الحوار المتمدن - موبايل


والاس ستيفنز: الوضوح الخادع..

حكمت الحاج

2020 / 8 / 31
الادب والفن


كان "والاس ستيفنز" شاعرا واقعيا جافا، ودينيا صلبا. قال عن الشعر ما يقوله الآخرون عن السياسة. ففي رسالة له يقول "إنّ بعض الناس يعرفون دائما فيم يفكرون وأخشى أنّني لست واحدا من أولئك. إن الشيء نفسه يظل نشيطا في خاطري وقلما يستقرّ ويصبح ثابتا. وهذا صحيح في السياسة كما هو صحيح في الشعر". إن والاس ستيفنز هنا لا يؤكّد مبدأ في السياسة بقدر ما يؤكّد واحدة من أهمّ سمات القصيدة المعاصرة، ألا وهي: "التجريبية". فإلى جوار تلك الصرامة والجدية الفلسفية، تلك الجدية التي هي كهنوتية بالمعنى الدقيق للكلمة، نجده يجمع في عمله الشعري بين عدّة عناصر باهرة تتراوح ما بين التجريب الشكلي والتهريج اللفظي والسخرية اللاذعة ومبدأ المفارقة وتكنيك التشويش، وهذا ما كان يجرّه إلى بعض الألعاب إن صحّ التعبير مثلما فعل ذات مرة عندما أخذ واحدة من قصائد زميله ومعاصره، الشاعر الكبير "وليم كارلوس وليمز"وضمنها بكاملها قصيدة له ومن بعد ذلك وضع اسمه عليها بشكلها الجديد. فلقد كان "ستيفنز" يعتبر أنّ أية قصيدة تأخذها وتضع اسمك عليها هي في الأخير قصيدتك الجديدة. كذلك كان كثيرا ما يتداخل نصوصياً (أو بلغة هذه الأيام: يتناص) مع أنماط كتابية تكاد أن تكون بعيدة أو لا علاقة لها بالشعر إطلاقا. وقد لاحظ (ستيفنز) بذكاء لا يليق إلاّ بشاعر عظيم مثله: "إنّ واحدا من أصعب الأمور في كتابة الشعر هو أن يعرف المرء موضوعه، إن كل الناس، يعرفون موضوعهم ولكنهم لا يكتبون الشعر لأنهم واعون جدا ومدركون لذلك الشيء. إن موضوع أي إنسان كان وسيبقى دائما هو شعر، أو ينبغي أن يكون شعرا".
كان "وليم يورك تندال" الناقد الأمريكي المعروف في كتابه القيم عن شاعرنا قد قال أنّ من يقرأ شعر "والاس ستيفنز" قراءة عابرة سيظنه شعرا بسيطا. والسبب في ذلك هو سلاسة تعبيره. فقصائده من السهل الممتنع كما تقول العرب.. يضاف إلى ذلك دقة التصوير وفيه كثير من العناصر التي تدخل في تشكيل أبياته.. غير أنّ البساطة أو السهولة هذه خادعة إلى حد كبير. فبمجرد أن نبدأ في التساؤل عن مغزى معطياته ومراميها ستعترضنا صعوبات جمة. و"ستيفنز" مثله مثل العديد من شعراء الغرب في القرن العشرين يتقصّد أن يكون غامضا ويتقصّد التفنّن في ذلك. إنّه يقول بكل صراحة "القصيدة يجب أن تقاوم الفهم بنجاح تام تقريبا". ويقول في مكان آخر: القصيدة تفصح عن نفسها للجاهل فقط".. بل ويذهب إلى أبعد من ذلك عندما يقول إنّ القصيدة قد لا يكون لها معنى على الإطلاق، وهذه فكرة احتضنها المحدثون الذين آمنوا بأن القصيدة يجب أن "تكون" و" لا يجب أن تعني". وحقا نجد أنّ معظم شعر "ستيفنز" يقاوم التحليل ويقاوم العقل ويرفض أن يخضع لتفسير واحد أو لتفاسير عدة.
ثمّ إنّ الموضوعات التي يتطرق إليها "ستيفنز" هي من الكثرة بحيث يصعب حصرها وهي في تنوعها وتعددها وتداخلها يصعب أيضا تصنيفها فهو يصرّ على أنّ العالم كله هو المادة التي يصاغ منها الشعر، وهو كشاعر يكتب الشعر حول أي شيء وعن كل شيء. ومن هنا تجده يبني قصائده من كل ما يجول في خاطره الواسع.. فهنالك قصائد عن أشخاص وقصائد عن طيور، وحيوانات أخرى، ونباتات. وهناك قصائد عن الشعر وعن فن الشعر، وقصائد تجمع بين بعض أو كل ما ورد ذكره.
من جهة أخرى وجريا على خطى الرومنطيقيين، يؤمن "والاس ستيفنز" بأهمية العقل البشري وفاعليته، ويقول أنّ العقل هو أهم معطى في هذا العالم، ويقول كذلك إنّ "المخيلة" وهي إحدى ملكات العقل وهي تجسد القوة التي يتغلب بها الإنسان على المحيط الخارجي.
--------------------------------
* فصل من كتاب سيصدر لي قريبا بعنوان "والاس ستيفنز القصيدة والحياة" عن منشورات مومنت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صباح العربية | محاولات لإنعاش السينما السودانية


.. صباح العربية | فنانون ومسرحيون فرنسيون يقدمون أعمالهم لموظفي


.. صباح العربية | التشكيلية اللبنانية كرستيل بشارة تمزج بين الت




.. بزاف – برشا – باهي كلمات باللهجات المغاربية.. ما أصلها باللغ


.. شاهد: عروض مسرحية وموسيقية عند الطلب تصلك حتى باب البيت في إ