الحوار المتمدن - موبايل


حديث في تسييس الطفولة

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 9 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


وإذ أفتح سجل الذكريات , تعود بي الذاكرة إلى أيام طفولتي بمدرسة السماوة الإبتدائية للبنين ومدرسة متوسطة السماوة للبنين في عقد خمسينيات القرن الماضي , في مدينتي السماوة الغافية على ضفاف نهر الفرات . كانت السماوة يومذاك قضاءا تابعا للواء الديوانية, يمارس أهلها بعض الحرف والتجارة والزراعة , وتعاني المدينة كمعظم مدن العراق يومذاك من إرتفاع نسبة الفقر والجهل والأمية في صفوفهم . لذا كانت المدارس وإن كانت مدارس إبتدائية تمثل مراكز إشعاع وتنوير فكري وحضاري, حيث يتلقى فيها التلاميذ مبادئ القراءة والكتابة وبعض العلوم والمعارف في مجتمع تسوده الأمية , ليكون ذلك فاتحة خير لوضعهم على طريق العلم الحديث وتوسيع مداركهم لما هو أبعد من دائرة محيطهم الضيق, بنقلهم إلى فضاء العالم الأرحب, ونقل ما يتعلموه إلى عوائلهم التي يلف الجهل الكثير منها .
كانت المدرسة مركزا للنشاطات الرياضية والفنية والمسرحية التي تركت أثرا طيبا في حياة المدينة, على الرغم من ضعف الإمكانات المتاحة, تخرج منها علماء وأدباء وشعراء ورياضيون وفنانون كثيرون . كما كانت المدرسة مركزا لنشاط الأحزاب السياسية , وبخاصة الحزب الشيوعي العراقي الذي دفع وزير المعارف يومذاك خليل كنه في حقبة الحكم الملكي , إلى تحويل المدرسة الثانوية الوحيدة في المدينة إلى مدرسة متوسطة للحد من نشاط طلبتها السياسي. وهنا تعود بي الذاكرة إلى فصل بعض من زاملوني من تلاميذ مرحلة الدراسة الإبتدائية , من المدرسة بتهمة نشاطهم الشيوعي في صفوف التلاميذ وتحريضهم على المشاركة في الإضرابات والتظاهرات السياسية ضد الحكومة , حيث تم سوقهم لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية وهم في سن مبكرة في معسكر الشعيبة , وبذلك قد تشردوا وفقدوا مستقبلهم الدراسي . كما فصل تلاميذ آخرون أكثر من مرة في مرحلة الدراسة المتوسطة للسبب نفسه , وتم سوقهم للخدمة العسكرية الإلزامية , بعضهم في معسكر الشعيبة بمحافظة البصرة , وبعضهم بمعسكر راوندوز بمحافظة السليمانية . لم يسمح لأي منهم بالعودة لمقاعدهم الدراسية , إلاّ بعد تقديمهم براءة من إنتمائهم للحزب الشيوعي العراقي ونشرها في الصحف المحلية . وقد قام بعضهم بنشر هذه البراءة لضمان عودته للدراسة , والتي كان نصها يومذاك :
" يتهمني البعض بأني من حملة المبادئ الهدامة كالشيوعية وغيرها , وبما أني برئ من ذلك , لذا أعلن ولائي وإخلاصي لمليكي والوطن ".
وهنا أتساءل هل يصح أخلاقيا زج التلاميذ بهذه السن المبكرة في معترك السياسة وتحميلهم تبعاتها الثقيلة التي قد تطالهم من سجن وتشريد ومنافي وهم في عمر الزهور ؟ وهل يدرك حقا هؤلاء الأطفال عمق فكر الأحزاب السياسية التي ورطوا بالإنتماء إليها, والطلب إليهم بتقديم هذه الخسائر والتضحيات والتي قد تكلف بعضهم حياته بدعوى الدفاع عن المبادئ التي أشك كثيرا بفهم الكثير منهم لها . أما كان الأجدر ترك هؤلاء الأطفال التمتع بطفولتهم البريئة وإكمال تعليمهم وبناء مستقبلهم وشق طريقهم في الحياة , وعندها يكون لكل حادث حديث بالإنخراط في العمل السياسي بعد أن تكون قد تبلورت ملامح شخصياتهم فكريا وثقافيا وحضاريا , بعيدا عن التلقين وغسيل الأدمغة أي تحويل الفرد عن اتجاهاته وقيمه وأنماطه السلوكية وقناعاته.
