الحوار المتمدن - موبايل


تطبيع الإمارات بين السلام والعدوان

عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى

(Abdelgawad Sayed)

2020 / 9 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


فى الوقت الذى كان فيه العالم ينتظر، وبفارغ الصبر ، سقوط تيار نتنياهو واليمين الإسرائيلى بكل مايحمله من كراهية وعنصرية ، لا تقل فى الواقع عن كراهية وعنصرية تيار الإسلام السياسى، الذى يجتاح المنطقة ويدمرها تدميراً ، فوجىء العالم ، بيد تمتد نحوه ، كيد من خلال الموج مدت لغريق ، ليصبح فى لحظة بطلاً للسلام على محطات التليفزيون فى كل مكان ، ويهدد الجميع ، بأن كل من لايطبع معى سيعانى من العزلة، رغم أننى ، وبأعلى صوت ، لم أتعهد بإلغاء أى قرارات خاصة بضم أجزاء من الضفة ؟ فى صفاقة وتكبر وجبروت منقطعى النظير، داحضاَ أكاذيب الإمارات ، وبكل إحتقار وعدم إحترام ، بأن أحد دوافعها للتطبيع هو إلغاء ضم أجزاء من الضفة ، وإنقاذ الشعب الفلسطينى الشقيق وتشجيع المنطقة على الدخول فى عملية سلام شاملة متكاملة طيبة وبنت حلال.
إن الرد على حجة مشروع السلام المزعوم لاتحتاج لأكثر من سؤال ، ماذا لو إنتظرت الإمارات بضعة شهور مع الناظرين ، حتى موعد الإنتخابات الجديدة فى إسرائيل ، وأيضا فى أمريكا ، ليختفى الأشرار من على مسرع التاريخ، ويأتى بعدهم أناس معتدلين ، يصبح حديث السلام معهم منطقياً ومعقول ، حتى ولو لم تغلفه الأحلام والورود ، هل يوجد سلام مع الشياطين، ترامب كوشنر ونتنياهو عدو السلام ، الذى مازلت مظاهرات حزب الإعتدال الإسرائيلى مستمرة ضده حتى اليوم، وترامب صاحب صفقة القرن ، وكوشنر ، القادم من العصور القديمة ، لبعث مملكة سليمان وداود، وسكب الزيت على النار فى شرق أوسط مشتعل فى حروب الدين أصلاً، ولايحتاج الى المزيد؟ هل هذا تطبيع وسلام ، أم مؤامرة وعدوان؟
إن دعم نتنياهو وتيار اليمين عدو السلام ، وعدو أوسلو وحل الدولتين ، والرافض لكل القوانين الدولية ، والمتجبر بالمدافع والطائرات ، والمتربص بتشريد نحو ستة ملايين من الفلسطيين فى الضفة ، وزعزعة إستقرار الأردن ومصر ، على حساب تيار الإعتدال ، حزب أبيض أزرق ، بزعامة بينى غنتس ، شريك نتنياهو فى الحكم ، والسر الحقيقى وراء تعطيل قرارات ضم أجزاء من الضفة ، والمستعد ، على الأقل ، لإستئناف عملية السلام مع الفلسطينين ، بدون رفض للقرارات الدولية و لالأوسلو وحل الدولتين ، ولا لسلام الجيران ، فى الأردن ومصر وكل الإقليم . إن دعم الأول الآيل للسقوط ، وخذلان الثانى المرشح للصعود ، هو بالتأكيد مؤامرة وعدوان ، وليس سلام بأى حال من الأحوال.
إن فكرة السيادة التى تستند عليها الإمارات فى عملية التطبيع وفقاً لمصالحها الوطنية، هى أيضاَ كلمة حق يراد بها باطل ، فلم نعد فى عصر يمكن أن تمارس فيه الدولة سيادتها على حساب أمن ومصالح الجيران، لقد أصبحنا فى عالم واحد متشابك الأقدار، فما بالك والإمارات مازلت جزء من النظام الإقليمى العربى من خلال عضويتها فى الجامعة العربية ، والتى أطلقت مبادرة السلام العربية فى بيروت سنة 2002، فى الأرض الفلسطينية مقابل السلام الشامل مع الدول العربية ، إن هذا النظام الإقليمى ، ومهما شابه من عيوب ، مازال قائماً ومازال متمسكاً بمبادرة السلام العربية حتى اليوم ، والتى تجد لها تأييداً حتى داخل إسرائيل ، والتى تنفصل عنها الإمارات اليوم ، هل تعرف الإمارات كم بذلت تلك الأجيال من تضحيات من أجل السلام ، وكم بذل العالم من جهود ديبلوماسية لحين التوصل لأوسلو وحل الدولتين، وكامب ديفيد الثانية ، ومبادرة السلام العربية ، هل سمعت عن دماء أنور السادات ، وإسحاق رابين، وجهود كارتر وكلينتون ، و تضحيات تيار اليسار الإسرائيلى ، ثم جهود تيار الوسط الذى أوشك على هزيمة نتنياهو وحزب اليمين والصعود للسلطة ، وإستئناف محادثات السلام ، قبل أن تتدخل الإمارات لإنقاذه ، وتخذل كل هؤلاء. أى سيادة تلك التى تخذل كل هذا التاريخ ؟
