُطلق وتدميرية في الدور الذي تقوم به(40). بعد ذلك، ظلت القواعد المنهجية للتصور الحسي كما هي عند بوبر المتأخر كما كانته عند بوبر المُبكر، أي "قواعد خُطة البحث الامبريقي"(41).
قدّم بوبر تفسيراً آخر، بيولوجياً هذه المرة، لمُخططه سيء الصيت عن "تحوّل" المُشكلات. هذه ليست حرفياً مسألة "بيلجة" Biologization عمليات الادراك التي قام بها نيتشه والبراغماتيون في وقتٍ واحد. بل تتعلق برسم بوبر لعدد من المتوازيات والمشابهات، التي لها وظيفة يُزعم أنها "توضح" فهمه الحقيقي لمسألة الابستمولوجيا والمنهج. ثم بدأ يكتب بحماسة عن داروين و"الداروينية" في الابستمولوجيا. هذا الموضوع تم تناوله في مقال ف. ميتلوف (تحليل نقدي لمقاربة بوبر التطورية للابستمولوجيا) Critical Analysis of K. Popper s Evolutionary Approach to Epistemology، لكن مؤلف هذه المقالة قام فيها بتحليل آراء بوبر حول العمليات البيولوجية. تَبِعَ بوبر، ستيفن تولمين Stephen Toulmin وبعض مُمثلي السيكولوجيا الاجتماعية في منطق العلم، مصورين آراء بوبر على أنه دفاع موثوق ضد أي غائية.
ان استدلال بوبر الدارويني حول "الاصطفاء الطبيعي" للنظريات، والذي وفقاً له تموت نظريات معينة ويبقى بعضها الآخر على قيد الحياة لبعض الوقت، فقط ليتم استبدالها لاحقاً من قِبَل نظريات أُخرى والتي تموت أيضاً بدورها، يتوافق مع فكرته عن التخلص الكامل من جميع المعارف السابقة. وحقيقة أن بوبر المتأخر هو بالضبط الذي توصل الى هذا الاستدلال، هو أمرٌ جديرٌ بالملاحظة، لانه من الواضح أنه احتفظ بقناعاته السابقة بأن المعرفة الماضية يتم استبدالها بفرضيات جديدة. قد يتفق المرء على أن ابستمولوجيا بوبر مُشابهة الى حدٍ ما للداروينية البدائية للغاية، والتي تُختَزَل فقط الى فكرة "البقاء للأصلح". بتعبيرٍ أدق، لم يتقى أي داروينية في هذا، ولكن مُجرد عبارات داروينية. من خلال تطبيق هذا، يُمكن للمرء أن يُعلن بسهولة أنه في عملية البحث عن اجابات، أي حلول لنظام جبري من معادلات الدرجة النونية equations of the nth power، فان "الاصطفاء الطبيعي" يحدث، ويتم التخلص من الحلول الخاطئة "تموت". لكن مثل هذه التمارين اللفظية لا تُكسبنا أي معرفة. كتب لينين في أيامه عن عبارات البيولوجية الزائفة لهربرت سبنسر وبوغدانوف وآخرين مثلهم أنه "ليس ثمة أسهل من لصق اللصيقة (الطاقية) أو (البيولوجيا السوسيولوجية) على الظاهرات كن نوع الأزمات والثورات ونضال الطبقات، وما الى ذلك، ولكن ليس ثمة ما هو عقيم ومدرسي وميت أكثر من هذا العمل"(42). يجب أن يُقال الشيء نفسه فيما يتعلق بالظواهر في عمليات تحصيل المعرفة(43).
يستشهد بوبر بأبستمولوجيا الدارويني الجديد دونالد كامبل Donald T. Campbell، ويُعيد احياء "الابستمولوجيا التطورية" لـ م. بالدوين M. Baldwin وكونوي مورغان Conwy Morgan و هـز جينينغز(44)، ويستحضر سبنسر مباشرةً(45). لكن بوبر لا يحب أن يُعلن اعتماده على الفلاسفة الآخرين. أكثر ما يعترف به باستخفاف، هو أنهم "سبقووه جزئياً". وهو يُعلن أن الداروينية كانت بشيراً لمنهجيته حول التجربة والخطأ(46). ومع ذلك، فان "الداروينية" العقيمة التي يوظفها بوبر يمكن جعلها تتناسب مع أي غرضٍ مهما كان، وكما كتب بوبر نفسه، انها "تُحفز ليس فقط اللاماركية بل وأيضاً حيوية برغسون"(47).
