الحوار المتمدن - موبايل


تأملات في أنتفاضة تشرين

باسم المنذري

2020 / 9 / 10
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


للحديث عن انتفاضة تشرين حرّي بنا ان نفهم وندرس الحراك الجماهيري الذي انبثق منذ عدة سنوات والوقوف على أسبابه ومقدماته وافاق تطوره ومن ثم مآله والنتائج المتوخاة التي من المؤمل ان تتحقق منه .
هذه الانتفاضة او الهبة الجماهيرية كما وصفها الحزب الشيوعي العراقي كانت عفوية ، بمعنى انها لم تنطلق برغبة شخص او مجموعة او حزب او بشكل فوضوي كما يصفها البعض من الموتورين بل عفويتها تكمن في عدم تسييسها او تحزبها لجهة ما. وهي نتيجة التراكم الكمي للسخط الجماهيري وتعاظمه الى تحول نوعي للاحتجاج والذي اتخذ اكثر من شكل للتعبيرعنه ، والذي أيضا تفجر جراء تغير التوازن الاجتماعي والسياسي والتمايز الطبقي الواضح بين فئات الشعب.
الهدف الرئيسي للحراك الذي يمكن النظراليه باعتباره اهم ممارسة كفاحية منذ سقوط الدكتاتورية عام 2003 مرتبط بالازمة الاجتماعية والسياسية العميقة والمستعصية وتفاقم معاناة الملايين المأساوية وأستقتال القوى المتنفذة في الدفاع عن امتيازاتها وتمسكها بالسلطة من ناحية ، وبالوعي الثوري وشيوع ثقافة الاحتجاج والمطالبة بالحقوق من ناحية ثانية. (للحزب الشيوعي العراقي دور كبير في تنمية هذا الوعي من خلال أشتراكه المباشر في جميع التظاهرات والاحتجاجات مع قياداته ميدانيا وأعضاء الحزب وجماهيره مع اصدار بيانات ومذكرات داعمة للمطاليب المشروعة للمتظاهرين والمحتجين).
فكانت الأسباب التي دفعت الجماهير للمطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية والمعيشية واسترجاع سيادة البلد عبر خلق توازن سياسي بين الدول المجاورة والعراق وهي بالتالي جميعها مقدمات موضوعية للانتفاضة الهبة الجماهيرية الكبرى والتي سبقتها احتجاجات يومية توسد فيها المحتجون شوارع وساحات الوطن لاسابيع واشهر وسنين .هذه الهبة الجماهيرية لم تكن بمعزل عن فهم وادراك الشباب عن الهدر الذي مورس معهم وهو الهدر في الطاقات الشبابية والهدر في الإمكانيات والهدر المعرفي وهو اخطر أنواع الهدر فبلادنا ليس لها خط فقر اقتصادي فقط بل لها خط فقر معرفي أيضا متدني بنسبة تنذر بخطر تفشي الامية اكثر مما هي عليه اليوم وهذه الامية ليست في مجال القراءة والكتابة وحسب بل في مجالات البحث العلمي الرصين وغيرها.
ان الشباب اليوم في مأزق غير قابل للاحتمال اذ ليس من السهل ان تعطل طاقات شبابية كبيرة طامحة بمثل هذا التعطيل فهو يولد ردود فعل لايمكن توقعها او تلافيها مستقبلا.
حاولت السلطة وقد نفذت ماحاولت بالفعل من خلال اذرعها الخبيثة تشويه صورة الحراك الجماهيري منذ بدايته وكذلك المتظاهرين واتهمتهم بشتى الاتهامات وربطت هذا الحراك وتظاهراته ووثبته الجماهيرية الكبرى بأجندات خارجية مع وصف المتظاهرين والمحتجين بكلمات غير لائقة في محاولة لعزلهم سياسيا عن الجماهير المؤيدة لهم والمتعاطفة معهم وتغيير الانطباع الشعبي العام حولهم.
من هم المنتفضون او ماهي الجذور الطبقية ـ الاجتماعية للمنتفضين
تركيبة الانتفاضة يبرز فيها الشباب لكن ماهو مضمونها من الناحية الاجتماعية ؟
الانتفاضة أساسا انطلقت من الأوساط الشعبية الفقيرة وقد شملت فئات وشرائح اجتماعية لم تكن منخرطة في الإنتاج المنظم ولا في نشاطات اقتصادية منظمة وانما نشاطات (هامشية) أي ان الكثرة فيها من الشباب يمارسون اعمالا غير مستقرة. فمعظمهم من أصحاب البسطيات والكسبة والعمال الاجراء والعاطلون عن العمل ومن مناطق تفتقر الى ابسط الخدمات وبمختلف اشكالها .
