الحوار المتمدن - موبايل


مدخل إلى التحليل البنيوي للنصوص

حكمت الحاج

2020 / 8 / 22
الادب والفن


يهدف هذا العرض المكثف إلى تقديم الأفكار الأساسية لكل من: ياكوبسون، غريماس، هامون، تودوروف، توماشيفسكي. فيما يخصّ التحليل النقدي البنيوي للنص الأدبي- في النثر بخاصة- كما وردت في كتاب علمي مهم من إعداد فريق من الباحثات في فرع اللغة الفرنسية في جامعة الجزائر اللواتي بحثن مشكلة النصوص الأدبية وشبه الأدبية واللواتي يهتممن بأن يحفزن في تدريسهنّ قراءة ذات وظيفة نقدية.
ففي وقت مبكر على تأسيس الدرس النقدي العربي، وضعت باحثات جزائريات (د. دليلة مرسلي وكريستيان عاشور وزينب بن بو علي ونجاة خدّه وبوبا ثابتة) كتاباً متميزاً في سياقه، هو «مدخل إلى التحليل البنيوي للنصوص» (دار الحداثة 1985) سعين فيه إلى تقديم بعض الاقتراحات حول تحليل النصوص الأدبية ضمن قراءة ذات وظيفة نقدية، بالاستناد إلى نظريات علم السرد (ناراتولوجي) وعلى الرغم من حرص الكاتبات على الملاءمة البيداغوجية بحكم الريادة طبعا، فإنهن نبهن إلى خطر إنتاج خطابات نقدية تقدم نفسها كوصفات جاهزة للتطبيق. إن استخدام تقنيات معقدة لاستنباط قوالب نقدوية مزعومة أو استخدام مصطلحات جديدة في سياقات بالية لا يمكن أن يكون هدفاً في ذاته، ولا أن يطمح إلى نظام علمي دقيق دقة الفكر البنيوي نفسه.
ولقد توزع بناء الكتاب على مستويين: الأفكار النظرية المختصّة بالموضوع يوازيها فعل التطبيق على نصوص "مغاربية" مكتوبة أصلا بالفرنسية. فبالإضافة إلى المقدّمة العامة والقسم الأول المختص بوظائف اللغة – الاعتماد على ياكوبسون – يتناول القسم الثاني "النحو السردي" بالاستناد إلى أفكار "فلاديمير بروب" و"رولان بارت" و"بريمون".
أمّا القسم الثالث فيبحث فيما أسماه "غريماس" بـ "نظام الفاعلين" مستندا إلى أفكار "تزفيتان تودوروف" و"هامون" و"توماشيفسكي" أمّا القسم الرابع والخاص بـ "اللفظي" فيبحث في السرد والوصف والزمن وهو يعتمد على أفكار حول نفس الموضوع لكل من "جيرار جينيت" "بارت" و"هامون" و"جان ريكاردو".
منذ "سوسير" الذي فصل اللغة عن القطبين اللذين تتحرك بينهما: "المتكلم" و"الأشياء"، باتت اللغة موضوعا للعلم بفعل عزلها منهجيا عن هذين القطبين، نفس الشيء قد حصل مع النقد الجديد المتأثر بالبنيوية- وهو يجدد المبادرة السوسيرية- عندما أراد أن يتشكّل كنظرية للأدب، لقد تمّ عزل النص الأدبي عن مؤلفه [المتكلم] وعن العالم الذي يعود إليه [الأشياء] ومن المؤكّد أنّ البنيوية أتاحت تقدّما كبيرا وجديا نحو "موضعة" الإجراءات المستخدمة وأدّت إلى أعمال تهدف إلى الإحاطة بـ "التخييل الأدبي" من وجهة نظر نظامية ودقيقة ذات فعالية عملياتية أكيدة، (تذكر مساهمات "بارت" "بريمون" "شكلوفسكي" "اخنباوم") هذا التصويب الموضوعي وبالتالي المادوي في دراسة العمل التخييلي الأدبي أتاح الفرصة لممارسات وصفية تبقى في مجموعها صالحة إلى الآن.. وقد فرضت الفكرة القائلة بأنّ وصفا لا يمكن أن يكون إلاّ بنيويا أو أن يكون مجرد جداول تعداد..