لم يكن بوبر قادراً حتى على صياغة فكرة البقاء للأصلح على الطريقة الداروينية، لانه وفقاً لداروين، ليست كل الأنواع هي التي تموت في هذا الصراع، ولكن الأنواع الانتقالية، بينما تستمر في التطور جميع الفروع المُتطرفة الناتجة عن الاختلاف المُتكرر. ان التغير التدريجي من نوعٍ الى آخر بعيد كل البعد، عن "موت" النوع. نحن اليوم على دراية ببعض عشرات أنواع الاصطفاء الطبيعي. علاوةً على ذلك، فان العلاقة بين الأفراد المنفصلين ووجود النوع ككل لا تُختَزَل الى الصراع وتختلف بشكلٍ كبير عن علاقة أجزاء وعناصر المفهوم، بالنظرية المُتكاملة. ان "المنافسة" بين الأنواع وثيقة الصلة، والصراع بين الفرضيات المُختلفة حول موضوع واحد هو أمرين مُختلفين تمام الاختلاف من حيث البُنية. كل هذا يشهد على اصطناعية مُشابهات بوبر الداروينية الزائفة في الابستمولوجيا والمنهجية.

4- من الفلسفة الى علم السياسة
الآن دعونا نُحاول اكتشاف التطبيق الاجتماعي-السياسي والسوسيولوجي الذي وجده بوبر في
نظريته الابستمولوجية. لا يوجد أي شك في العلاقة ما بين نظريته الابستمولوجية ونظريته حول المُجتمع. "يتوافق ادراكه الانطولوجي في الفلسفة الاجتماعية وفلسفة التاريخ مع المواقف المنهجية في الابستمولوجيا (الفردانية، القرارية)"(48)(و). ان حقيقة أن بوبر نفسه أحياناً، على سبيل المثال، في مقالته (العقل أم الثورة) 1970، أعلن أن اصلاحيته الاجتماعية "تتناقض بحدة" مع نظريته في التفنيد كأسلوبٍ للثورات في العلم، هو أمر مُثير للانتباه مرةً أُخرى.
حتى في شبابه، في سنوات أوروبا الثورية الأولى بعد الحرب الامبريالية الأولى 1914-1918، كان بوبر، كما اعترف في سيرته الذاتية التي تحمل عنوان "مهام لا مُنتهية" Endless Quests 1976 وفي مؤلفات شيلب Schilpp، بأنه يحلم بأن يطور مفهوماً يقدر على تدمير نظرية كارل ماركس بوصفها "أساطير متوحشة". لم ينجح بوبر في تدمير الماركسية، لكنه أثبت قدرته على تجميع مفهومٍ مُعادٍ للماركسية يمتلك سماتٍ قادرة على حشد الجمهور البرجوازي. أُعجِبَت البرجوازية الانجليزية بموقف بوبر، هذا الموقف "الليبرالي المُعتدل" والاصلاحي. أحب الاشتراكيون الديمقراطيون في ألمانيا الغربية حقيقة أن منهجيته تذكرهم بثُنائية الكانطية الألمانية الجديدة. لقد انجذبوا جميعاً للعلاقة البادية بين مفهومه، والمتطلبات المنهجية للثورة في العلم والتكنيك.