اما من الناحية الطبقية يمكن القول ان القوى الرئيسية المحركة للانتفاضة هم هؤلاء، والذي همشوا في عملية توزيع الريع النفطي ، وهم ابرز الضحايا من ناحيتين :
الاولى ناحية توزيع الريع النفطي الذي يفترض ان يحصلوا عليه عبر بعض المساعدات البسيطة او حتى على شكل خدمات التي هم محرومون منها أصلا ،على اعتبار ان الريع النفطي يصل الى عموم المواطنين عن طريق الخدمات كالصحة والتعليم والبنى التحتية .
هذه الشرائح غائبة في هذا التوزيع وهي أيضا في الوقت نفسه ضحية الفساد وتداعيات نهج المحاصصة الطائفية والاثنية النهج الذي ادانه الحزب واشر سلبياته وماسببه من أزمات مستفحلة ومستعصية لكن هذا النهج له قوى مستفيدة منه.
سمات الانتفاضة..
انتقل التعبير عن الاحتجاج الجماهيري الواسع من بعض المطالب التي تبدو للوهلة الأولى انها فئوية كمطالبة الشباب بالتعيين مثلا او إيجاد فرص عمل للعاطلين ،انتقل هذا التعبير الى مدى أوسع ،هو المطالبة بتوفير الخدمات العامة كالكهرباء مثلا وتفعيل الصناعة والزراعة وحفظ الحدود واهدار المال العام في تهريبه او الاعتماد على الاستيراد وما الى ذلك.
وتحولت هذه الشعارات الى شعارات وطنية اكثر من ان تكون مطاليب مختلفة وهي معروفة للجميع وبالتالي رفع المتظاهرون والمحتجون شعار (نريد وطن) ...ملخص هذا الشعار هو كل ماذكرت أعلاه من سيادة وحفظ كرامة المواطن والعيش برفاهية والخ...
ان ماحدث في الأول من تشرين عام 2019 هو ان هذه التناقضات جميعها تفجرت في آن واحد ومن المعروف في تاريخ الثورات والانتفاضات ان الأحزاب والقوى المنظمة الأخرى هي التي تلعب الدور المتميز في حشد هذه القوى وحشد طاقاتها السياسية. اما اليوم فليست الأحزاب هي التي من قامت بذلك لاسباب عديدة.
لكن الأوضاع الحالية والتفكك الذي أصاب المجتمع العراقي وتعطل جزء هام من أطره الإنتاجية نتيجة الضعف الذي أصاب الصناعة والزراعة كما ذكرنا ومرافق الدولة وبناها التحتية والمعضلات الناتجة عن نظام المحاصصة الطائفية والاثنية الذي أدى الى: كل المآسي التي تطحن رحاها الملايين ..انحدار المجتمع على مختلف المستويات ..الصراع على الامتيازات والمال ..الارتياب بين القوى السياسية ..عواقب الإرهاب ووحشية داعش ..فوضى التدخلات الخارجية وانتهاك السيادة الوطنية.. تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية... الضائقة المعيشية وتعاظم جيش العاطلين.. تفاقم معضلة النازحين والمهجرين ..واخيرا وليس اخرا تمزق النسيج الاجتماعي ..هذه الأمور هي التي حفزت الشباب للانتفاضة المجيدة وتفجرها بهذا الشكل.
كل الذي جرى هو في حدود العفوية ، لكن من الخطأ الجسيم وضع العفوية في معارضة التنظيم ، فهناك علاقة ديالكتيكية بين هذين العاملين في الحراك الشعبي (الانتفاضة).
كما انه لايوجد شيء اسمه عفوية مطلقة ، ففي كل فعل لابد ان يتناخى فصيل من الناس ويبادروا الى القيام بهذا الفعل حتى وان بدا غير منظم او غير مترابط ،وهو مايعني انه لايمكن ان يكون هناك حراك دون قيادة له وهو ماعبر عنه غرامشي: (في كل حركة عناصر قيادة وانضباط). في هذا الحراك الانتفاضة برز افراد يتمتعون بالخبرة السياسية وقادة أيضا اخذوا على عاتقهم مهمة تنظيم الاحتجاج ، وهو مايذكرنا أيضا بتأكيد غرامشي على حقيقة :
( ان كل حراك عفوي يتضمن عناصر أولية للقيادة الواعية والتنظيم تتجلى بشكل غير مباشر)
