الحوار المتمدن - موبايل


خطاب الاستلاب بين يوسف زيدان ومراد وهبة: مقاربة التحديث بين ماضيهم ومستقبل الذات العربية

حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)

2020 / 8 / 26
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


ما بين 2015 و 2019 أربع سنوات جرت فيهم مياه كثيرة في النهر العربي، القليل من المياة العذبة والكثير من المياة المالحة التي لا تروي من العطش، إنما هي كسراب المطر للتائه في الصحراء تتقاذفه بين حلم ليلة صيف وأخرى، بهذه الكلمات البلاغية يمكن فقط التعبير عن "تيار الاستلاب" العربي، الذي ظهر في تمثلين رئيسيين هما بوسف زيدان في عام 2015 ومراد وهبة في عام 2019، واللذان وعدا الجماهير العربية بالجنة ونعيمها عند قبول الانهزام لرواية الآخر الصهيوني/ الغربي السياسية والدينية والحضارية، والحقيقة أن الواقع ونيرانه المشتعلة يرد بتفاصيله على أوهام خطاب الاستلاب، في كافة الملفات التي انخرطت فيها مصر والدول العربية، جنوبا وغربا وشمالا، وشرقا حيث صفقة القرن الهدف الرئيسي لظهور خطاب الاستلاب!

أربع سنوات عجاف
ما بين يوسف زيدان ومراد وهبة
الأمر بدأ مع يوسف زيدان في نهاية عام 2015، بأسلوب الصدمة مشككا الناس في بعض أشهر الوقائع المستقرة عندهم، لا بغرض المراجعة ونقد التاريخ العربي، إنما بغرض التشكيك في روايات وأحداث كبرى ارتبطت بتلك الوقائع التي يشكك فيها، وأماكنها، منها معجزة الإسراء ومكان المسجد الأقصى، ومنها تصدي عرابي للخديوي واستبداده، ودور صلاح الدين في صد الهجمة الغربية (الصليبيبة) في العصور الوسطى، واستعادة مدينة القدس، بدأ يوسف زيدان من التفاصيل والوقائع والتشكيك فيها معتمدا على خبرته كباحث تاريخي وتراثي، ليحاول أن يشكك الناس في الأفكار الكبرى والمسلمات البديهية التي استقرت في أذهانهم عبر التاريخ.
أما مراد وهبة وبعد أربع سنوات من ظهور يوسف زيدان، فجاء في نهاية 2019 معتمدا منهجا أكثر صداما حيث بدأ بالأفكار الكبرى والتعميمات الفلسفية التي تخص الذات العربية، ليصدر للناس أن هذه الأفكار الكبرى التي يعتبرها غير قابلة لإحداث تحديث ونهضة عربية، هي المبرر للفشل في كافة التفاصيل والأحداث اليومية والقضايا التي تشغل الناس الآن!، كان مراد وهبة قد جاء بعد أربع سنوات من حرث يوسف زيدان للأرض وتهيئتها للصدمة الكبرى، التي أعلنها مراد وهبة بأن الذات العربية هي ذات عاجزة ولا تصلح للتحديث الذاتي، وفي حاجة للاحتلال الأجنبي/ الآخر ليسلخها عن أوهامها –كما يبدو في كلامه- ويبادر بإحداث تحسين في حالتها!

الآخر لا يتوقف عن المسير والهيمنة
لكن الواقع يقول أن الآخر الصهيوني/ الأمريكي لن يرضي بقطع نصف المسافة، بل هو يريد استسلاما كاملا يسيطر هو فيه على مقررات الذات العربية ومورادها ويوظفها لخدمة مشروعه للهيمنة (صفقة القرن وتبعاتها نموذجا)، كما أنه سيحرص على قتل أي بذور لوجود تمثلات للذات العربية وهويتها، لكن ربما هذا هو المسكوت عنه عند زيدان ومراد وهبة، ربما وصلت أزمتهما مع الذات العربية ومستودع هويتها لحالة العداء النفسي، لكل ما تمثله فيما هو مضمر وفيما هو معلن، وبكافة محدداتها الحضارية المتراكمة، لكن دعونا ننظر في الطرح الذي قدمه كل منهما وكيف تناولته في دراستي بالرد عليهما، للنظر في الاختلاف بين مقاربة التفاصيل التي قدمها زيدان لتفكيك الكليات والروايات العربية الكبرى، ومقاربة الكليات الفلسفية والتعميمات الواضحة التي قدمها مراد وهبة ليفكك تفاصيل ووقائع الذات العربية.