ارتبط مذهب بوبر "العقلانية النقدية" في المقام الأول بمذهب "الهندسة الاجتماعية" خاصته والسوسيولوجيا المُعادية للماركسية، بعددٍ من الروابط الوسيطة في النظرية والمنهجية. في المقام الأول، يجب على المرء أن يُلاحظ أن بوبر نقل تعاليمه المبدأية حول الخطأية والتفنيد الى العلوم الاجتماعية. كانت هذه التعاليم موجهة ضد معنى القوانين العلمية العامة، ولا سيما تلك الخاصة بالعلوم الاجتماعية. هنا تعمل معاً نظريتاه حول عن التفنيد، ومعاداته للاستقراء. لقد التزم مُباشرةً بالكانطي الجديد هنريك ريكرت باطروحته القائلة بأن التعميمات النظرية مُستحيلة في العلوم الاجتماعية. كتب ريكرت عن "المنهج التفريدي" individualizing method، وكتب بوبر عن "الفردانية في المنهجية" (كما نرى، لا يوجد فرق كبير). طبّق بوبر "منطقه الظرفي"- (عنوان مُحترم لمنهجيته حول التجربة والخطأ) على السوسيولوجيا- في شكل معايير لدراسة المحاولات المتنوعة التي قام بها الناس للخروج من مجموعة من المواقف الضيقة الملموسة، والتي يتم فيها (أي الدراسة)، مُعالجة كل هذه "المحاولات كأفعال فردية و(ذرية). يتصرف الناس بعقلانية بشكلٍ أو بآخر، وتنشأ، بفضل هذا، امكانية استكشاف أنماط بسيطة لأفعالهم"(49). يتضائل معنى مثل هذا النوع من التفكير داخل حدود السوسيولوجيا البرجوازية التجريبية: يدور النقاش حول "أنماط" للسلوك يسترشد القائمون بها بدوافع نفعية مُباشرة. يضع بوبر المحرمات على بعض الاستنتاجات السوسيولوجية الواسعة عن "النماذج": "لا يوجد قانون للتطور التاريخي يمكن أن يضمن مزيداً من التقدم"(50). وبحسب بوبر، لا توجد نظرية للتقدم. لذا فهو يوصي بأن ينخرط المرء فقط في الاصلاحات الميكروية الفردية، التي لا تشترك في أي شيء مع التغييرات الأساسية في العلاقات الاجتماعية. اجمالاً، لا تتوافق "العقلانية" المُنطلقة من آراءه مع القوة والعمل الثوري من أي نوع(51).
ومع ذلك، لم يظل بوبر على مستوى السوسيولوجيا التجريبية. ان فلسفته في التاريخ هي من نمطٍ تأملي للصراع بين المُجتمعات "المُغلقة" والمجتمعات "المفتوحة". لا يُمكن تأكيد هذا النموذج، وسُرعان ما يدحض نفسه. يُكرر بوبر مراراً الحُجة القائلة بأن نظرية الضرورة التاريخية هي مُجرد خرافة(52). ولكن اثناء تطويره لنموذجه التأملي، لا يزال يتحدث عن انتصار المُجتمعات المفتوحة (اي الرأسمالية)، ويود أن يرى هذا الانتصار على أساس حتمي.
في مُقابلة مع مجلة Die Press في فيينا 6-7 أيلول 1975، أكد بوبر على أن هدفه من كتاب (منطق الكشف العلمي)، وعلى وجه التحديد مبدأه في التفنيد، هو انكار الطابع العلمي للماركسية وتبرير السياسات الاصلاحية البرجوازية. كما أكد غاتزمور C. Gutzmore(53) بشكلٍ صحيح، فقد قام بوبر ببناء مفهومه الكامل عن "التمييز" Demarcation منذ البداية على أمل استخدامه لتقويض أفكار الشيوعية العلمية. تم شرح حقيقة أن نقاشات بوبر الكاملة ضد الجوهرانية Essentialism والكليانية Holism والتاريخانية Historicism تخدم هذا الغرض على وجه التحديد من قِبَل موريس كورنفورث(54). وبالمناسبة، هذا أمر لا يُنكره البوبريون أنفسهم.
دعونا نستخلص بعض الاستنتاجات. كتب بوبر "صحيح ما يُقال: اننا لا نَعلَم وانما نَحسِب"(55)، We do not know, but only guess، لكن هذا لا يمنعه من الانخراط في الأمر القاطع فيما يتعلق بنظريته في التفنيد والتي يفرضها على العلماء والسياسيين. بالنسبة لبوبر، العقل هو "خيال عاجز"(56). انه يقوم بفرض ادعاء قاطع وكأنه قائد "العقلانية الحديثة" ويدعو الى الدقة المنطقية والاتساق، لكنه في نفس الوقت ينحدر الى التلفيقية المُتطرفة والتناقض بين التفنيد ونظرية (الاستلاحة) Versimilitude. حول هذا، لاحظ الفريد آير بشكلٍ ملائمٍ تماماً، أن بوبر في نظريته عن التأكيد Confirmation، لم يرجع فقط الى مبدأ التحقق، برفضه التام لما بدأ به حياته النظرية، بل قام بتقويض مبدأه في التفنيد من خلال نداءاته في البحث عن الاستلاحة، بقدر ما كانت الأخيرة قابلة للتطبيق بالفعل في نظريته، فقط على الفرضيات التي تم دحضها(57).