ومع ذلك نلاحظ ان هناك نقد يوجه لهذه الانتفاضة او الحراك الشعبي الواسع بشأن افتقاده الى القيادة الواضحة وهو ماينطوي على قدرغير قليل من الصحة فحظوظ نجاح الانتفاضة محدودة بتحسن ادارته والتوصل الى فرز قيادة جماعية مكانيآ وزمانيآ على صعيد كل محافظة وعلى الصعيد الوطني .
وقد تبلور في هذا الحراك الانتفاضة نمط تنظيمي سميَ (التنسيقيات).
في الماركسية دار نقاش مديد حول المشاركة في الثورات العفوية وكانت وجهة نظر ماركس تؤكد ان المشاركة ضرورية حتى وان كان جليآ ان الثورة فاشلة. لأن الهدف هو
(تدريب الشعب على الثورة) او الارتقاء به الى خوض معركة ظافرة.
وهو ماعبر عنه ماركس ايضآ بأعجابه الحماسي ببطولة ثوار كومونة باريس الذين (هبوا لاقتحام السماء) حسب تعبيره . بل رأى في هذه الحركة الثورية على الرغم من اخفاقها في تحقيق غاياتها خبرة تاريخية ذات أهمية عظمى وخطوة عملية أهم من مئات البرامج والمناقشات.وهي احدى دروس كومونة باريس...
نقطة أخرى جديرة بالطرح ان الحراك اسهم في تأسيس وعي مدني ديمقراطي جديد يتبنى فكرة العدالة الاجتماعية على نطاق واسع وهذا تطور بالغ الأهمية في اطار الوعي والحركة الجماهيرية وقد شكل انتقالة نوعية في الموقف من كل العملية السياسية الجارية في البلد وكشف عن قناعة بأن نظام المحاصصة مرفوض وبات مفهوم التغيير يتجلى في الحديث عن حكومة بديلة، وجوهر المسألة ان الحكومات التي تشكلت سابقا لم يعد مقبولا إعادة تشكيلها على نفس الأسس والانماط السابقة القديمة. ورغم حالات تباين حركة الاحتجاجات وصولا الى الانتفاضة صعودا ونزولا وفق خط بياني مرهون بأحوال البلد السياسية الا انها اتخذت صفة الديمومة .حيث تواصل المحتجون بأحتجاجهم ورفع سقف مطاليبهم وصولا الى ماذكرنا انفآ من التغيير الشامل لبنية العملية السياسية الخاطئة منذ تشكيلها بعد 9/4/2003 . ومن نافل القول انه لم تظهر قوة استطاعت ان تبرر إيقاف الحراك او معارضة طروحاته لانها بالأساس مشروعة وملامسة لمتطلبات الواقع وحاجات الناس، لذلك هذا الحراك يحمل عناصر ديمومته طالما لم يجر تحقيق المطالب.
ومن الأمور الأخرى التي أسهمت في ادامة زخم الانتفاضة هي اعتمادها على المبدأ الغاندي واقصد بذلك السلمية ، والسلمية هنا لاتعني الاستسلام او الخنوع او القبول بكل مايصدر من الطرف المقابل من عنف وقسوة اتسمت بالتخوين والاختطاف والقتل والترغيب والترهيب رغم تصاعد نبرة الدعوة الى تسليح المتظاهرين بحجة الدفاع عن النفس وهذا فخ كبير لجر الانتفاضة الى منزلق الحرب الاهلية وبالتالي إنهائها تماما واسقاطها شعبيا وجماهيريا .
ان مبدأ السلمية الذي اعتمده المنتفضون واصروا عليه وجه ضربات قوية اسقطت فيها حكومة عادل عبد المهدي وكشفت زيف ادعاءات ووعود الحكومات بالإصلاح وسن القوانين التي تخدم المجتمع وما الى ذلك. ناهيك عن فضح الميليشيات التي تسترت باسم الحشد والدفاع عن العراق وما الى ذلك ، حيث اثبتت تبعيتها وذيليتها الى اجندات خارجية تحاول بكل الوسائل والسبل إنهاء هذه الانتفاضة رغم انها (الانتفاضة) دفعت بمئات الشهداء والاف الجرحى والمختطفين والمغيبين قسرآ وهو أمر لم يحصل في أي دولة بالعالم.
وبالتالي فأن الطابع السلمي للانتفاضة مصدر قوة وقطع الطريق امام تلك القوى التي كانت تسعى وماتزال بالطبع الى تحجيم الحراك والنيل منه ، فلم يوفر المنتفضون أي مبرر لهذه القوى لتحقيق مآربها بل سعوا الى تطويق محاولات السلطة ومنع إجراءاتها المعيقة واليائسة لتوسيع الانتفاضة وزخمها. وأصبح موضوع سلمية الانتفاضة منهجآ وهدفآ بحيث صار أساسا للانتقال الى اشكال أخرى من الاحتجاج . واصبح صيرورة وحالة متحركة متجددة ..