بنية دراسة "مراد وهبة" الكلية وتعميماتها
حكما عاما غير قابل للمراجعة بفساد الذات العربية وعجزها
اتصف خطاب مراد وهبة بإطلاق حكم عام واضح وكلي بفساد الذات العربية، وعجزها عن خلق عملية تحديث ذاتي سواء في الماضي او الحاضر أو المستقبل، وجاءت دراستيردا على خطاب مراد وهبة بعنوان: الاستلاب للصهيونية والآخر في خطاب مراد وهبة (مقاربة نقدية) في ثلاثة مباحث تفكك جذور الحكم العام الذي اطلقه، هذه المباحث هي أولًا: المدخل المعرفي والسياق التاريخي لخطاب الاستلاب، ويتكون من: الموقف من الغرب والمسألة الأوربية حتى القرن الماضي، صفقة القرن الجديد وظهور خطاب تيار الاستلاب المباشر، الإطار الفلسفي من مناهج الاستشراق إلى كليات الاستلاب والإلحاق، مقاربة "الأصولي والعلماني" عند مراد وهبة وعجز كُلياتها عن استشراف التحول. ثانيًا: مراد وهبة ومتلازمة الاستلاب للآخر / الانسلاخ عن الذات؛ ويتكون من: الاستلاب وضرورة الاستعمار/ الآخر/ المنقذ/ السيد/ الأعلى، مقاربته لإسرائيل كمستعمر وحل العلمانية ومشكلة الصراع ، الدعوة لاستبدال هوية الذات العربية باعتبارها قاصرة/ عاجزة، حتمية مصير الذات العربية القاصرة بين الاستبداد والاستعمار. ثالثًا: في المسار المقارن والسياسي لمراد وهبة وتيار الاستلاب؛ ويتكون من: العداء لمفصلية "آنية الذات العربية" بين الأصولي والعلماني، أزمة الأصولية والعلمانية و"إزاحة الذات" بين التاريخ أو الجغرافيا، تهميش ثورة الذات العربية لصالح نظرية الذات الأعلى والاستلاب ، في نمط "خلق التناقضات" والتوظيف السياسي لمراد وهبة وتيار "الاستلاب".

