الحوار المتمدن - موبايل


مسالة الهوية المصرية

لطيف شاكر

2020 / 9 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


في مقالة له, نشرها منذ ثمانين عاما في صحيفة كوكب الشرق, يحدثنا دطه حسين عن الحوار الذي دار بينه وبين موظف فرنسي يعمل في المصلحة المسئولة عن إقامة الأجانب في فرنسا حول مسألة الهوية, وكان طه حسين قد رحل إلي فرنسا عام1914 مبعوثا من الجامعة الأهلية ليكمل دراسته في السوربون, فاستدعاه هذا الموظف ليراجع معه أوراقه, وسأله عن جنسيته, وأجاب طه حسين: أنا مصري! غير أن الموظف الفرنسي يعيد عليه السؤال مرة أخري: أسألك عن جنسيتك لا عن البلد الذي ولدت فيه, أنت ولدت في مصر, لكن مصر لا جنسية لها, لأنها ليست دولة مستقلة, وإنما هي ولاية تابعة للسلطنة العثمانية, فأنت إذن لست مصريا, بل أنت رعية من رعايا السلطان العثماني
وقد تخلصت مصر من تبعيتها للأتراك العثمانيين, لكنها تحولت إلي محمية بريطانية, ولم تنل استقلالها إلا بعد ثورة1919, ثم بقي سؤال الهوية مطروحا علي المصريين جميعا, وعلي المثقفين خاصة, وفي مقدمتهم طه حسين.
نعم.. مصر أصبحت دولة مستقلة, وأصبح من حق المصريين أن يحملوا جنسيتها ويقولوا: نحن مصريون, لكن ما الذي تعنيه هذه الكلمة؟ وما الذي تشير إليه؟ هل الهوية المصرية عرق؟ هل هي لغة؟ هل هي دين؟ هل هي أرض؟ هل هي تاريخ؟
أما العرق فلا, إذ لا يوجد عرق نقي, وليس في البشر شعب مؤلف من عرق واحد, ونحن نتكلم عن مصر التي تقع في سرة العالم, وتحيط بها قاراته, وتحتضنها من الجنوب والشمال والشرق والغرب, ولاشك في أن المصريين اتحدت فيهم وامتزجت في عروقهم دماء لجماعات البشرية علي نحو فريد تمثله حضارتهم الفريدة, وكذلك فالهوية المصرية ليست لغة, لأن اللغة وحدها لا تنشئ شعبا, والشعب الواحد قد يتكلم أكثر من لغة, الفرنسيون يتكلمون ثلاث لغات محلية, إلي جانب لغتهم القومية, والسويسريون يتكلمون الألمانية والفرنسية والإيطالية, والأكراد والتركمان في العراق, والبربر في المغرب والجزائر, والنوبيون في مصر, كما أن اللغة الواحدة قد تتكلمها شعوب عديدة, كما نري في العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية.
فهل تكون الهوية المصرية دينا؟ هل الإسلام هو هويتنا؟ الجواب أيضا بالنفي, لأن الإسلام دين عالمي, العرب مسلمون, والأتراك, والإيرانيون, والأفغان, والألبان, والهنود, والسنغاليون, ومع أن الإسلام في مصر ليس مجرد عقيدة, وإنما هو ثقافة وحياة مشتركة تجمع بين المصريين المسلمين وغير المسلمين, فالإسلام مع هذا ليس هوية المصريين, أو أنه ليس وحده هويتهم, وإنما هو عنصر من عناصر هذه الهوية, لأن مصر كانت موجودة قبل الإسلام, وكانت لها حضارتها وثقافتها وديانتها ولغتها ودولتها قبل أن يظهر الإسلام بخمسة آلاف عام, والإسلام لم يقطع بيننا وبين تاريخها السابق عليه.
الحضارة المصرية الفرعونية مازالت حية نابضة بشواهدها ومعابدها, وبالقيم والرموز الأخلاقية والروحية الباقية من عقائدها الذاهبة.
والذي نقوله عن الحضارة المصرية الفرعونية نقوله عن الحضارة المصرية اليونانية, والحضارة المصرية المسيحية أو القبطية التي تواصل وجودها الفاعل في حياتنا الوطنية وتمثل عنصرا من عناصر هويتنا مسلمين ومسيحيين, ونقوله عن الحضارة المصرية الحديثة التي امتزجت فيها حضارتنا العربية الإسلامية بحضارة الغرب وثقافته في هذا العصر الذي نعيش فيه.
مصر إذن لا تقوم بحاضرها وحده, ولا بماضيها وحده, وإنما تقوم بتاريخها كله, ومصر بهذا التاريخ فرعونية هيللينية, مسيحية, عربية, مسلمة, أوروبية.
وقد يندهش البعض حين يرون أن د.طه حسين يجعل أوروبا أو حضارتها عنصرا من عناصر الشخصية المصرية, ويعتبر العقل المصري عقلا غربيا, لكن طه حسين لا يأتي بشيء من عنده, وإنما يذكرنا بالتاريخ الذي نسيناه رغم أنه ليس مجرد ماض, بل هو ماض وحاضر, ولاشك أن دهشة هذا البعض ستزداد حين يرون أن طه حسين لا ينسب العقل المصري وحده لحضارة الغرب, بل ينسب لهذه الحضارة العقل الإسلامي كله.
الكاتب الفرنسي المعروف بول فاليري أراد ذات يوم أن يشخص العقل الأوروبي فرده إلي عناصر ثلاثة: حضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن, وحضارة الرومان وما فيها من سياسة وفقه, والمسيحية وما فيها من دعوة إلي الخير, وحث علي الإحسان