لم يقتصر تسيس الأطفال على الحزب الشيوعي العراقي , بل قلدته بذلك الأحزاب القومية بتوجهاته المختلفة بصورة أو بأخرى وفي مقدمتها حزب البعث العربي الإشتركي , وكذلك أحزاب الإسلام السياسي بألوانها المختلفة , وفي مقدمتها حركة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية التكفيرية لدرجة زج بعض الصبية في عمليات إرهابية إنتحارية .
وبالرجوع إلى أدبيات هذه الأحزاب , نرى أن معظم قادة هذه الأحزاب إن لم يكن جميعهم , قد إنخرطوا بالعمل السياسي في سن مبكرة , فقد إنخرط الرفيق فهد المولود عام 1901 ,مؤسس الحزب الشيوعي العراقي في معترك العمل السياسي دون أن يكمل تحصيله الدراسي , فقد تخرج من مدرسة السريان الإبتدائية في البصرة , وإلتحق بعدها بمدرسة الرجاء الأمريكية التي تركها بعد سنتين دون أن يكمل دراسته. وفي سن السابعة عشرة من عمره قام فهد بصياغة وكتابة العريضة التي قدمها العمال المضربين في مسفن الدوكيارد في البصرة عام 1918 لأدارة المسفن . وفي مطلع العشرينيات انتمى فهد إلى أول حزب وطني شعبي أسس في العراق (الحزب الوطني العراقي ) وأصبح مساعد رئيس فرع هذا الحزب في الناصرية. وأسّس أولى الخلايا الشيوعية في البصرة والناصرية عام 1929 بين صفوف العمال والفلاحين. ولا يختلف الحال كثيرا لمؤسس حزب البعث العربي الإشتراكي في العراق فؤاد الركابي الذي أسسه مع آخرين عام 1950, أي أن عمر الركابي لم يزيد على العشرين سنة حيث كانت ولادته بمدينة الناصرية عام 1930. أصبح بعد عامين من تأسيس الحزب أول أمين سر لقيادته عام 1952.
ولا يختلف الحال كثيرا بالنسبة لبقية قادة الأحزاب والحركات السياسية الأخرى في العراق , فقد كلف صدام حسين وآخرين بمحاولة إغتيال عبد الكريم قاسم عام 1959 وهو بعمر لم يكمل بعد مرحلة الدرسة الثانوية . وينطبق الشئ نفسه على معظم من شاركوا بإنقلاب الثامن من شباط الدامي عام 1963 , وإنقلاب السابع عشر من تموز عام 1968 التي جاءت نتائجه لاحقا كارثية على البلاد والعباد, ما زال العراق يئن تحت وطئتها حتى يومنا هذا .
وسارت على النهج ذاته أحزاب السلطة الحاكمة حاليا في العراق , إذ أنها لم تتعظ من تجارب من سبقها في السلطة وما آلت إليه أحوالهم , فتراهم اليوم سادرين في غيهم وطيشهم وعبثهم السياسي وغير مبالين لما آلت إليه أحوال البلاد والعباد من فقر ومرض وجوع ونقص خدمات وهدر كرامات وفساد ونهب وتيذير أموال , والأهم من كل ذلك فقدان العراق لمقومات الدولة وأسس وحدتها , حيث بات العراق في مهب الريح تتقاذفه المصالح الإقليمية والدولية , لدرجة بات فيها وجود العراق كدولة واحدة موحدة على المحك , أي أن يكون هناك عراق أو لا يكون.
وفي الختام نقول أن ساسة الأمس قد جعلوا من السياسة دينا , وحرصوا على زج الناس بأحزابهم منذ نعومة أظافرهم بكل الوسائل الممكنة , وحرموا عليهم الإنتماء لغير أحزابهم , وأعتبروا الخروج من تنظيماتهم ردة يعاقب عليها بالحد أي إعدامهم . وهم بذلك قد أفسدوا السياسة . أما ساسة اليوم فقد جعلوا من الدين سياسة , وبذلك أفسدوا الدين والسياسة معا . وأملنا أن يعود أولئك وهؤلاء إلى رشدهم ويتقوا الله بعباده وليتركوا الناس أن يعيشوا حياتهم بأمن وسلام وكرامة إنسانية .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ليه لا؟ - الحلقة الرابعة | وصفة البراونيز مع الشيف ليلى فتح


.. ليه لا؟ - الحلقة الخامسة | وصفة السينامون رولز مع الشيف ليلى


.. ليه لا؟ - الحلقة السادسة | وصفة الفتة مع الشيف ليلى فتح الله




.. ليه لا؟ - الحلقة السابعة | وصفة الكنافة مع الشيف ليلى فتح ال


.. إيران تجدد الترحيب بالحوار مع السعودية بدون التعليق على تقار