بنية دراسة "يوسف زيدان" في الوقائع وصولا للروايات الكبرى
لكن يوسف زيدان هو من شق الطريق الصعب في بدايته، حيث بدأ بتكتيك نفي واقائع تاريخية ليشكك في أحداث ووقائع كبرى مرتبطة بها تخص السردية العربية نفسها، حيث بدأ من الوقائع والتفاصيل ليصل ويختم بالروايات الكلية والأحداث الكبرى، من ثم جاءت دراستي لتناول خاطب زيدان بعنوان: الاستلاب للآخر والانسلاخ عن الذات عند يوسف زيدان: القدس أنموذجا في ثلاثة مباحث أولها بعنوان: السياق التاريخي والثقافي لخطاب الاستلاب، الذي يشمل بدوره ثلاثة عناصر هي: مفهوم خطاب "الاستلاب للآخر" ومنهجه عند يوسف زيدان، وفيه تؤصل الدراسة لمفهوم "الاستلاب" وتقديم فرضيتها النظرية لظهوره في الحالة العربية في العموم، وعند يوسف زيدان في الخصوص كمفهوم يصلح للتعميم على ظاهرة معرفية وثقافية واجتماعية ككل، وتتناول أيضا المنهج الذي يتبعه زيدان في خطاب الاستلاب. ثم تتناول الدراسة السياق التاريخي لظهور خطاب الاستلاب ومحدداته عند يوسف زيدان. ثم تنتقل لدراسة خطاب الاستلاب بوصفه نمطا سياسيا وغرضه وليس مجرد خطاب فردي، والدلائل على ذلك. المبحث الثاني من الدراسة بعنوان: تمثلات "الاستلاب للآخر" الصهيوني عند يوسف زيدان، ويشمل ثلاثة عناصر هي: إثبات قداسة المسجد الأقصى لليهود الصهاينة ونفيها عن العرب والمسلمين (والرد على ذلك)، ثم إثبات واقعة الإسراء لليهود الصهاينة ونفيها عن المسلمين (والرد على ذلك)، ثم الترويج للآخر الصهيوني مباشرة والدعوة للتطبيع (والرد على ذلك). المبحث الثالث والأخير من الدراسة يأتي بعنوان: تمثلات "الانسلاخ عن الذات" العربية عند يوسف زيدان، ويتضمن تشويه رمزية صلاح الدين الأيوبي وارتباطه بالقدس (والرد على ذلك). ثم تشويه أحمد عرابي ومفهوم مقاومة الاحتلال والهيمنة (والرد على ذلك). وأخيرا تشويه اللغة العربية لصالح الصهيونية وإحياء اللغة العبرية.

وجهان لعملة واحدة
الحقيقة أن كل منهما يمثل وجها من اثنين لعملة واحدة، وهي الانسلاخ عن الذات العربية وروايتها ومستودع هويتها، والاستلاب للآخر ومستودع هويته، لكن واحد يأتي من أسفل لأعلى هو يوسف زيدان، والآخر يأتي من أعلى لأسفل هو مراد وهبة. مثل يوسف زيدان نموذجا معرفيا في مقاربته لخطاب الاستلاب، قام على الانطلاق من التفاصيل للتعميمات ومن الجزئي للكلي، في حين مثل مراد وهبة نموذحا معرفيا مغايرا لخطاب الاستلاب، قام على الانطلاق من الكلي والأحكام العامة للتفاصيل الصغيرة والجزئيات المتفرقة.
ربما يرجع ذلك لاختلاف الطبيعة العلمية لكل منهما حيث يشتغل يوسف زيدان في التاريخ والمخطوطات والروايات التراثية المتعددة، ولديه خبرة سابقة على المستوى الإجرائي والشكلي في القدرة على بناء رواية تاريخية مضادة، ولو باستخدام أسانيد ليس لها حجية. في حين تقوم الطبيعة العلمية لمراد وهبة على الفهم الفلسفي الكلي وأحكامه العامة على العالم، لذا كانت مقاربته قائمة على تصورات فلسفية كلية بخصوص الذات العربية، ثم يمكن لهذه التصورات الفلسفية الكلية - بغض النظر عن حجية إقامتها- أن تنطلق لتفسر التفاصيل والجزئيات العربية.
يبدو أن الأمر لم يكن صدفة أن يبدأ خطاب الاستلاب بالتفاصيل والجزئيات التاريخية والتأويلات الدينية مع يوسف زيدان في نهاية عام 2015م، ويصل للكليات والتعميمات الفلسفية مع مراد وهبة في نهاية 2019.


