الحوار المتمدن - موبايل


حكايات ودلالات

محمد أحمد الزعبي

2020 / 9 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


02.02.2015
10.09.2020
الحكاية الأولى :
شاأت الظروف أن تتزوج إحدى السوريات من شاب سوري ، كان يدرس ويعمل في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد رزق الزوجان طفلة أسمياها (...) . عندما بلغت الطفلة سن الوعي المبكر ( ولنفل 5 سنوات ) ، أدخلتها أمها إحدى مدارس الأطفال في حيهم السكني في كالفورنيا آنذاك .
لقد تفتح وعي الطفلة عملياً على التواصل الهاتفي المستمر بين أمها من جهة ، وبين جدها وجدتها ، اللذان كانا يقيمان وبعملان في اليمن من جهة أخرى ، وبالتالي فإن هذه الطفلة ( وبحدود وعيها كطفلة ) قد ظنت أن البلد الذي تنتمي إليه أمها هو اليمن . ولذلك عندما سألتها معلمتها الأمريكية ذات يوم : من أي بلد أنت ياصغيرتي ؟ ، اجابت بدون تردد من اليمن (!) ، فقالت لها المعلمة ، ولكن اليمنيين سود ، وأنت شقراء ، فهل أنتم من يهود اليمن ؟ أجابت الطفلة وببراءة : ربما أكون يهودية ، وعلي أن أسأل أمي عن هذا الموضوع . وعندما عادت الطفلة إلى البيت ، سارعت إلى سؤال أمها : ماما هل نحن يهود ؟ أجابتها أمها ، لا ياابنتي ، نحن مسلمون ، ولكن لماذا تسألينني هذا السؤال ، وهنا قصت الطفلة على أمها كامل الحكاية .
عندما أتذكر هذه الحكاية ، التي قارب عمرها ربع القرن ، أتذكر أمران مرتبطان ومترابطان معها ، هما :
الأول هو حديث النبي (ص) : كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) ، وواضح أن مضمون هذا الحديث النبوي الشريف ، ينطبق عملياً وواقعياً على كافة الأديان السماوية والأرضية على حد سواء.
أما الأمرالثاني فهو ، الحالة المؤلمة والمؤسفة التي أوصلنا إليها نظام عائلة الأسد ، والتي بات معها لايعرف أطفالنا لاإسم بلدهم وبلد والديهم ، ولا يعرفون إلى أي دين ينتمي هذان الوالدان ، وبالتالي إلى أي دين ينتمون هم . ألا تبّاً لهذا النظام الطائفي الفاشي البغيض الذي أوصلنا وأوصل أطفالنا إلى هذه الحال المؤلمة والمؤسفة . مع اعترافي واعتزاي بان جميع ( بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ) ، ولاسيما أن أجدادنا الغساسنة ( الجذور ) قد قدموا أصلاً إلى سورية من اليمن كما هو معروف ..

