الحوار المتمدن - موبايل


الصراع الحضاري ورموز العنف

كريم الوائلي
(Karim Alwaili )

2020 / 8 / 29
الادب والفن


لقد عالجت الرواية العربية معضلة الصراع الحضاري بين الشرق والغرب في عدد من المتون المشهورة مثل عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم وقنديل أم هاشم ليحيى حقي والحي اللاتيني لسهيل إدريس وموسم الهجرة الى الشمال للطيب صالح و ثلاثية أحمد إبراهيم الفقيه . وتتم إثارة الصراع الحضاري في المتن الروائي على أساس رموز متقابلة للشرق والغرب ، إذ يمثل الشرق طالب ( مذكر ) يذهب للدراسة في بلاد الغرب ، وتمثل الغرب انثى من حضارة الغرب يتم التفاعل بينهما ، ويتحقق التواصل الجسدي ، وتنتقل عدوى ( الحضارة إذا جاز القول إن هناك عدوى يتم إنتقالها عبر التحضر ) ، ولكن المؤكد في أغلب هذه الروايات أن تتم صدمة الحضارة بشكل قوي وعنيف على الشاب العربي الذي يصطدم بقيم الحضارة الأخرى وتقاليدها ، وتتفاوت بحسب الرؤى التي يصدر عنها الأدباء مواقفهم الفكرية وكيفية إيجاد حل للصراع الحضاري .
ويبدو حل الصراع الحضاري بين الشرق والغرب في " عصفور من الشرق " لتوفيق الحكيم على أساس الموازنة بين الجانبين المادي ( الغربي ) والروحي ( الشرقي ) ، في حين يتجه الحل عند يحيى حقي في قصته الطويلة ( قنديل أم هاشم ) على أساس الجمع بين العلم والخرافة ، ومن الجدير بالذكر إن هاتين الروايتين تؤكدان أمرا ألّحا عليه بطريقة معينة ، إذ كلما كان الصراع حادا وقاسيا بين الشرق والحضارة الأخرى كلما عاد ممثل الشرق الى حضارته وبخاصة الجانب الروحي متمثلا بالولي .
وليس من قبيل المصادفة أن يهدي توفيق الحكيم روايته الى السيدة زينب (ع) ، هكذا : الى حاميتي السيدة زينب ، فكأنها رمز للدلالة الروحية تحمي الروائي ورموز الشرق من الضياع والتلاشي والتشتت في حضارة الآخر ، وقد ظلت صور فرنسا تدفع الى استدعاء الصور في القاهرة ، فأن نافورة للمياه في قلب باريس تذكر توفيق الحكيم بسبيل الماء في السيدة زينب .
أما قنديل أم هاشم فتبدو السيدة زينب – وهي أم هاشم في العرف الاجتماعي المصري – محور الرواية كلها ، تتحرك الأسرة والمجتمع حولها ، وحتى حينما يتمرد بطل قصة قنديل أم هاشم على خرافة الزيت الذي يستخدم في إضاءة قنديل المسجد كونه علاجا لعيون المرضى ، يعاني من معضلتين : هجوم من الناس لتطاوله على رموز القداسة الدينية و إخفاقه في إيجاد حل لمعضلة عمى إبنة عمه كونه طبيبا ، ولكنه حين يقرب زيت القنديل في اثناء إجراء العملية الجراحية الطبية يتم الشفاء !! وبطريقة أسطورية عجائبية ، وكأن زيت القنديل البديل الموازي للعلم الحديث . إذ من دون إجتماعهما لا يتحقق حل مشكلة عمى الفتاة التي تمثل رمز الشرق .
ولا يكاد يختلف الطيب صالح عن يحيى حقي وتوفيق الحكيم في حالة الصراع الحضاري غير أنه يتميز بالطابع الحدي العنيف الذي يقود الى القتل ، لدرجة يذكر برواية الروائي الفرنسي البير كامو ( الغريب ) .
وكان القتل في موسم الهجرة الى الشمال للطيب صالح يقع على النساء الاوربيات كونهن يمثلن رموزا متعددة للحضارة الغربية ، ويتحول بطل الرواية الى مجرد سجين يطلق سراحه بعد سنين !!
أما في رواية ( الغريب ) لألبير كامو فأن القاتل غربي والمقتول شرقي جزائري ، وإن الذي يثير الأمر كله هو إلتماع السكين التي يحملها الجزائري بسبب أشعة الشمس في عيني الأوربي فتنطلق الرصاصة ويقتـــل الجزائري ، وكأن السكين تثير في لاوعي الغربي السيف العربي وان أشعة الشمس تمثل الحضارة العربية الإسلامية فيدفع ذلك الى وجوب تدمير الآخر ..
وكأن نظرية الصدام الحضاري بدأت هنا كما أرساها هنتغتون .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أنقرة تعلن فتح تحقيق يستهدف مسؤولي صحيفة -شارلي إيبدو- بعد ن


.. الفنانة التونسية -سارة الحناشي- تختبر لهجتها المصرية وتغني ف


.. صباح الخير يا مصر - د. أسامة الشبكة دور وحدة رصد اللغة الفار




.. د. أسامة الشبكة: وحدة رصد اللغة الفارسية من أوائل وحدات التي


.. د. أسامة الشبكة: إحنا بنرد على جميع القضايا المثارة باللغة ا