إنّ إستخدام مفهوم البنية في الأدب أمر مبرّر تماما بما أنّ كلّ العمل المتمثل بالاستخدام الأدبي هو عمل تحويل للمواد الألسنية والثقافية والإيديولوجية والفلسفية.. الخ. وتنظيمها في أنظمة ذوات معنى. إنّ عملا أدبيا ما إنّما هو عشرات البنى وربما مئاتها: الصواتية (الفونولوجية) النحوية، العلمدلالية، الأسلوبية، الطباعية الخ.. وإنّ قسمة الرواية مثلا إلى فصول ما هي إلا عملية بَنْيَنَة Stuneturation وكذلك توزيع القصيدة عنقوديا على الفضاء الأبيض للورقة يتنزل في قصدية البنينة ذاتها. إلاّ أنّه ليست لكل البنى وظيفة جمالية وحين نطرح على النفس تحليلا بنيويا لنص أدبي فالأمر يتعلق باكتشاف بنية ملائمة أو بنى ملائمة أي أنّها لها وظيفة في العمل الفني ولا تعرف في البداية أية بنى ستكون ملائمة وغالبا ما نتصرف خبط عشواء عن طريق محاولات متعاقبة.
إنّ نقطة الانطلاق تبدو مجدية دائما تقريبا إنّما هي "تحليل المضمون" فعلى سبيل المثال يمكن أن نباشر عن طريق التقصّي من النموذج "اللفظي" يمكن أن نضع فهرسا للألفاظ في رواية ما مصحوبا بجدول تواترات سوف يقدم الكلمات التي هي المفاتيح في النص المدروس وسوف يتيح استغلالها مثال/ إنّ غزارة الألفاظ المتعلقة بالحقل العلمدلالي للنار في رواية "الحريق" لـ “محـمد ديب" يمكن أن تتيح دراسة جذر الكلمة هذا غير المعزول لكن المأخوذ ضمن خليط من جذور الكلمات لا بل في التراكيب التعبيرية المتعلقة بحقله. وهكذا فإنّ جذور الكلمات: حرق، حرارة، فرقع، متوهج، اشتعل، توهّج، سعير، كبريتي، تظهر موضوعة النار التي يعلن عنها العنوان، إنّ دراسة محيط جذور الكلمات هذه تحفز ظهور حقل مهم هو حقل: الماء (مطر، نداوة، ضباب، ندى، جدول، ينبوع، رطوبة، وحل..) كما إن جدول التواترات سيظهر أقطاب جذب أخرى عدا ما تمتّ الإشارة إليه. على سبيل المثال: موضوعة الطريق (الترحل) المواجهة لموضوعة (البيت) مثال آخر: الجوع في مقابل الوفرة. ولا شك إن هكذا تحليلات جزئية ستظهر مناطق تشابكات وتجاور واحتكاك تسلط الضوء على سير النظام الكلي للنصوص.
إنه كتاب مهم ومدقق لكل مهتم بالنقد البنيوي الآن. وعلى الرغم من صدوره المبكر نسبيا، إلا إن أطروحات مؤلفاته ومجهوداتهن العلمية الرصينة الواضحة، سواء في النظرية أم في التطبيق، ما تزال صالحة لإثارة الدهشة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صباح العربية | محاولات لإنعاش السينما السودانية


.. صباح العربية | فنانون ومسرحيون فرنسيون يقدمون أعمالهم لموظفي


.. صباح العربية | التشكيلية اللبنانية كرستيل بشارة تمزج بين الت




.. بزاف – برشا – باهي كلمات باللهجات المغاربية.. ما أصلها باللغ


.. شاهد: عروض مسرحية وموسيقية عند الطلب تصلك حتى باب البيت في إ