الحوار المتمدن - موبايل


وهمُ الأيديولوجيا: المنافسةُ الأمريكية ل الصين لا ترتبط بالعقيدة

بوناب كمال

2020 / 9 / 10
السياسة والعلاقات الدولية


مجلة فورين أفيرز - إلبريدج كولبي وَ روبرت كابلان - 4 سبتمبر 2020- ترجمة بوناب كمال
رغم أن التوافق بين حزبيْ الولايات المتحدة الأمريكية قد يكون شاذًا هذه الأيام، غير أنّ الطرفان يشتركان في نقطة ما: قلقٌ عميق بشأن الصين؛ ففي مؤتمر ميونيخ للأمن ،وعندما سُئلت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي عنْ ما إذا كانت تتّفقُ مع سياسة الرئيس ترامب تجاه الصين، أجابت بجفاء "لدينا اتفاق في هذا الصّدد". أقرّ الكونغرس بسهولة التشريع الدّاعم لـ هونغ كونغ وتايوان، وخلافًا لما كان عليه حال الماضي يبدو أنّ الصين لديها اليوم عدد قليل من الأصدقاء ، إنْ وُجدوا أصلا، في أروقة السلطة بـ واشنطن.
يتشكّل اتفاقٌ واسع ،عبر الطّيف السياسي، حول سبب تشكيل الصين تهديدا للولايات المتحدة؛ فبالنسبة للكثير يرجع ذلك ،قبل كل شيء، إلى أنّ الصين دولة قمعية بحزبٍ واحد، يحكمها إطارٌ ماركسي لينيني، اكتسبَ زعيمه (شي جين بينغ) صلابةَ شخصيةٍ أكثر من أي شخص آخر في بكين منذ ماو تسي تونغ؛ انتقدتْ كل من إدارة ترامب والمرشح الرئاسي للحزب الديمقراطي جو بايدن الصينَ بسبب سجلها المريع في حقوق الإنسان، والذي يتضمّنُ ،من بين أعمال وحشية أخرى، وضع مليون مسلم من الأويغور في معسكرات الاعتقال؛ كتبَ المفكّريْن الرّائديْن في السياسة الخارجية المتحالفيْن مع الحزب الديمقراطي كورت كامبل وَ جايك سوليفان "قد تُمثّلُ الصين في نهاية المطاف تحدّيًا أيديولوجيا أقوى مما فعله الاتحاد السوفياتي...إنّ دمْج الصين للرأسمالية الاستبدادية والمراقبة الرّقمية أكثرُ ديمومةً وجاذبية من الماركسية".
الانتقادات التي طالتْ الصين صحيحة؛ إنّ الولايات المتحدة في منافسة جادة مع الصين بشكل استثنائي ما يتطلّبُ منها اتخاذ موقف متشدّد على جبهات متعدّدة؛ ولا ينبغي لـ واشنطن أن تخجل أبدا من احترامها لكرامة الإنسان؛ لكن ،حتى ولو اعتقدت عناصرٌ من النخبة اللينينية ـ الماركسية خلاف ذلك، فإنّ الأيديولوجيا ليست هي مربطَ المنافسة بين الصين والولايات المتحدة؛ إنّ حجم اقتصاد الصين وسكّانها وكتلتها الأرضية ،وما يترتّبُ عليها من قوة، منْ شأنه أن يسبّب قلقًا عظيما لصانعي السياسات في الولايات المتحدة؛ إنّ النّظر إلى هذه المنافسة على أنها أيديولوجية في المقام الأول سوف يُسيءُ فهم طبيعتها، ممّا يؤدّي إلى نتائج كارثية.
مصادر السّلوك الصيني
الصين دولة عظمى تأملُ في ترسيخ مكانةِ هيمنةٍ على آسيا والتي أصبحت الآن أكبر سوق في العالم؛ وعلى الرغم من أنّ الحزب الشيوعي الصيني أكثر أيديولوجية مما يُقرّ به الكثير، إلا أنّ دوافع بكين في السعي وراء هذه الأهداف ليست أيديولوجية بنفس القدر.
من المحتمل جدّا أن تسعى الصين إلى إنشاءِ منطقة تجارية إقليمية تكون مناظرةً لنظام الجزية الذي وضعَ الصين في قلب شرق آسيا من القرن القرن الرابع عشر إلى القرن التاسع عشر؛ وستكتسبُ الصين ميزةً هائلة في تشكيل منطقةِ سوقٍ كبيرة تتوافقُ مع معاييرها وتعود بالفائدة على عُمّالها وشركاتها؛ كما أنّ دافعها للهيمنة له مُحرّكٌ إستراتيجي، فلطالما شعرت الصين بحاجتها لسياجٍ حليفٍ في مواجهةِ الولايات المتحدة ومنافسين آخرين؛ وهي الآن تعتزمُ إجبار الدول المجاورة على أخذِ شارتها الأمنية من بكين، وبعد "قرن من الإذلال" تتوقُ الصين إلى الوقوف شامخةً وتأكيد قوتها في آسيا وما وراء آسيا.