الحكاية الثانية :
بعد أن نفذ حافظ الأسد حركته " التصحيحية / بل التضليلية !!" بتاريخ 16.11.1970 ، وزج رفاقه وشركاءه في حركة 23 شباط 1966 في سجن المزة العسكري (لم أكن بين المسجونيين لأنني كنت قد غادرت سفينة قيادة الحزب منذ 26.03.1967 ) ، قمت بزيارة أحد أصدقائي من قيادة 23 شباط 66 ، والذي لم يكن قد زجه حافظ الأسد مع الآخرين في السجن بعد . بادرني هذا الصديق والرفيق بالقول ، أو تظل تتهمنا يامحمد بالطائفية ، وهذا حافظ قد زج أعضاء القيادة وبينهم فلان وفلان في السجن ؟ ، قلت له ( مازحاً ) سيظل اتهامي لكم قائماً ، إلى أن تقابلوا انقلاب حافظ العسكري عليكم ، بانقلاب عسكري عليه ، قبل أن يقوم هو بتسريح ( جماعتكم ) من الجيش . أجابني هذا الرفيق والصديق ( البعثي) ، بأن حافظ لايستطيع تسريح ( جماعتنا ) من الجيش ، ولما سألته عن السبب ، أجاب ، بأن حافظ يعرف أن تسريح "جماعتنا " من الجيش ، سوف يجعل الغلبة في الجيش ل " جماعة العراق " (!!) . وهنا أدرك شهرزاد الصباح وسكتت عن الكلام المباح ( !!) .
ذكرتني هذه الحكاية بما كتبه المرحوم سامي الجندي ، من أن حركة 23 شباط هي حركة طائفية قبل أن تكون حركة يسارية ، وذكرتني أيضاً بالمثل الشعبي الذي يقول : ( أنا وأخي ضد ابن عمي ، وأنا وابن عمي ضد الغريب ) والغريب هنا هو ( السنّي).
إن هذا لايعني بحال أنني أضع جميع أعضاء قيادة حركة 23 شباط في سلة واحدة ، وإلاّ فسأكون من الذين يسوون بين القاتل والمقتول ، وبين المسجون والسجّان ، وبين اليساري الصادق ، واليساري الكاذب ، وهذا بغض النظر عن النسبة المئوية من المسؤولية التي يمكن أن يتحملها كل من الطرفين : ( جماعتنا ) و ( جماعة العراق )، فيما وصلت إليه بلادنا اليوم .