يقول خبير الجغرافيا السياسية الدكتور محمد رياض لـ"بوابة الوفد
هوية مصر ثابتة منذ ألاف السنين وملامحها الارتباط بالأرض والمصري لازال يؤكد أن الأرض عرض ولذلك أنشط قطاع اقتصادي يساهم فيه الشعب كأفراد هو القطاع العقاري لأن كل انسان علي أرض مصر يريد أن يمتلك ارضاً أو عقاراً أو شقة لأن الهوية المصرية مرتبطة بالأرض
قال المحلل والخبير العسكري، اللواء المتقاعد، حمدي بخيت، إن الهوية المصرية لا يمكن أن تلغى ، مضيفا أن القوى الإسلامية التي اتهمها بـ"ادعاء الإسلام" لا تؤمن بالدولة والهوية وإنما بـ"الخلافة.
وقال بخيت، ردا على سؤال حول طبيعة الصراعات التي تشهدها مصر منذ عقود دون حسم حول الهوية، إن كل ما وصفها بـ"محاولات التدخل في هوية مصر" قد باءت بالفشل، منذ عهد الهكسوس والتتار والحكم العثماني والاحتلال الفرنسي والبريطاني. مضيفا أن الهوية المصرية ثابتة، وهي "أول وأكبر دولة في التاريخ، ولها موروث حضاري لا يمكن شرذمته."
علينا أن نتذكر مسألة أساسية وهى أن الصورة التى يرى المصريون أنفسهم بها سوف تحدد بالفعل صورتهم التى سيصبحون عليها. مستقبل مصر يبدأ عندما يرى المصريون أنفسهم كمصريين وليس كعرب وبالأخص القبائل العربية في مصر والاسلاميين.
لابد من إعادة الروح للهوية المصرية وهى الدعوة التى نادى بها طه حسين وآخرون غيره حتى يومنا هذا. العودة للهوية المصرية سوف تسمح لكل أبناء وبنات هذا الوطن بالعمل معا من أجل مستقبل
يقول الدكتور جمال حمدان في موسوعته شخصية مصر: علي هذا الاساس يكون معظم القبط مسلمين ومسيحيين هم الاكثرية العددية في القطر المصري بينما الاجناس الوافدة علي مر التاريخ لم تؤثر في الجنس المصري الا بالنذر اليسير , وهنا انوه الي ملحوظة مهمة وهي ان كلمة قبط يجب ان تطلق علي المصريين مسلمين ومسيحيين
يذكر الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، في أحد مقالاته الأسبوعية، بصراحة، في جريدة الأهرام سنة 68 وتحت عنوان: "عن التجربة الديموقراطية في زماننا" كتب يقول
إن النظام المصري وقع في مشكلة تحديد الهوية المصرية ولم يستطع لفترة طويلة أن يصل فيها إلى جواب، والهوية الوطنية بالنسبة للشعوب هي بطاقة تحقيق الشخصية بالنسبة للأفراد، وكانت النتيجة أن وقعت اهتزازات حضارية خلقت مواقف من الحيرة والتردد الطويل أمامها. وعلى سبيل المثال، فإنه في وقت من الأوقات، وخصوصاً أيام الوحدة مع سوريا، كانت أي إشارة إلى تاريخ مصر الفرعوني القديم، تعتبر إساءة لا تغتفر أو هي سقطة تستوجب الاعتذار عنها
يجب علينا أن نعرف ما هي الهوية الوطنية، وما هي طبيعة مكوناتها: فالهويّة هي الإعلاء من شأن الفرد، والوعي بالذّات الثقافيّة والاجتماعيّة، وهي عبارة عن سماتٍ تميّز شخصاً عن غيره أو مجموعة عن غيرها، أو بمعنى آخر هي الخصوصيّة والذّاتيّة، وهي ثقافة الفرد ولغته وعقيدته وحضارته وتاريخه، والهويّة جزء لا يتجزّأ من منشأ الفرد ومكان ولادته، حتّى وإن لم يكن أصله من نفس المنشأ. وأهم مكونات الهوية هي: الموقع الجغرافي، والذاكرة التاريخيّة الوطنية المشتركة، وثقافة شعبيّة موحّدة، وحقوقٌ وواجباتٌ مشتركة، واقتصاد مشترك.
والهوية الوطنية تعني الانتظام العام في المجتمع وفق مبدأ أخلاقي ضمن نسيج مجتمعي متماسك، قائم على التعاون والمحبة واحترام العادات والتقاليد والأسرة والبيئة، والتمسك بالقيم الدينية السائدة واحترام الرأي الآخر ومعتقده ووجهة نظره، إن لم تمس القيم، والانتظام العام وسيادة الوطن.
وتعني -أيضاً- الوعي الذي يجب أن نربي عليه أبناءنا في حب الوطن والإخلاص له والتضحية في سبيله، ليبقى وطناً منيعاً ضد الفاسدين والمخربين والطامعين والأعداء.
كما تعني الهوية الوطنية قيام الدولة بواجباتها نحو الوطن والمواطن، التي جاءت نتيجة عقد تاريخي معه. لذا فإن الإهمال أو التعالي أو الفساد الحكومي والإداري، يضعف من نسيج المجتمع ومنعته ويضع الوطن كله في خطر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تذكرة عودة إلى سد الممرات الثلاثة


.. ما الذي ينتظره اللبنانيون من اتفاق ترسيم الحدود مع إسرائيل؟


.. تذكرة عودة إلى سد الممرات الثلاثة




.. تحية إلى بيروت


.. ماكرون يؤكد أن تركيا أرسلت مقاتلين سوريين إلى ناغورني قره با