ماهي آفاق الانتفاضة ومآلها ..
مازالت الانتفاضة مستمرة ولاتزال آفاقها محملة بأحتمالات إيجابية وبأحتمالات التراجع ايضآ،
وبالتالي امامها فرص وتحديات ، الفرص تتمثل في تقدم الانتفاضة نحو إحداث تغييرات عميقة، والتحديات في كون هذه الفرص وهذه النجاحات لاتتحقق إلا بأستكمال بعض الشروط التي يصعب في حال توفرها على الدولة والقوى الحاكمة أن تقمعها أو تجهضها أوتحتويها ، هذه التحديات تحتاج الى رؤية برنامجية إذ يجب تفكيك ماهو موجود ومايجب ان تضع محله، وأيضآ إدخال عنصر التنظيم داخل الحركة الانتفاضة رغم انها كما ذكرت أوجدت لنفسها منذ انطلاقتها أشكالا ملموسة من التنظيم على الصعيد اللوجستي من إدارة لساحات التظاهر وتوحيد المواقف عبر ماسميت بالتنسيقيات.
في هذه اللحظة السياسية يجب ان نتعرف على إمكانيات الانتفاضة بمعنى ان لا تتوقف عند ماتحقق ، وانما أيضا مايمكن ان تحققه الانتفاضة إذا ماتوفرت لها شروط النجاح . وهذه الشروط قابلة للتحقيق لاسيما تلك المتعلقة بتوفير اشكال فاعلة للتنسيق بين مفاصل الانتفاضة المختلفة.
إذن يتوجب تحديد الخطوات المطلوبة للعمل بهذه الوجهة مع كل القوى التي تشارك في الانتفاضة.
(فليس كافيا أن تكون لديك أفكار ، إنما كيف تجيد تحويلها الى قوة مادية)
الان تبلور أكثر فأكثر مايريده المنتفضون وإحدى القضايا المهمة التي يمكن المساهمة فيها عدا الجانب التنظيمي هي انه اذا كان المنتفضون يريدون العدالة الاجتماعية فعلينا ان نقول أي نظام سياسي يحقق هذا الهدف؟ وما طبيعته الاجتماعية ـ الاقتصادية؟ نظام السوق الحر والاقتصاد الحر القائم الان لايؤدي الى العدالة الاجتماعية فهو بعيد عن تحقيق هذا الهدف .
لهذا يجب ان يكون مستوى الحديث عن أي شكل من النظام هو المطلوب؟ واي نوع من الاقتصاد؟ واي نوع من التنظيم الاجتماعي ؟ هذه القضايا ليست واضحة لدى كثير من الناس لانها مغطاة بقضية الفاسدين الذين هم في مقدمة الصورة ، ويبقى السؤال ماذا يكمن وراء هؤلاء الفاسدين؟ ماهو النظام الذي يعملون عليه؟ هذا أيضا يجب التفصيل فيه..
عليه يجب ان تحتفظ الانتفاضة بالمبادرة وتحاول تحقيق نجاحات حتى ولو كانت جزئية لادامة المعنويات العالية وزخمهم النشاط العالي والقدرة التعبوية المستمرة. وأن تكون هناك خارطة طريق واضحة أولها كما ذكرت السلمية ومقاطعة الأحزاب والمقصود بالاحزاب هي أحزاب السلطة المتنفذة والمتصدرة المشهد السياسي ، بمعنى تحييدها وعزلها اجتماعيا ، وإيجاد مناخ سياسي يطرح المشروع العراقي الوطني بنزع شرعية هذا النظام وجعله ينتقل الى العالمية لان هذا النظام اليوم هو عالميا شرعي ومعترف به. وهذا يتم عبر عقد مؤتمر عام تتمثل فيه جميع التنسيقيات مع القوى المدنية المتطلعة بحق للتغيير وتشكيل جبهة تضم الجميع للتهيئة والاعداد بالاشتراك في الانتخابات المبكرة القادمة لتغيير موازيبن القوى داخل قبة البرلمان والقرار السياسي ...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءات ماركسية🌹 د. محمد دوير (٢) موجز تكوين ال


.. سلسلة قراءات ماركسية 🌹 مع د. محمد دوير (١) لما


.. نظرية كنَت الجمالية وأثرها في الفن التشكيلي, د, غسان ابو لبن




.. كندا.. الليبراليون بقيادة جاستن ترودو يفوزون في الانتخابات ا


.. أدمينو: المجلس الوطنى لحزب الاتحاد الاشتراكى فى المغرب لم يد