الحكاية الثالثة :
عملت في العامين الدراسيين 1976 / 1977 و 1977/ 1978 في جامعة بغداد ، ولأسباب لامجال لذكرها هنا ، تقدمت في نهاية العام الدراسي الثاني باستقالتي ، وانتقلت للعمل في جامعة عدن كمدرس لمادة علم الاجتماع . أعطيت وعائلتي سكناً معقولاً في منطقة خورمكسر، دخل أولادي المدرسة ، وبدأت عملي الجامعي . لقد فوجئت في مكان عملي الجديد ( جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية / اليمن الجنوبي ) ، بظاهرة غريبة، ألا وهي ، وجود تعليمات رسمية تمنع اختلاط اليمنيين ب " الأجانب " ، وكان مفهوم الأجانب في ذلك الحين ، لايشمل مواطني الاتحاد السوفييتي ،ولكنه يشمل بصورة أساسية المواطنين العرب ، وخاصة الأساتذة والمعلمين العراقيين الذين كانوا يعملون في اليمن الجنوبي ( وكانوا بنظرالرفاق اليساريين اليمنين يعملون على نشر أفكار حزب البعث في جنوب اليمن ) وهنا تبدأ الحكاية الثالثة ، والتي هي ـ فعلياً ـ أربع حكايات وليست حكاية واحدة :
1.رغبت زوجتي أن تلتحق بدورة مسائية لتعلم اللغة الإنجليزية في إحدى المدارس بعدن ، وقد عرفت زوجتي بموضوع هذه الدورة المسائية ، من " بنت الجيران " التي كانت بدورها ترغب في الالتحاق بهذه الدورة ، عرضت على جارنا ، أن تذهب ابنته مع زوجتي إلى المدرسة ، حيث سأوصلهما معاً ثم أعيدهما بسيارتي ( لم يكن لديهم سيارة )، وافق الجارعلى هذا العرض ، وبعد الإجراءات بدأت أوصل زوجتي وصديقتها إلى المدرسة ، ثم أعيدهما إلى البيت بعد انتهاء الدوام المسائي . في اليوم الثالث أو الرابع، اعتذرت الجارة عن الذهاب، استفسرت عن السبب من والدها، فقال لي: لقد طلب رجال الأمن منها ألاّ ترافق الأجنبية ( بالجيم المصرية ) إلى المدرسة ، لأن في هذا خرق لقانون عدم الاتصال بالأجانب ، والأجنبية المعنية هنا هي زوجتي العربية السورية (!!) .
2. كان إبني ( ... ) عندما التحقت بجامعة عدن طالبا في صف البكالوريا ، وتعرف في المدرسة على صديق يسكن في نفس حارتنا ( خور مكسر ) ، فكانا يترافقان إلى المدرسة ذهاباً وإياباً ، وذات يوم أوقف حرس أحد المسؤولين اليمنيين (لاأريد ذكر إسمه ) ، الطالب اليمني الجنوبي ، الذي كان مع ابني ، وطلبوا منه ألاّ يخالف التعليمات الرسمية ويسير مع شخص " أجنبي "( مرة أخرى بالجيم المصرية ) ولكن هذا الطالب جادلهم ، في أنهم رفاق صف دراسي واحد ، ومنطقة سكنية واحدة . وهنا انهالوا عليه ضرباً ومزقوا قميصه ( رأيته بعيني ) ، الأمر الذي جعلني أتصل هاتفياً بالسيد علي ناصر محمد الذي كان رئيساً للجمهورية آنذاك ، ورويت له ماجرى مع صديق ابني ، واعتبار حرس ذلك المسؤول أن ابني أجنبياً ( !!) ، وينطبق عليه قانون عدم الاتصال بالأجانب ، فوعدني أن ينظر في الأمر (!!).
3. لم تكن جامعة عدن تبعد سوى بضع مئات من الأمتار عن البيت الذي كنا نسكنه ، وذات يوم بينما أنا في طريقي إلى الجامعة ، التف حولي عدد من الصغار الذين كانوا يلعبون في الشارع ، ظانين أني " سوفييتي " ، وشرعوا يخاطبونني بكلمة (صديك / صديق ) ، فوجئ الصغار ، بأن رددت عليهم باللغة العربية ، وهنا صاحوا جميعاً بصوت واحد " مترجم " ( بالجيم المصرية ) ، أي أن " الآخر " بالنسبة لهؤلاء الصغار بات أحد شخصين ، إما صديك أو مترجم (!!) ، أما العرب والعروبة واللغة العربية ، فقد كانوا في تلك الفترة ، ومع الأسف الشديد ، غرباء و ينطبق عليهم قانون الأجانب .
4. ولكي لاأغمط الرفاق اليساريين اليمنيين الجنوبيين حقهم ، أقول لقد كان عدد من اللاجئين السياسيين العرب في اليمن الجنوبي في تلك الفترة(من الماركسيين العراقيين والسودانيين خاصة ) ، يجتمعون معاً كل أسبوع مرة ، في بيت أحدهم ، وكنت أدعى لبعض هذه الجلسات بصفتي الشخصية .وما أريد قوله هنا هو أن القيادة السياسية اليمنية الجنوبية آنذاك ،غالباً ماكانت ترسل أحد عناصرها لحضور هذه الجلسات ، لكي يستمع بنفسه من (الرفاق !!) المجتمعين مايمكن أن يوجهونه للنظام من نقد(السلبيات والأخطاء ) . وفي حال اقتناع المسؤول بوجهة نظرالمنتقدين ، والتي لاتصل غالباً إلى الخط الأحمر، فإنه سرعان مايبلغ القيادة السياسية بذلك ،والتي سرعان ماكانت تصدر التعليمات بل وأحياناً القوانين أو التشريعات ، التي تعالج تلك الأخطاء . إنها شهادة حق لابد أن تقال .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل تتدارك أوروبا التأخر في حملة اللقاح؟


.. روسيا ستحظر الملاحة في أجزاء من البحر الأسود وتواصل نشر قوات


.. الانتشار العسكري الروسي قرب أوكرانيا.. للضغط أو تمهيدا لشن ا




.. شجاعة سائق مصري أصبحت حديث الأمريكيين


.. روسيا تحشد أكثر من 150 ألف جندي قرب أوكرانيا.. طبول الحرب؟