الحوار المتمدن - موبايل


نساء سعد علي يسرقنَ من الأفاعي حركتها المتمعجة

عدنان حسين أحمد

2020 / 9 / 8
الادب والفن


ينهمك الفنان سعد علي بمشاريع فنية قد تطول إلى عقدٍ أو يزيد ولا يغادرها إلاّ بعد أن يستنفد مكنوناتها الداخلية وثيماتها الرئيسة والفرعية، وهو متأمل دقيق للطبيعة التي تٌحيطه من كل جانب. ورغم أن الإنسان يحتلّ مكانة مركزية في قلب اللوحة إلاّ أنّ النباتات والحيوانات تؤثث متنها وحواشيها لتشيع فيها جوّ الألفة، والتعايش، والحميمية. والغريب أن بعض هذه الحيوانات المنزلية المدجّنة، أو التي دجّنها على وفق مزاجه الشخصي، هي من صنع مُخيّلته المتوهجة. فالفنان سعد علي دؤوب بشكل لا يُصدّق، ولعله أغزر الفنانين العراقيين إنتاجًا في المنافي الأوروبية.
وعلى الرغم من جنوح مخيّلته الفنية إلاّ أنه يستفيد من حديقته المنزلية التي المؤثثة بالأشجار المثمرة، والنباتات الجميلة، ومختلف أنواع الزهور التي تخطر في باله، ويوظِّفها في أعماله الفنية إلى أن يستنفد طاقتها الكلية، ويُفرغها من معظم الرموز التي تنطوي عليها شكلاً ومضمونًا. وحينما انتقل بلدة Chiva التابعة لمدينة فالنسيا بدأت تظهر في لوحاته قرون الخرّوب الناضجة Carob pods Riped وهي تظلّل، في الأعمّ الأغلب، رؤوس الشخصيات أو تُحيط بها بشكل دائري أو مستطيل، كما أفادَ من لونها البنّي بدرجاته المتعددة في رسم العديد من اللوحات الأخرى التي تقع خارج ثيمة هذه الثمرة الناضجة. فاللون يتسرّب أحيانًا إلى أعماق الإنسان ولاوعيِّه، ويظهر في اللحظة المناسبة من دون تخطيط مسبق. مع الأخذ بعين الاعتبار مرونة أصابع الشخصيات، ومطواعيتها، واستطالاتها، وهذه سمة بارزة في غالبية شخصيات سعد علي، بل أنها الوسم أو الدمغة التي تميّزه عن غيره من الفنانين. والعين الخبيرة المُدرّبة تستطيع أن تعرف أي لوحة لسعد علي حتى وإن كانت خالية من توقيعه. لقد أنجز سعد علي في مغتربه الإسباني العديد من اللوحات "الخرّوبية" إن صحّ التعبير وأطلق على واحدة منها اسمًا معبِّرًا وهو " موسم حصاد الذهب الأسمر" وهي تسمية شعريّة وشاعرية في آنٍ معًا.
يزرع سعد علي كل عام أنواعًا مختلفة من الصبّار Aloe vera وبعضها ذات أذرع طويلة متلوية فيها حركة مُلفتة للنظر حتى أنه أسمى إحدى لوحاته بـ "أذرع الصبّار" التي تلتف على المرأة من الجهات الأربع وكأنها تشعر بأنوثتها، وتحتضن جمالها الأخّاذ. تتناسل لوحاته "الصُبّارية" وتستنطق كل لوحة موضوعًا قائمًا بذاته وكأن يريد القول بأنه يرفع من شأن النباتات كلها، ويُشركها في موضوعات رئيسة ومؤازرة، تمامًا كما فعل مع الحيوانات المدجنّة الموجودة على أرض الواقع أو تلك التي اجترحها من مخياله الفني. ولوحة سعد علي المكتنزة دائمًا أشبه بالكتاب الذي يضمُّ متنًا وهوامش متعددة لا يمكن الاستغناء عنها لكنّ هذا النمط من الهوامش بدأ يتضاءل حينما ترك الفنان الأبواب والشبابيك التي كان يرسم عليها كسطوح تصويرية على مدى ثلاثة عقود بعد أن عاد إلى الكانفاس أو الألواح الخشبية والمعدنية التي تصلح لرسم اللوحات الكبيرة الحجم عادة.