أما فكرة مقتضيات الأمن القومى ، فهى أيضا كلمة حق يراد بها باطل ، فالأمن القومى لايتحقق بالتحالف مع حزب اليمين المتطرف على حساب حزب الإعتدال، لإن هذا يؤدى بالضرورة إلى سكب الزيت على النار وإلى تقوية تيار التطرف فى المنطقة بشكل عام ، وفى إيران بشكل خاص، والتى ستصبح فى هذه الحالة بطلاً للمقاومة فى الشعور الشعبى للمنطقة دون أن يستطيع أحد أن يتهمها بالإرهاب ، وذلك على عكس الحال إذا ما تم التوصل للسلام برعاية حزب السلام ، والذى من شأنه أن يبدأ فى تفكيك حالة الكراهية الدينية التى تعصف بالمنطقة اليوم ، إن الأمن القومى ليس مجرد مدافع وطائرات ، إنه أيضاً صراع أفكار ، صرع أفكار لايمكن أن ينتصر بقيادة نتنياهو وكوشنير.
فإذا لم يكن سلام إبراهام ، مشروع سلام للمنطقة ، أو تطبيع سيادى للمصلحة الوطنية ، أو تحالف أمنى إستراتيجى فى مواجهة إيران ، فماذا يكون ، سلام إبراهام صفقة سياسية ، صفقة مريبة ، لاتضر بالشعب الفلسطينى فقط ، ولكن تضر بثلاثة شعوب بشكل خاص ، الفلسطينى والأردنى والمصرى، حيث تطلق ذئاب اليمين الإسرائيلى عليهم جميعاً ، وعلى كل المنطقة بشكل عام ، صفقة يجرى الإعداد لها منذ فترة طويلة وفى عهد إدارة ترامب تحديداً برعاية زوج إبنته المبشر اليهودى ، مبعوث العصور القديمة فى العصر الحديث ، جاريد كوشنر ، سمسار العقارات، الذى أصبح فجاًة سمساراً أيضاً للسياسات.
إنه ليس من الصعب إدراك الملامح الأساسية لصفقة سلام إبراهام ، فى تحالف التكنولوجيا الإسرائيلية ورأس المال الإماراتى والعمالة العربية الرخيصة، المستعبدة فى ظل نظام الكفيل، لخلق مساحات أكبر من الإستثمارات فى شتى القطاعات ، فى خلق طريق موازى لطريق البحر الأحمر وقناة السويس، وبإتجاه الخليج ، لنقل نسبة من حركة السياحة والبضائع من آسيا إلى أوربا عبر مطارات الإمارات - تل أبيب ، فى خلق تحالف عسكرى قد يسمح بوجود عسكرى إسرائيلى على أرض الإمارات ، أو بتزويدها بالأسلحة الأمريكية الأكثر تطوراً والتى لاتزود بها سوى إسرائيل، كطائرات الإف 35 على سبيل المثال ، أو بالأمل الكبير فى نقل قاعدة العيديد من قطر إلى الإمارات، وأخيراً وهو الأهم فى كل الموضوع ، فرض الإمارات كالقوة المسيطرة على النظام الإقليمى العربى الجديد ، وتحييد أو حتى تركيع ، مصر والسعودية ، آخر بقايا النظام الإقليمى العربى القديم الآيل للسقوط ، فى إستغلال واضح لحالة الإرتباك الشديد التى تمر بها كلا البلدين ، السعودية التائهة فى مابعد الحقبة الوهابية ، ومصر المطحونة بين العسكر والإخوان ، وذلك من أجل نظام إقليمى إسرائيلى بديل ، تعلب فيه الإمارات دور الشريك ، ودور حصان طروادة ، للنفاذ إلى باقى دول الخليج ، حالة شبيهة بحالة الطموح القطرى السابق فى محاولة السيطرة على المنطقة من خلال جماعة الإخوان، والتى إنتهت بها إلى مجرد تابع ذليل للأتراك ، وذلك مقابل قيادة الإمارات لعملية فك الإرتباط بين مبادرات التطبيع مع إسرائيل وبين السلام مع الفلسطينين ، أو مع مبادرة السلام العربية ، أو بمقتضيات الأمن فى الأردن وغزة وسيناء ، وفقط كما يريد نتنياهو ، السلام مقابل السلام مع كل دولة على حدا ، بدون أى إرتباط بالسلام الفلسطينى أو بالسلام فى الإقليم.