مهما كانت تطلّعات الصين طبيعية، فإنّ لـ الولايات المتحدة مصلحةً أوليةً واضحةً للغاية في منع الصين من تحقيقها؛ فالقدرة على التجارة والمشاركة اقتصاديًا مع آسيا هو اهتمامٌ أساسي بالنسبة للأمريكيين؛ ولا يمكن للولايات المتحدة أن تُستبعدَ ببساطة أو تتعرّض للتمييز بشكلٍ خطير في هذا السوق الشاسع الذي ما زال ينمو؛ وإذا حدثَ ذلك فستتمكّنُ الشركات الصينية من الوصول إلى حصّةٍ سوقية أكبر متجاوزةً ،وبشكلٍ متزايد، الشركات الأمريكية، وستصبحُ الولايات المتحدة فريسةً للضغط القسري الصيني، ما يجعل الأمن والازدهار الأمريكي عُرضةً للخطر.
لحُسن الحظّ؛ فإنّ العديد من الدول الأخرى ،في آسيا وخارجها، تريد هي أيضا ضمان عدم تمكّنِ الصين من الهيمنة على المنطقة؛ تأخذُ هذه الدول تلاوينًا متمايزة، من اليابان وأستراليا إلى الهند وفيتنام؛ كلّهم، وبغضّ النّظر عن ترتيباتهم المحلّية، يشتركون في الحفاظ على استقلاليتهم عن النفوذ الصيني المهيمن؛ وبقيادة الولايات المتحدة سيكون في مقدور هذه الدول أن تُشكّل تحالفًا معًا لعرقلة محاولة الصين السيطرةَ على آسيا.
العَدسةُ الخاطئة
سيكونُ بناءُ التحالف السابق صعبًا في حالةِ ما أصرَّ صانعو السياسة في الولايات المتحدة على اعتبار المنافسة مع الصين أيديولوجيةً في المقام الأول؛ والأسوأ من ذلك يمكنُ أن يؤدّي هذا الفهم إلى نتائج سلبية غير مُتوقعة؛ فالصراع الأيديولوجي يضعُ المنافسَ في قفصٍ وُجودي ما يزيدُ من حِدّته ومخاطره بشكلٍ أكبر؛ كما أنّ المنظور الأيديولوجي يستوجبُ عملَ الولايات المتحدة على تغيير نظام الصين، وبالتالي إعطاء بكين المزيد من الحجج للذهاب إلى مسافاتٍ كارثية مُحتملة بُغية تجنّب الهزيمة؛ وتكمنُ الحقيقة في قدرة الولايات المتحدة على التعايش مع الصين بنسخةِ حُكم الحزب الشيوعي طالما أنها تحترمُ مصالح الولايات المتحدة ومصالح حُلفائها وشُركائها.
يمكن لوجهةِ النّظر الأيديولوجية المُفرطة أن تُعيقَ إمكانية وجود علاقة أكثر استقرارا، خاصة إذا كانت الصين بقيادة الحزب الشيوعي مستعدّة لاحترام المصالح سالفة الذّكر؛ وفعلًا؛ لقد سبقَ للأمريكيين أن سلكوا هذا الطريق، ففي عام 1954 رفض وزير الخارجية جون فوستر دالاس ،في حادثة شهيرة، مصافحةَ رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي، وهو مثالٌ على الموقف الذي ساهم في فشل واشنطن في استغلال الانقسام الصيني ـ السوفييتي؛ إلا أنه ومن ناحيةٍ أخرى، وبعد ثمانية عشر سنة، تفاوض الرئيس ريتشارد نيكسون ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر مع ماو وَ زهو في خضمّ الثورة الثقافية لفتحِ جبهة جديدة في المنافسة مع الاتحاد السوفييتي، كما أرسلَ جورج بوش مستشار الأمن القومي برنت سكوكروفت للتفاوض مع الصين بعد شهرٍ واحد من أحداث ميدان تيانانمين عام 1989؛ لقد أدركَ هؤلاء القادة الأمريكيون أنّ الإصرار على التّوافق الأيديولوجي أو الانتصار التام ،في منافسة القوى العظمى، هو مهمّة حمقاء ودعوةٌ إلى كارثة.
إنّ تفسير المنافسة ، أساسًا، على أنها أيديولوجية يميلُ إلى تحويلِ كلّ اضطرابٍ في بلدٍ آخر إلى اختبارٍ للنظام السياسي الأفضل، ما يفاقمُ من أهمية الأحداث التي هي هامشيةٌ في الأصل؛ ففي الحرب الباردة ساهمَ هذا النوع من التفكير "دعمُ أيّ صديق" في جرّ الولايات المتحدة إلى "كابوسها القومي الطويل" في فيتنام، حيث خاضت حربًا لم تكن ضرورية لإنكار الهيمنة السوفييتية على المناطق الصناعية في أوروبا وآسيا.