بحثا عن المحفز الذاتي لخطاب الاستلاب
تجربة عامة وتجربة خاصة
على المستوى العلمي والمنهجي؛ كل منهما ينطلق من ناحية مقابلة للآخر، لكن يلتقيان في وجود محفز شخصي وسردية ذاتية للخروج على الذات العربية وسرديتها، و"الانسلاخ" عنها، و"الاستلاب" للآخر.
عند مراد وهبة كان المحفز سابق وجود تجربة فكرية وسياسية عامة وصلت لحد القطيعة مع الذات العربية، ومع يوسف زيدان يمكن القول أنه كان لديه تجربة ذاتية في الإبداع والكتابة الفكرية أوصلته لحالة من الاغتراب عن الذات العربية، تحول مع اليأس من تجاوز هذا الاغتراب إلى حالة من الانسلاخ عنها، والنظر إلى الآخر الحضاري/ الغربي بنوع من الإعجاب والاستلاب.
كل منهما يحقق الشرط النظري أو التفسير النظري الذي توصلت له دراستي، وهو أن حالة الاغتراب التي نشأت في الغرب وتلقاها المثقف العربي، انقلبت طوال القرن الماضي وتجاربه المريرة لحالة اليأس من تجاوز الاغتراب وتحقق الذات العربية في شكل يرضيهم، لذا انقلب البعض نحو فكرة اليأس من الذات العربية، وتحول الاغتراب عن الذات المصحوب بأطروحات مختلفة للتحقق، إلى فكرة الاستلاب للآخر والانسلاخ عن تلك الذات.

بين ماضيهم ومستقبل الذات العربية
"استعادة الذات" أم "الاستلاب للآخر"
لكن الرد البسيط والبليغ للغاية على تيار الاستلاب ومن يقف خلفه، أن الذات العربية في جماهيرها الواسعة استطاعت في حراكها الشعبي، أن تتجاوز كل التناقضات النخبوية للقرن الماضي وانسداداتها على المستوى السياسي والفكري والفلسفي، وأنتجت لحظة تحديث خاصة بها في الثورات العربية في مطلع العقد الثاني من القرن العشرين، وهذه اللحظة كانت -وما زالت- تستحق التمترس حولها وتحويلها للحظة مفصلية تاريخية تصلح لـ "استعادة الذات" العربية وإعادة إنتاجها.
كذلك أن هناك لحظة مفصلية للذات العربية؛ حققت شروط تجاوز "المسألة الأوربية" بتمثلاتها وانعكاستها على الحالة العربية ، حتى على المستوى الديني احترقت في تلك اللحظة تجربة فرق الدين السياسي في الحالة العربية/ الإسلامية المعاصرة، وعلى المستوى الحضاري والفكرى قدمت الثورات العربية نموذج الثورات القيمية التي تتمرد على سياق المورووث الذاتي والقيم المتراكمة، وتجاوزت الشعارات التاريخية لليمين واليسار الأوربي وتمثلاتهما وممثليهما في الحالة العربية.
لكن الأزمة أن الحالة العربية لم تطور الوعي المستقل عن رد الفعل الخارجي للأحداث، او يمكن تسميته بالانطباعي أو الظاهري لو الوجودي، ولم تفرز نخبا فاعلة تتسم بالصلابة النفسية والثبات القيمي والتمسك بـ "مستودع هوية" الذات العربية، لتجاوب على سؤال الحضارة المركزي الذي قد يأتي بعد فترة من الاضمحلال..، وهو ماذا لو خرجت لحظة تحديث تتجاوز الأفكار الجاهزة وسبلها المطروحة تاريخيا للتغيير (أيديولوجيا وفكريا وفلسفيا)، ماذا سيكون رد فعل النخب العربية التاريخية!؟
هل ستعي بشروط اللحظة التاريخية المفصلية، وتقدم لها الدعم؟ أم ستتمترس حول شعاراتها التاريخية، وتستلب لأشكال تاريخية تجاوزها الزمن! وتصبح عامل تفريغ لشحن الذات العربية واحتشادها من أجل إنتاج لحظة تغيير خاصة بها، ذلك هو سؤال المراجعة الذاتية المفروض على النخب العربية التاريخية الآن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. منشق عن قسد يكشف: نفط سوريا لتمويل إرهاب حزب العمال الكردستا


.. 2021:10 يحدث في العراق


.. عائلة كاسترو تغيب عن المشهد في كوبا




.. كوبا.. راؤول كاسترو يستعد لإعلان التنحي من رئاسة الحزب الشيو


.. المطابخ الرمضانية .. ملاذ الفقراء