يعرف المقرّبون من سعد علي أجوائه الاحتفالية على الصعيدين الحياتي والفني، فهو كشخص مبتهج على الدوام ونادرًا ما تجدهُ كئيبًا أو محزونًا، ولعله لا يعرف الكآبة إلاّ في حالات نادرة واستثنائية جدًا، فلاغرابة أن نجدًا كمًّا كبيرًا من اللوحات التي تجسّد الولائم والمأدبات التي يجتمع فيها أصدقاء أو عشّاق أو أحبّة، وإذا تعذّر ذلك فإنه يلتقي بثنيّة روحة وزوجته الفنانة مونيك باستيانس التي جمّلت الطبيعة الإسبانية بأعمالها الفنية في الفضاءات المفتوحة. تتسم لوحات الولائم بكبر حجمها وطولها فكل لوحة من هذه اللوحات تصلح أن تكون جدارية لكن ثيمتها درامية ولا أثر للنفَس التقريري فيها، فثمة إبداع في كل حدث، وثمة لمسة فنية في كل ثيمة صغيرة متشظيّة عن الثيمة الأكبر. وبما أن ذاكرة سعد علي سندبابية فإن المأدبة قد تأخذ شكل الزورق الكبير العائم على سطح البحر بينما يأخذ المدعوّون شكل البحّارة مع فارق كبير بين الفئة المُسترخية والفئة المُرهقة. المأدبات قد تكون صغيرة ولا تتعدى العاشق والمعشوق، وقد تكون متوسطة تضم الأهل والأقارب وبعض الأصدقاء الحميمين، وقد تكون كبيرة جدًا مثل فُلك نوج الذي يضمُّ كل المحبّين الذين لوّعهم العشق فهاموا على وجوههم في الحدائق الغنّاء، والبساتين العامرة، ورمال الشواطئ الذهبية من دون أن يتربّص بهم العُذال أو تلاحقهم النميمة بوجهها الدميم.
ثمة لوحتان جديرتان بأن نتوقف عندهما؛ الأولى أسماها الفنان بـ "الحالمة" وهي كذلك ليس لأنها عائمة على فراش وثير من ورق الأشجار الطازحة، بل لأنها غارقة في حلم رومانسي يأخذها إلى عالَم الحبيب الذي تنتظره على أحرّ من الجمر كلّما غادرها لبعض الوقت فتستحضره في لاوعيها الذي يتأهب في أثناء الرقاد الخفيف. أما اللوحة الثانية التي تبدو عارية ومحتشمة في الوقت ذاته فهي لوحة "الراقصة المتيّمة" التي تخلّصت من ثيابها الخفيفة في أثناء سورة الرقص واختلط شعرها الطويل بثيابها المهفهفة التي تحتفي بهذا الجسد المرن الذي يتسامى كلما اشتدت وتيرة الرقص لتصبح أشبه بطائر يحلّق رويدًا رويدًا في الفضاء.
ملحوظتان أساسيتان في هذه الباقة من اللوحات الباذخة أنّ العيون كلها سومرية، وأن أصابع اليدين والقدمين طويلة، ليّنة، وأن أجساد النساء قد سرقت من الأفاعي حركتها المتمعجة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة أخيرة - الفقرة الثالثة - لقاء حاص مع الكاتب والأديب يو


.. برنامج المواجهة - مِن مَن يعتذر الممثل يوسف الخال؟


.. بيت القصيد | الممثلة اللبنانية ميراي بانوسيان | 2021-04-10




.. كاظم جهاد: تاريخ الفلسفة هو تاريخ الترجمة واستقلالية الإنسان


.. الأدب العربي بين الأسطورة والخرافة في الجزء الثاني مع الأديب