يُهاجم بوبر المواضعة، مُتهماً اياها بالسعي الى "انقاذ" أي بُنى وكل البُنى التي تُلغي مبدأ التمييز(58)، على الرغم من أنه يعتمد كلياً عليها، باستخدام عدد من وسائلها لانقاذ الوضعية الجديدة. ان معيار بوبر للتمييز هو مواضعة بحد ذاته، مثله مثل القواعج المنهجية الأُخرى(59).
يحاول بوبر باستخدام سلاح المواضعة أن يُدمر المادية، مٌقدماً اياها (اي المادية) في مقالة (ثلاثة مُتطلبات للمعرفة الانسانية) تحت عنوان (الجوهرانية). يُلاحظ ج. اغاسيس J. Agassiz بشكلٍ صحيح أن بوبر في كتابه (المُجتمع المفتوح وأعداؤه) "يتقدم بمواضعة مُعدلة كأساس للفلسفة الاجتماعية الاصلاحية"(60). في أعقاب بوبر، ظلت مدرسته في منطق العلم، ضمن حدود المواضعة: ظل جميع أنصارها بعداءهم للمادية، لا يميزون الفرق بين التفسير الصحيح للحقائق والتفسير المُصطنع لها، بغض النظر عن مقدار تصريحاهم المُعلنة بأن هذا الفرق بالضبط هو أحد الأهداف الأساسية لفلسفتهم حول دروس التاريخ ونظرية المعرفة. لم يتغلّب بوبر على المثالية الذاتية لـ"مدرسة فيينا". على العكس من ذلك، فقد زاد من تفاقمها. ليس من قبيل الصدفة أن يصف هـ. البيرت بوبر بـ"التعددي النظري"، ويربط هذا بموقفه الاجتماعي المُتمثل في البحث عن بدائل اصلاحية(61).
تتغلغل الميتافيزيقيا في نظرية بوبر المعرفية والمنهجية عميقاً من الناحية المنهجية، فان كل التقلبات والانعطافات في تصوره النظري هي اجابات عالم ميتافيزيقي عنيد على المسائل الدياليكتيكية التي تكشفت له في وقتٍ قد مضى. في (منطق الكشف العلمي)، يؤدي الصعود الى المُطلق في الوظيفة الابستمولوجية للتفنيدات، والذي يُوضع بشكلٍ تعسفي في مُقابل التحقق الذي ينتهي بنتيجة ايجابية، الى مأزق ميتافيزيقي. لكن الحقيقة، هي أن العلم لا يتعلم فقط من أخطاءه والتي هي نتيجة للثقة غير النقدية في أن النتائج الفردية التي تؤكد نظرية ما مهما كانت طبيعتها يُمكن أن تُثبت صحتها الكاملة، ولكنه يتعلم ايضاً من النجاحات العملية والانتصارات التي حققتها نظرياته. ان فكرة "التمييز" كخط مرسوم بحدة هي فكرة ميتافيزيقية. ان موقف بوبر من مبدأ السببية هو موقف ميتافيزيقي: بقدر ما أن السببية الخطية أُحادية القيمة غير مناسبة للعلم المُعاصر، فان هذا يعني، في رأيه، أن السببية يجب أن تُطرد كُلياً من العلم(62). يُشكل عداء بوبر للتراكمية Cumulativism ميتافيزقيا عميقة.
وهكذا فان كلاً من المثالية والميتافيزيقيا هما من سمات بوبر، لكنهما يتعارضان مع العلم. ولكن، فان هذه سمات وجهات نظر بوبر هذه بالضبط ومنهجيته التي نقلها الى فلسفته الاجتماعية الرجعية، تتعارض هي الأُخرى مع العلم. سنُحلل فلسفته الاجتماعية بمزيدٍ من التفصيل في مقالات مُستقبلية.