إنْ كانت الولايات المتحدة تنظرُ إلى الأمور من منظورٍ أيديولوجي بحت، فسيكون مستعصيًا عليها أن تتعامل مع دولٍ أقلّ ديمقراطية أو غير ليبرالية في المنطقة الحَرجة من جنوب شرق آسيا، وإنّ المبالغة في التأكيد على الأيديولوجية في المنافسة مع الصين من شأنه أن يَحُولَ دون التعاون مع فيتنام والهند وماليزيا أو يخاطرَ بعزلها؛ كما أنّ تصوير المنافسة على أنها أيديولوجية هو خيارٌ خادعٌ يؤدّي إلى خطر الانغماس في الأمل الوهمي بأنه بمجرّد انتشار الديمقراطية الليبرالية في العالم ستنتهي المنافسة الإستراتيجية وسيتأتّى للولايات المتحدة أن تتعاون بشكلٍ سلمي مع الدّول ذات التفكير المُماثل في عالمٍ آمن؛ يُثيرُ هذا الأمل الزّائف تنبؤات غير واقعية تحلّ محلّ واجب إعداد الأمريكيين لعُدّةِ المشاركة والمنافسة المستمرّة في السياسة العالمية.
كان من المُفترض أن يكون انهيار الاتحاد السوفياتي ،والمسارُ اللّاحقُ لـ روسيا، قد علّمَ الأمريكيين أنه حتى ولو استسلمَ هذا الخصم الهائل المعارض أيديولوجيًا وغيّر نظامه السياسي، فإنّ التحوّل المحلّي لا ينْفِ بالضرورة التوترات الإستراتيجية الأساسية؛ قدْ تكون روسيا المعاصرة أشدَّ معارضةً للغرب مما كان عليه الاتحاد السوفياتي في الثمانينات بعد الانفراج واتفاقيات هلسنكي وَصعود ميخائيل غورباتشيف.
هرميةُ الاحتياجات
في وقتٍ مبكّر من الحرب الباردة، واجهتِ الولايات المتحدة مُفترقَ طُرقٍ مماثل؛ حيث اتّخذ الرئيس دوايت أيزنهاور موقفًا مشدّدا من الاتحاد السوفياتي، لكنه نُصحَ بضرورة أن يكون انتقائيًا في المواجهة، ويُوجّهَ السياسة الخارجية الأمريكية نحو "الطريق الوسط"، في مقابل ذلك آمن آخرون ، مثل مؤلّفي NSC-68 بمقاربةٍ شاملة ومُمنهجة لمواجهة الاتحاد السوفييتي، وهي القناعة التي ورّطت الولايات المتحدة في فيتنام؛ واليوم تَمرُّ واشنطن بمُنعطفٍ مماثل في صراعٍ جديد على القوة العظمى، وعليها أن تختار موقفًا مشابها لموقف أيزنهاور.
نحن لا نقترحُ سياسةً واقعية أحادية البُعد؛ يجبُ على الولايات المتحدة أن تدافع عن الحرية والحكم الجمهوري والكرامة الإنسانية؛ إنّ الدّفاع عن هذه القِيم سيجذبُ الآخرين في جميع أنحاء العالم إلى راية الولايات المتحدة، ويوفّرَ قوةً محفّزة للجهود الجماعية، ويجب أن نُدرك أنّ بكين نفسها تُفكّر من منظورٍ إيديولوجي جوهري، حتى ولو لم تكن المنافسة ،في الجوهر، حول الأيديولوجيا.
رغم ذلك؛ تتألّفُ السياسة الخارجية من تسلسلٍ هرمي للاحتياجات؛ السياسة الخارجية ـ وخاصة في الجمهورية ـ يجب أن تخدمَ مصالح مواطني الدولة؛ قد يرغبُ الأمريكيون في أنْ تُصبح الصين مجتمعًا أكثرَ حرية وعدلًا، إلا أنّ حكومتهم لا ينبغي أنْ تكون مسؤولةً عن تحقيق ذلك، لا سيما إذا ما تمّتْ مراعاةُ التّكاليف والمخاطر النّاجمة عن متابعة صراعٍ أيديولوجي مُفرط مع بكين؛ في مقدور الولايات المتحدة ،ويتوجّبُ عليها، أن تؤكّدَ على احترام كرامة الإنسان والحقوق السياسية كطريقةٍ لتمييز نفسها عن الصين، لكن يجبُ على صانعي السياسة الحفاظ على منظورٍ واضح وأنْ يكونوا انتقائيين،خاصةً إذا ما كان مؤشّر المخاطر عاليًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحصاد - إسرائيل تعترف بفشلها في اعتراض الصاروخ السوري وإيرا


.. انطلاق قمة المناخ.. والتزامات كثيرة متوقعة | #غرفة_الأخبار


.. كورونا.. القلق من متحورة الهند | #غرفة_الأخبار




.. قضايا المناخ.. تحديات ملحّة أمام العالم واستحقاقات ضاغطة | #


.. حزب الله يطلق حملات لتحصين أنصاره من تداعيات الأزمات