هذه هى ملامح الصفقة التى يمكن رؤيتها على الأقل فى المنظور القريب ، والتى يبقى لنا عليها بعض الملاحظات. أولاً، إن سلام أنور السادات يختلف جذريا عن سلام الإمارات ، فبينما أطلق الأول عملية سلام فى كل المنطقة ، إستمرت حتى كامب ديفيد الثانية سنة 2000 ، فقد أطلق الثانى يد اليمين الإسرائيلى فى عملية ظلم وتخريب فى الإقليم لن يكون لها نهاية فى المستقبل القريب ، لقد أسس أنور السادات لسلام الشعوب ، بينما أسست الإمارات لتحالف الأغنياء والأقوياء ضد الفقراء ، وثانياً إن حزب السلام الإسرائيلى لم يعد وهماً بعد اليوم ، فهو قائم مستمر مهما تغيرت الظروف ، إنه حزب إسرائيل الديموقراطية ضد إسرائيل اليهودية ، سواء كان يساراً أو وسطاً ، إنه الحزب الذى خذلناه مرتين، مرة عندما رفض ياسر عرفات إتفاقية كامب ديفيد الثانية ، و قضى على تيار اليسار الإسرائيلى لصالح اليمين ، و مرة عندما خذله محمد بن زايد اليوم عندما أنقذ نتنياهو ، وأضعف تيار الوسط الجديد ، حزب السلام الإسرائيلى حقيقة لم تجد لها حتى اليوم شريكاً حقيقياً للسلام ، وثالثاً ، إن مصطلح الإقليم الشائع فى لغة الدراسات السياسية اليوم ، وبكل مايحمله من تضمينات سياسية وإقتصادية وثقافية ، لاينطبق أكثر مما ينطبق على إقليم الشرق الأوسط ، حيث الجميع يؤثر فى الجميع، ولذا فإنه من الخطأ أن نتصور أننا يمكن أن نصنع السلام فى جزء منه، و نصنع الحرب فى الجزء الآخر ، فإما أن نصنع سلاماً أو نصنع حرباً فى كل الإقليم. ونختم بالتأمل فى معنى عنوان الإتفاق المريب ، صلح إبراهام ، ولماذا إبراهام بالتحديد ، سلام إبراهيم أو سلام الإبراهيميين هو مشروع أيديولوجى تبنته إدارة ترامب، للتقريب بين الإسرائيليين والفلسطينين بشكل خاص ، وبين العرب واليهود بشكل عام فى عملية حشد ضد إيران ، وفى منطقة لاتعرف الإحتشاد إلا خلف الشعارات الدينية ، وقد ساهمنا فى الرد على ذلك المدخل العنصرى للسلام على صفحتنا هنا فى الحوار المتمدن فى مقالتين بعنوان (فى الرد على يوسى كلاين هاليفى رسائل إلى جارى الفلسطينى) ، لكن المثير اليوم إن إدراة ترامب وأجهزتها المعنية التى أطلقت هذا المشروع، هى نفسها التى أطلقت مشروع صفقة القرن ، بما يتضمنه من تمزيق للأراضى الفلسطينية وإجهاض حل دولتين ، وإجهاض كل ميراث عملية السلام ، لينتهى الأمر بالمشروع عملياً إلى رسائل إلى جارى الخليجى ، والذى يبدو أن الجار الخليجى قد إلتقطها فعلاً، وبدأ بتطبيع الإمارات ، وبإشارات أدبية وفنية أيضاً تدعم هذه الروابط مع أبناء العم اليهودى، سوف تتوالى فى الظهور فى منطقة الخليج، إن المثير هنا أن تجار قريش ، تجار النفط اليوم ، والذين صدروا لنا الإسلام بالقوة قبل أكثر من أربعة عشر قرناً ، بما يحمله من تراث كراهية للإنسان ، وخاصة لليهود ، قد إكتشفوا فجأة اليوم ، أن اليهود هم أبناء عمهم الإبراهيميين وأنهم ناس طيبيين ، وأن علينا أن نتبعهم اليوم أيضاً بدون نقاش، وإلا حرمونا فرصة عمل فى الخليج ، أنه نفس العبث بأقدار شعوب الشرق الأوسط المستمر منذ قرون ، ولعل فى تأمل ذلك العنوان المريب فرصة اليوم ، لنرفض سلام الإمارات ، مرة واحدة مع تراث إبراهيم ، ونلقى به فى مزابل التاريخ!!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - لماذا التقييم المنخفض للمقالة
احمد علي الجندي ( 2020 / 10 / 8 - 22:21 )
صدق من قال
تقيمات المقالات على صفحة الحوار المتمدن لا تعكس الأفكار الواردة فيها او اللغة الواضحة او الجميلة المستعملة او ابداع الكاتب بما كتبه
وانما تعكس فقط توجهات شريحة القراء فقط والمعلوم الى ماذا تميل


2 - الرد على تعليق الأستاذ على الجندى تعليق رقم 1
عبدالجواد سيد ( 2020 / 10 / 9 - 00:16 )
شكراً أستاذ على على مرورك الكريم أنصفتم المقال المظلوم

اخر الافلام

.. لماذا يريد الاتحاد الأوروبي توطيد علاقاته التجارية مع الهند؟


.. العراق.. رغم جائحة كورونا استمرار التكافل الاجتماعي في رمضان


.. مباشر.. العرض العسكري في موسكر بمنابسة الذكرى الـ76 للنصر




.. أخبار بلا سياسة | طوابير أمام مسجد كولونيا للقاح كورونا


.. صباح العربية | مجوهرات فنية للمصممة اللبنانية ندى غزال