*الماركسي السوفييتي ايغور سيرجيفيتش نارسكي 1920-1993 فيلسوف مختص بتاريخ الفلسفة. التحق عام 1939 بمعهد الفلسفة والأدب والتاريخ خلال الحرب الوطنية العُظمى. انتسب للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1943. واصل دراسته بعد الحرب في كلية الفلسفة في جامعة موسكو الحكومية، ودافع عام 1951 عن اطروحته لنيل درجة الدكتوراة (من تاريخ الفلسفة البولندية في القرن التاسع عشر: النظرة العالمية ل ي. ديمبوفسكي). عَمِلَ استاذاً في قسم تاريخ الفلسفة الأجنبية في جامعة موسكو الحكومية في الأعوام 1951-1971. وترأس عام 1965-1966 قسم المنطق. حصل عام 1961 على درجة الدكتوراة في الفلسفة عن عمله (نقد الأفكار الأساسية للوضعية). عمل في أعوام 1974-1980 كباحث أول في معهد الفلسفة التابع لأكاديمية العلوم السوفييتية. حصل البروفسور نارسكي على لقب (العالم الفخري في روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفييتية). نشر ناركسي مئات المقالات حول المنطق الدياليكتيكي وتاريخ الفلسفة ونقد الفلسفات البرجوازية المُعاصرة ونظرية المعرفة الماركسية وكتب حول فلسفات كانط وديفيد هيوم وغيرهم.

أ- ايمري لاكاتوش، كان ماركسياً هنغارياً حتى منتصف الخمسينيات. كان على خلاف سياسي شديد مع الحزب الشيوعي الهنغاري. وانخرط في نهاية المطاف مع مجموعة من الطلبة المُنشقين، الذين ساهموا في الثورة المُضادة. فر هارباً الى فيينا، ومن ثم لندن، بعد المساعدة الأممية السوفييتية لبودابست عام 1956،
1- see Imre Lakatos, "Popper zum Abgrenzungs- und Induktions -problem," in Theorien der Wissenschaftsgeschichte, edited by von H. Lenk, Frankfurt am Main, 1974, p. 75
ب- المواضعية، هي التكنيك التقليدي التي يقول عنه كارل بوبر، انه يُستخدمه المُنظر للتهرب من عواقب المُلاحظة والتجريب والحُجج التي تُقوم بدحض أو تفنيد فرضيته.
2- H. Albert, Traktat uber kritische Vernunft (3rd ed.), Tibingen, 1975, p. 189
3- منطق الكشف العلمي، كارل بوبر، ترجمة الدكتور ماهر علي، دار النهضة العربية 1986، ص154.
4- K. R. Popper, "On the Theory of the Objective Mind, in Akten des XN. Internationalen Kongresses fCr Philosophie, Vienna, 1968, vol. I, p. 47
5- With respect to Popper s critique of inductivism, see, for example, E . B. Kuzina, "Antiinduktivizm v epistemologii Karla Poppera," Filosofskie nauki, 1978, no. 3. These questions have also been dealt with in the writings of E. A. Mamchur, V. S. Shvyrev, G. I. Ruzavin, I. S. Narskii, and other Soviet scholars.
6- see K. R. Popper, Conjectures and Refutations. The Growth of Scientific Knowledge, New York and London, 1962, p. 258 Compare his The Logic of Scientific Discovery, p. 311
7- K. R. Popper, Conjectures and Refutations, p. 244
8- منطق البحث العلمي، كارل بوبر، ترجمة د. محمد البغدادي، مركز دراسات الوحدة العربية، ص108.
جـ- التركيبات هنا، أي dispositions تعني، الصفات المُتأصلة فطرياً في العقل.
9- see Problems of Logic and Epistemology [Problemy logiki i teorii poznaniia], Moscow, 1968, p. 73
د- هو الادعاء الفلسفي الذي طرحة الأمريكي تشارلز بيرس بأنه لا يوجد أي تبرير لأي مُعتقد، يُمكنه أن يضمن حقيقته (اي حقيقة المُعتقد)، وبأنه لا يوجد أي أفكار مؤكدة.
