الحوار المتمدن - موبايل


أغاني المهرجانات في مصر والوعيُ الطّبقي المُسْتَتِر

بوناب كمال

2020 / 9 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


في برنامج شيخ الحارة والجريئة ؛ بَرّرَ الملحّن حلمي بكر سببَ رفضه لأغاني وفنّاني المهرجانات بقوله "مع الكثْرة الكثيرة والمُسمّيات الكثيرة، نِبْدأْ نهمل ناس حبّيناهم قبل كذا"؛ وعندما واجهتهُ مقدّمة البرنامج إيناس الدغيدي بحقيقةِ الإقبال الجماهيري على هذا النّوع المُستجدّ من الفنّ، دعَا باستهزاءٍ هذه الجماهير إلى تشكيلِ نقابةٍ مُوازيةٍ لنقابة الفنانين؛ تلك النقابة التي يرأسُها حاليا الفنان هاني شاكر والتي اقتحمَ مقرّها مغني المهرجانات حمّو بيكا في أكتوبر 2019 مُعترضًا على قرارِ منْعهِ من الغناء بحجّة عدم ملاءمة أسلوبه وكلماته للمجتمع المصري.
لا جديدَ في القولِ بأنّ الطبقية لها باعُ رُسوخٍ في المجتمع المصري، وقد لخّصها أحمد فؤاد نجم في كلماته الشهيرة دولة مين، دولة مصر، مصر العشّة ولّا القصر ؛ وعلى غرار باقي القطاعات لم يَشذِ الفنّ على أن يكون طبقيًا، ومن تمثّلاتِ الطبقية الفنّية أن تستميلَ طبقة "المُعتقدينَ في الاختيار" كبار الفنانين إلى صفّها وتُطلق عليها ألقابًا لها دلالاتٌ تمييزية محضة، فـ أمّ كلثوم هي السّتْ وَ عبد الحليم هو معالي الباشا وَ عادل إمام هو الزعيم وَ محمد رمضان هو الأسطورة واليوم يُراد لـ آمال ماهر أنْ تنالَ حظْوةً مماثلة؛ ولن يكون يسيرًا على هذه الطبقة أنْ تستسيغَ اسمًا من قلب الأحياء الشعبية: بيكا؛ الشاب الإسكندراني الأمّي الذي يُقدّمُ نفسه على أنّهُ "مُؤدّي ياكُلْ عِيشْ"؛ سيظلّ بيكا ،ومن هو على شاكلةِ بيكا، منبوذًا منْ مُحتكري الوسط الفنّي في مصر، ليس دفاعًا من هؤلاء على هوية الطّربِ المصري بل لأنّ بيكا ،باسمهِ وطبْعه ومساره، يُمثّل تحدّيًا لتركيبةِ التّفاوت بين البشر في المجتمع المصري؛ وعلى رأيِ بن خلدون فإنّهُ مهما بلغَ سعيُ الفرد واجتهاده في الكسْبِ سيظلُّ عليه مُتعذّرًا أن ينتقلَ إلى مرتبةٍ اعلى في السُّلم الاجتماعي، لأنّ السعادة والكسْب يحصلُ عادةً لأهل الخضوع والتّملّق.
إنّ الوعيَ الطّبقيَ للطليعة الفنّية في مصر هو منْ وعي الطليعة الثورية، أما وعيُ جماهير الأحياء الشعبية فظلّ مُسْتَتِرًا، وكان لا بدّ من تطوّرٍ تاريخي يدفعُهُ بإلحاحٍ إلى دخول المعترك، ذلك ما أتاحَهُ ظرْفُ ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال التي وفّرت مُتنفّسًا لمغنّيي المهرجانات للتعبير عن كيْنونتهم، و لا يمكن لديكتاتوريةٍ طبقية أن تجعلهُ في حُكمِ المَمْحِي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - طبقية و احتكار للرأي أدوات لمنع التغير
نضال الربضي ( 2020 / 9 / 8 - 17:57 )
تحياتي للأخ الكاتب!

شكرا ً لهذا المقال الذي يقول الكثير في سطور قليلة!

منع مطربي المهرجانات من الغناء ليس إلا استعلانا ً لجوهر الثقافة المسيطرة على البلاد الناطقة بالعربية و هي ثقافة: التسلط و الإقصاء.

بيكا و شطة و غيرهم من المطربين يعبرون عن واقع طاغي لا يريد أن يتحدث عنه أحد، لشباب تفور فيهم طاقات الطموح و التطلع و الحب، ينشدون مستقبلا ً يحققون فيه أنفسهم، فلا يجدون أمامهم إلا واقعا ً مُزرياً، فلا عمل و لا أشغال، و إن وجدت لا تكاد تكفي إلا لما هو أساسي يُتحصَّل عليه بالمشقة، و لا حب و لا زواج.

هذا الواقع بعينه هو ما تخاف منه من تعتقد في نفسها أنها النُّخبة، لأن التعبير عنه بالغناء ما هو إلا انفتاح نافذة ٍ يخرج منها فيضُ الألم إلى الخارج، ليبدأ الداخل بالامتلاء بطاقات الإرادة بديلاً، و هي البداية الحقيقية لأي تغير.

الحياة لا تتوقف عند لون ٍ واحد، و لا تنحصر في مساحات محددة، إنما هي فضاء ٌ واسع من الألوان و الاحتمالات و التنوعات و التفاعلات و الجدليات التي تفسح بنفسها لنفسها لتأتي بالتغير.

من لا يفهمون ذلك ينقرضون، هذا قانون الحياة.

اخر الافلام

.. التشيك تصعد أمام روسيا في أزمة الدبلوماسيين


.. خلال 36 عاما.. Google Earth تكشف كيف تغيرت المدن | #أون_ستري


.. الجيش السوداني يؤكد قدرته على حماية الأراضي المستردة من إثيو




.. المعارضة التشادية ترفض الاعتراف بالمجلس العسكري الانتقالي -


.. إسرائيل تخطط لسيناريو تأجيل الانتخابات الفلسطينية