الحوار المتمدن - موبايل


دور البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي

حسن عطا الرضيع

2020 / 8 / 30
العولمة وتطورات العالم المعاصر


لقد تغيرات العوامل المحددة للنمو الاقتصادي وارتبط ذلك بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها العالم وعلى نحو خاص في الفترة ما بعد تسعينات القرن العشرين, حيث تفجرت ثورة الإنترنت وأضحى للمعلومة دور بارز في تنمية المجتمعات, وأصبح امتلاك دولة ما للبيانات كنواة أساسية لتطور المعرفة إحدى مصادر القوة وخلقت مجالاً واسعاً للتنافس الاقتصادي بين كبرى الاقتصاديات ومنها الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان وروسيا.
فقوة الدولة من الناحية الاقتصادية لا تتحدد من خلال ما تمتلكه من معادن ثمينة كالذهب والفضة كما تحدثت أفكار مدرسة التجاريين في القرن السادس عشر, وليس بما تمتلكه من نواتج ضخمة للإنتاج الزراعي ومحاصيل الأرض, وليس بما تمتلكه من إنتاج للسلع والخدمات؛ بقدر ما أصبحت قوة الدولة تتحدد بما تمتلكه من البيانات والتي ساهمت في تطور المعارف وصولاً لعصر الذكاء الاصطناعي, وهو العصر الذي يفوق في تطوره وأهميته للبشرية جمعاء جميع العصور التي سبقته , وأضعاف ما أنتجته الثورات الصناعية خلال القرون الماضية.
فالأثر الاقتصادي والتنموي لتوفر البيانات وخصوصاً الضخمة منها يفوق الأثر الاقتصادي والمالي لاختراع الآلة البخارية عام 1784 باعتبارها المخُرج الأهم للثورة الصناعية الأولى , وكذلك يفوق أثر استخدام الطاقة الكهربائية ( الثورة الصناعية الثانية) وانتشار الحاسوب وإرسال رسائل عبر الإنترنت وتوظيفها في قطاعات الاتصالات والتعليم (الثورة الصناعية الثالثة) في العام 1969.
لا يخفى على أحد دور البيانات في خلق وظائف جديدة لم تكن قائمة بالأساس, ولذلك أهمية من الناحية الاقتصادية تتمثل في توفر مصادر نمو مستدامة للدخل القومي, وعلى الصعيد الآخر فإن لتطور البيانات دور بارز في إطلاق العنان للثورة الصناعية الرابعة واستحواذ تقنيات الذكاء الاصطناعي ومنها الأنسنة ( الروبوتات ) على الإنتاج الصناعي وممارسة أنشطة كانت لفترة طويلة من الزمن حكراً على البشر, وهذا بدوره سيؤسس لمزيدً من التراجع في الإنتاج وذلك من خلال تفاقم البطالة بين صفوف العاملين, حيث تشير التقديرات أنه بحلول العام 2030 ستختفي نحو 50% من الوظائف التقليدية وستعتمد الشركات على الأتمتة بشكل غير مسبوق, وفي مقابل اختفاء ملايين فرص العمل هناك تقديرات بأن الفوائد الاقتصادية لتطور الأنسنة كشكل من أشكال تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي ستبلغ 15.7 تريليون دولار في العام 2030 وبنسبة مساهمة 18.6% من إجمالي الناتج العالمي.
ورغم المكاسب المالية التي تحققها الشركات من استخدام الأتمتة إلا إن ذلك يؤدي إلى تعميق الفجوة بين الشرائح المجتمعية ويؤدي لاتساع الهوة بين المجتمعات من حيث الدخل والثروة, وتلاشي الكثير من الأنشطة الإنسانية لصالح الآلة والتي قد تُستخدم في تدمير الكوكب من خلال استخداماتها اللا مسئولة حيث يمكن استخدامها في حروب نووية أو قصف مواقع مدنية وتجارية واقتصادية وإحداث إغلاق كبير في حال تم التعرض لشبكات الاتصال والإنترنت.