10- see K. R. Popper, "On the Theory of the Objective Mind," pp. 45-46 ff. also Objective Knowledge. An Evolutionary Approach, Oxford, 1972, pp. 42 ff
11- see Objective Knowledge, p. 71
12- see, for example, K. R. Popper, Conjectures and Refutations, pp. 241, 245 ff
13- وفقاً لبوبر فان "توقعاتنا للاستيقاظ عندما ننام" لا ينبع من العالم المادي الأول، ولكن فقط من النظريات العالم الثالث المُستقلة K. R. Popper, Objective Knowledge, p. 75
14- K. R. Popper, Conjectures and Refutations, pp. 65-66
هـ- اللوح الفارغ وهي حالة مُفترضة نسبها لوك للعقل الانساني قبل أن يطبع عليها العالم الخارجي الأفكار بفعل الحواس.
15- On the Theory of the Objective Mind," p. 26
16- G. F. Toben, Die Fallibilismusthese von Ch. S. Peirce und die Falsificationsthese von K. R. Popper. Untersuchung ihres Zusammenhangs, Stuttgart, 1977, a dissertation, p. 63
17- see Objective Knowledge, pp. 116-18
18- ibid., p. 73
19- النفس ودماغها، كارل بوبر، ترجمة عادل مصطفى، رؤية للنشر والتوزيع 2012، ص74-75، 227.
20- منطق الكشف العلمي، كارل بوبر، ترجمة الدكتور ماهر علي، دار النهضة العربية 1986، ص83
21- see Objective Knowledge, p. 73
22- K. Bayertz and J. Schleifstein, Mythologie der "kritischen Vernunft." Zur Kritik der Erkenntnis- und Geschichtstheorie Karl Poppers, Cologne, 1977, p. 79
23- Ibid, p. 76
24- في كتاب (النفس ودماغها) 1977، والذي كُتِبَ بالاشتراك مع السيكولوجي السير جون ايكلس John Eccles، والذي، على عكس بوبر، اتخذ موقفاً دينياً صريحاً، ويخرج بوبر بفهم ديكارتي "ثُنائي تفاعلي" interactionist dualism ومادي بدائي لـ"العالم الأول" K. R. Popper and J. C. Eccles, The Self and Its Brain, Berlin and Heidelberg, 1977, pp. 10, 539, 554 (في هذا المرجع وعلى هذه الصفحات يوجد مُناقشة بين بوبر وايكلس، غير مُترجمة الى اللغة العربية-المُترجم). في المؤتمر العالمي السادس عشر للفلسفة 1978، اُتيحت لمؤلف هذه السطور (ايغور ناركسي) نقد نظرية بوبر عن "العوالم الثلاثة"، والتي استخدمها ايكلس على وجه التحديد لصالح الثنائية السيكولوجية.
25- see Objective Knowledge, pp. 59, 116
26- ibid., p. 108
27- ibid., pp. 110,116, 118
28- ibid., p. 111
29- On the Theory of the Objective Mind, p. 32
30- ibid., p. 29
31- ibid., p. 126
32- P. A. Schilpp, ed., The Philosophy of Karl Popper, 1974, Vol. I. p. 148
33- On the Theory of the Objective Mind, p. 32
و- His notation is very simple: P1 -> TT -> EE -> P2. P1 represents a problem, TT is the "tentative theory" (4) proposed as a solution, EE is "error elimination" refutingcriticism of this hypothesis, and P2 is the new problem situation
34- في كتاب (المعرفة الموضوعية)، يُقدم بوبر العديد من المُتغيرات المتوازية لـ ن ت على النظام، مع وجود عدد من نظريات التجربة Trial Theories في الاعتبار. see K. R. Popper, Objective Knowledge, p. 287
35- see On the Theory of the Objective Mind, pp. 34-36
36- ibid., p. 40
37- see Objective Knowledge, p. 12
38- ibid., p. 105
39- ibid., p. 297
40- see V. O. Lobovikov, "The Logic of the Relation Between Contradictions and Problems in Scientific Cognition" [ Logika sootnosheniia protivorechii i problem v nauchnom poznanii], Filosofskie nauki, 1976, no. 4
41- منطق الكشف العلمي، كارل بوبر، ترجمة الدكتور ماهر علي، دار النهضة العربية 1986، ص91
Compare P. A. Schilpp, ed., The Philosophy of Karl Popper, 1974, Vol. I. p. 243
42- المادية ومذهب النقد التجريبي، فلاديمير لينين، دار التقدم 1981، ص382.
