الحوار المتمدن - موبايل


نعم، أنا مع ابن خلدون!

سليمان جبران

2020 / 9 / 6
الادب والفن


سليمان جبران: نعم، أنا مع ابن خلدون!
الصديق ن. ، باعترافي طبعا، أكثر منّي واقعيّة. قلّما نلتقي هذه الأيّام. حتّى قبل الكورونة كان لقاؤنا قليلا: فرّقتْ بيننا الأيّام؛ أنا اعتزلتُ عملي من زمان، وهو مازال. رغم فارق السنّ بيننا، لا نكاد نختلف في شيء. في رأيه أنّي أكثر منه تطرّفا، لأنّي أقضي معظم وقتي على شبّاكي، بعيدا عن الحياة والعمل. مع ذلك لا نعدم الحديث والنقاش أحيانا. بارك الله في التلفون، يقرّب البعيد، ويجمع الأحبّة!
أمر واحد متّفقانِ عليه دائما، بدون نقاش: عظمة المعرّي وابن خلدون في الحضارة العربيّة / الإسلاميّة. المعرّي في رأينا أكثر الشعراء العرب حكمة وثقافة، وإنْ كان لا يجاري المتنبّي لغة وصياغات. والمؤرّخ ابن خلدون هو واضع علم الاجتماع - السوسيولوجيا، طبعا بأدوات ومفاهيم عصره هو.
في تصوّر ابن خلدون أنّ الدولة، وتعني في قاموسه السلالة الحاكمة، تبقى على كرسيّ السلطة أربعة أجيال. والجيل في لغته حوالى ثلاثين سنة. أي أنّ الدولة في رأيه، تعيش حوالى مئة وعشرين سنة: تبدأ بالمؤسس أو الباني، ويكون عادة "رجل مبادئ"، همّه بناء الحكم وتوطيده. والجيل الثاني، الأبناء في مصطلحه، يواصل طريق السلف في تطوير البلاد وتوطيدها. في الجيل الثالث يبدأ الاستقرار ومعه فساد الحكم.أخيرا، يأتي الجيل الرابع بحكّام فاسدين، فينصرفون إلى تسخير الحكم في خدمة مصالحهم الشخصيّة؛ ما ينزل بالحكم إلى الحضيض، وبالبلاد إلى الضعف، لتنشأ على أنقاضه دولة جديدة.
طبعا ، لم يبسط ابن خلدون نظريّته هذه، لا بهذه الكلمات ولا بهذا الإيجاز. يجب علينا أن نترجم نظريّته بكلماتنا نحن طبعا. بنى الرجل نظريّته في الحكم بأسلوبه هو، وعلى الشواهد من عصره. المهمّ في هذا المجال هو الرؤية الثاقبة لا المصطلحات ولا التفاصيل. وهذا ما جعل باحثين غربيّين كبارا يعتبرونه، في "المقدّمة"، واضع أسس علم الاجتماع – السوسيولوجيا!
في رأيي أنّ إسرائيل اليوم في المرحلة الرابعة من "سلّم" ابن خلدون. هل يذكر كبار السنّ منّا كيف كانتْ حياة بن غوريون الشخصية في بيته؟ روى لي أحد الأصدقاء، من مصدر موثوق، أنّ بن غوريون لم يعرف المال في جيبه. حتّى حين كان ابنه يرغب في شراء بوظة كان يرسله إلى أمّه، لأنّ جيبته فاضية، ولا يفهم في هذه الأمور. "بولة" الأم كانتْ وزيرة الاقتصاد في البيت، والرجل لا يعرف غير أمور الدولة! كان، كما يذكر أبناء جيلي طبعا، يرتدي القميص الكاكي والبنطلون الكاكي، من إنتاج المرحومة آتا، طوال وجوده في البلاد. لم يعرف البدلات المكويّة المنشّاة إلا في سفراته إلى خارج البلاد!
لكنّ إسرائيل تدرّجتْ، شيئا فشيئا، حتّى انتهينا إلى عهد الأستاذ الحالي: طائرة خاصّة، أوتيل خاصّ داخلها. .الخ، وابن يتمتّع بالثمار كلّها، دونما نقطة عرَق. ما أبعد هذه الأيّام عن الأيّام تلك! ألا يكفي هذا دليلا على أنّنا في "الجيل الرابع"؟
صديقي يخالفني في هذا التحليل "المغرض". في رأيه أنّ رؤيتي مغرضة، جعلتُها تصل إلى الخاتمة التي أريدها قسْرا. الأيّام تغيّرتْ في رأيه، ونظريّة ابن خلدون لا تصلح في فهم الحياة الراهنة. كلّ شيء تغيّر، وما من نظريّة تصلح لكلّ الأزمنة والظروف!
طبعا أنا مع ابن خلدون، واضع علم الاجتماع، قبل اهتداء الفكر الإنساني إلى هذه العلوم الجديدة. الأيّام وحدها هي محكّ النظريّات طبعا، وصديقي يرى أنّ ابن خلدون بنى نظريّه وفقا لرؤيته هو، في عصره هو. اليوم كلّ شيء تغيّر! لكنّني مع ابن خلدون طبعا، والأيّام ستكون الحَكَم العادل بيننا!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - خراب العمران
محمد البدري ( 2020 / 9 / 6 - 18:44 )
وانا كذلك مع ابن خلدون الذي وجد نفسه وسط عمران خرب
الخرابة لم تجد من يعمرها مجددا حتي اتي نابليون الي مصر المدفون فيها ابن خلدون.
ليس هناك الكثير في ادبيات الشعوب الخربة عمرانها بفعل العرب شيئا عن مرحلة التاسيس للدولة التي تزعمها ابو جيب فاضي وخرب وكان يرسل ابنه الي جدته من اجل الايس كريم او قطعة شكولاته
رفاهية زمن ابن خلدون كانت اما قصورا او اجساد الجواري وهو زمن المماليك الذين اتي بهم العرب ليكونوا وكلاء نهب وسرقة من اصحاب العمران الضخم والابهة المعمارية والحضارات العريقة. فما هي الرؤية الثاقبة بعيدا عن المصطلحات في قول مؤسس علم اجتماع العمران في مقدمته، يقول:
من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، وليس في العرب حملة علم لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته. Full stop ومن اول السطر
اتتشعب مؤسسات الدولة العبرية ليس فقط ليحملها بدو الامارات او مملكة خدمة الحرمين فهؤلاء لا قيمة لهم باموالهم وليسوا كما هو حال التغلل في المؤسسات العالمية علما وتكنولوجيا
تحياتي


2 - على صواب
Muwaffak Haddadin ( 2020 / 9 / 7 - 09:08 )
الاستاذ جبران المحترم
تحية
أنت على صواب ـ كما إبن خلدون - ولكن أظن أن إسرائيل في بداية الجيل الرابع وأظن أن السلام والتطبيع مقتلها
موفق حدادين
عمان في 7 - أيلول - 2020

اخر الافلام

.. بتوقيت مصر : جدل حول استخدام اللغة القبطية في الصلوات


.. قصته أشبه بأفلام هوليوود.. كيف ساعد شلومو هليل آلاف اليهود ع


.. بالغناء والصراخ موالو بشار يعبرون ...و وسيم الأسد -هي مو صفح




.. شاركت لمجرد أغنية -الغادي وحدو-.. الفنانة حريبة: تصدم جمهور


.. أن تكوني فنانة عربية.. رؤى وتحديات