ومع اشتداد الجدل الدائر بين الاقتصاديين حول دور البيانات في خلق النمو من عدمه, يمكن القول أن قدرة البيانات على إحداث تحول في الاقتصاد وذلك من خلال نمو الناتج يُعتبر أمراً مهماً ومحموداً , ومقبولاً ويمكن أن يُشكل عامل بناء واستمرار لحالة من الاستقرار للجنس البشري على الكوكب بشرط ألا يؤدي استخدام البيانات إلى خلق مجتمعات فقيرة تعاني من اختلالات هيكلية في بناها الاقتصادية والاجتماعية بفعل عدم استغلال أمثل للأنسنة, فنمو الناتج هدف مركزي تسعى البلدان كافة لتحقيقه, لكن يتوجب أن يشعر الأفراد بتحسن مادي ملحوظ , وإلا فإن النمو يبقى عابراً , وسرعان ما يُكبح جماحه بفعل الركود الكبير المتوقع حدوثه بفعل انخفاض معدل النمو السنوي لإجمالي الطلب الكلي في السوق العالمي بشقيه الاستهلاكي والاستثماري, حيث يُعتبر الطلب الكلي أهم عامل من عوامل بقاء واستمرار وتعايش الرأسمالية في الوقت الراهن, فاستمرار النظام الرأسمالي ورغم ما عشرات الأزمات المالية والاقتصادية التي عانى منها العالم في العقود الأخيرة, إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة فقدان النظام لمصادر قوته وأهمها السعي الدائم لخلق حالة من الطلب الكلي الفعال حتى وإن كان على حساب رفاهية الشعوب وخلق المزيد من الحروب والصراعات وذلك بهدف التخلص من الفائض في الإنتاج والذي يحتاج لعملية تصدير للأسواق بأي شكل من الأشكال .
ختاماً فإن البيانات أحد أهم الاختراعات التي تُحسب للإنسان , ففي القدم اخترع النار واستخدمها في طهي الطعام , ثم تطور الاختراعات وابتكر العجلات والتي وفرت الوقت والجهد والتكلفة ونقلت الاقتصاد إلى درجة متقدمة مقارنة بما قبل وجود العجلات, ولم يتوقف إبداع الإنسان فأنتج الباخرة والحاسوب , وعند النظر للبيانات فيمكن اعتبارها بأنها المنُجز البشري الأهم, حيث استطاعت الانتقال بالعالم من مرحلة الاعتماد على الآلات والجهد العضلي والذهني للعمالة إلى عالم يعتمد بشكل شبه كامل على البيانات والآلة والتي تعاظم دورها مقارنة بالإنسان والذي كان مصدر النمو الرئيسي في كل الأفكار الاقتصادية القديمة والمعاصرة.
وعليه فإن هناك ضرورة لإعادة النظر بمحددات نمو الاقتصاد وحساب المساهمة الحقيقية للبيانات ومجالاتها لكي يتمكن الباحثون من الحصول على معرفة أكبر, ويكون لديهم الإمكانيات المتاحة للتنبؤ بدور البيانات في اقتصاديات الذكاء الاصطناعي, وهل يمكن استغلال البيانات في عمارة الكون والتخفيف من المشكلات التي رافقت تطور الرأسمالية, أم أن البيانات ستُعمق الفجوة بين الشعوب وستزيد من الطين بلة كما يُقال بالأمثلة العربية القديمة.
يبقى تنظيم سوق البيانات وإخضاعها لقوانين أخلاقية أمراً مهماً لتثمير المنافع منها لتشكل آلية من آليات إصلاح النظام الاقتصادي على أسس من العدالة وتوزيع ثمار المعرفة على الشعوب كافة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التغيّر المناخي.. تحذيرات عالمية عشية قمة واشنطن | #غرفة_الأ


.. اجتماعات فيينا بشأن نووي إيران.. تعليق لمدة أسبوع وسط تحقيق


.. تعرف على مسيرة الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي




.. موجز الأخبار - الثالثة صباحا 21/04/2021


.. إدانة الشرطي ديريك شوفين بتهمة قتل جورج فلويد