43- نحن نعلم أن ستانيسلاف ليم Stanislaw Lem، وجد في كتابه (الخلاصات التكنولوجية) Summa Technologiae تشابهاً بعيداً بين التطور البيولوجي للأنواع ومصير الاختراعات التكنيكية. يجد كونراد لورينز Konrad Lorenz في كتابه، (الوجه الآخر للمرآة) the other side of the mirror تشابهاً بين خصائص التطور اليولوجي العام ووحدة الوراثة من جهة، والتطورات الجديدة في معدات تخزين المعلومات. لكن حتى هذه الأفكار، لا تشترك في أي شيء مع بُنى بوبر المُجردة.
(ستانيسلاف ليم، كاتب روايات بولندي مُنشق ومُعادي للشيوعية. وكونراد لورينز عالم حيوانات وسلوكي نمساوي، وعضو سابق في الحزب النازي شارك في الحرب ضد الاتحاد السوفييتي على الجبهة الشرقية-المُترجِم).
44- see K. R. Popper, Objective Knowledge, p. 67
45- ibid., p. 263
46- ibid., p. 70 also compare pp. 135-36
47- ibid., p. 284
48- J. Kahl. Positivismus als Konservatismus. E ine philosophische Studie zu Struktur und Funktion der positivistischen Denkweise am Beispiel Ernst Topitsch, Cologne, 1976, p. 60
و- القرارية، هو مبدأ سياسي ليبرالي وذاتي، يقول بأن كل القوانين الحقوقية والأخلاقية والمُقررات والتوصيات السياسية الخ الخ، هي نتاج قرارات للمسؤولين السياسيين والحكوميين ورؤساء الدول، وضعوها بمحض ارادتهم الحرة.
49- P. A. Schilpp, ed., The Philosophy of Karl Popper, 1974, Vol. I. p. 93
50- K. R. Popper, "Selbstbefreiung durch das Wissen," in Der Sinn der Geschichte, Munich, 1967, p. 110
51- see the collection Utopie, edited by A. Neususs, Neuwied and Berlin, 1968, p. 314
52- see, for example, K. R. Popper, The Logic of Scientific Discovery, p. 438
53- C. Gutzmore in "Science and Pseudoscience: Aspects of the Class Struggle in the Sphere of Philosophy," Marxism Today, London, September 1972, p. 267
54- Open Philosophy and the Open Societv. A Response to Dr. Karl Popper s Refutation of Marxism [Russian edition, Otkrytaia filosofiia i otkrytoe obshchestvo. Otvet d-ru Karlu Popperu na ego oproverzhenie marksizma], Moscow, 1972, pp. 124-31, 174-79, 215
55- منطق البحث العلمي، كارل بوبر، ترجمة د. محمد البغدادي، مركز دراسات الوحدة العربية، ص298 (ويبدو أن المُترجم د. محمد البغدادي، لا يقوم بترجمة الجُملة كما هي- أعتقد لان ترجمتها كما هي، سيكون ربما أمراً مُزعجاً لأنصار بوبر- مالك أبوعليا)
56- A. Wellmer, Methodologie als Erkenntnistheorie. Zur Wissenschaftslehre Karl R. Poppers, Frankfurt am Main, 1977, p. 8
57- see The Philosophy of Karl Popper, vol. 11, p. 691
58- see The Logic of Scientific Discovery, p. 81
59- ibid., pp. 37, 53, 254
60- The Philosophy of Karl Popper, vol. 11, p. 693
61- H. Albert, Traktat uber kritische Vernunft (3rd ed.), Tibingen, 1975, p. 49
61- The Logic of Scientific Discovery, p. 61

ترجمة لمقالة:
The Philosophy of the Late Karl Popper, Igor Narski, Soviet Studies in Philosophy, Issue 4, Pages 53-77, 1980








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الظابط زكريا يونس عرف يوصل للإرهابي قبل تفجير عبوة ناسفة وسط


.. شاهد: الشرطة الأمريكية تفرق بالقوة متظاهرين غاضبين من قتلها


.. فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض




.. قناة -ذاكرة الأنصار- الحلقة رقم 74 -أمسية المسرحيين الأنصار


.. العراق .. رسائل لرئيس الوزراء الكاظمي نحو الجوار ونحو المتظا