الحوار المتمدن - موبايل


يسرا البريطانية (15)

احمد جمعة
روائي

(A.juma )

2020 / 9 / 16
الادب والفن


رمقها بنظرة وهو يعد لها السيجارة باحثاً عن كلمات يرد بها على تساؤلها حول شخصية سعاد البشراوي، لمحت في عينيه بريقاً خافتاً يوحي بغموض مستور، استبق الإجابة بسيجارة حشيشة أشعلها لها وقدمها تعلو ثغره ابتسامه ماكرة على عادته عندما ينوى المناورة، كانت المرة الثالثة خلال هذا الأسبوع تتعاط فيها الحشيشة، ترددت في المرة الأولى ولكنها انخرطت فيها في المرة الثانية وتقبلتها أخيراً.
" استفيدي من المرأة"
خُيل لها بأنه يعرفها، تحسست من طرح الأسئلة، اطمأنت إلى أنها غير متورطة في شيء وتقبلت رده ببرود ما دفعه لاستئناف الحديث حولها قائلاً وهو يرمقها تنفذ دخان الحشيشة.
" ربما كانت تراقبك من فترة"
" هذا ما بدا لي، بل أشعر أنها تلاحقني"
مالت عليه وعضت طرف إذنه اليمنى، سحب بقية الحشيشة من يدها ووضعها في المطفأة ومال عليها وهما فوق الكنبة، قبلها ونهض متجهاً نحو الحمام بعد أن خفف إضاءة الغرفة وقال وهو يدخل الحمام من دون أن يغلق بابه.
" غيري من حياتك بسرعة"
كانت تشعر بدوار في رأسها يصاحبه شعور بالاسترخاء ورغبة تجتاح جسدها أشبه ما تكون بفورة شبق، لكنها تماسكت في الإفصاح عنها واكتفت بالتظاهر بالتثاؤب عند خروجه من الحمام.
" يثيرني جسدها"
سألها متجاهلاً ما عنته.
"ماذا؟"
" سعاد البشروي"
انفجر ضاحكاً وقد وقف في مكانه بالقرب من الباب المؤدي لخارج الغرفة ثم توجه نحوها وأمسك بيدها وتطلع في وجهها.
"لا تذكري ذلك مرة أخرى وإلا شككت فيك"
خلال الأيام التالية، اختفت البشراوي من الفندق، ولكنها فاجأتها ذات مساء وهي تتسوق "بماركس سبنسر" سوبرماركت، تقف خلفها والابتسامة الماكرة تعلو ثغرها، نظرت في عينيها مباشرة، لم تكن تتسوق بل صدمتها قائلة.
"تبعتك هنا حتى نكون بعيدين عن العيون، قبل ساعة كنتِ تتسوقين في "كلارنس ستريت" ما رأيك الليلة نتناول العشاء معاً ونتعرف على بعضنا؟"
" ماذا عنت بعيدين عن العيون؟ كانت تلاحقني من كلارنس ستريت" لم تعد قلقة منها كما في السابق، لم تشعر بالخوف من سلوكها، بل شعرت بأن ثمة خيط يربط بينها وبين مايك الذي هو بدوره غريب الأطوار، يقينها بأن الرجل يحميها من أي زلة نفض عنها القلق، كانت تتوق للتعرف على خبايا المرأة السعودية ذات المظهر الأوروبي لتسبر غورها وتقتحم عالمها الذي يبدو مزيجاً من النفوذ والثراء والغموض، كانت قد قررت منذ سلمت أمرها للباكستاني بأنها غادرت جحر الخوف والعزلة وخاضت مغامرة التعرف على العالم الخلفي للثراء والنفوذ، الذين من وجهة نظرها يمثلان صمامي الأمان في هذا الكون "سأنفذ لما وراء المظهر وأغوص في قاع العالم السري الذي كنت أراه من الخارج مظلماً ولكنه من الداخل فردوساً"
"لم لا، لكني أعمل طوال الوقت"
قالت ذلك دون توجس وبصورة من تبدو غير مكترثة باللقاء، لا تريد أن تبدو صغيرة أمامها، فمنذ أن انزلقت في عالم مايك لم تر في نفسها أصغر من الآخرين "كفاني سنين المرارة والذل"
"أي يوم إجازتك من العمل؟"
سألتها كما لو هناك خطة مفصلة للقائها، كانت تبدو في إيجازها الحديث أنها في عجلة من أمرها، حتى ابتساماتها المتكررة مع الكلام تبدو سريعة الإيقاع، أطلعتها يسرا بأنها ما بعد الغد وتصادف السبت، أعطتها ورقة بها رقم هاتفها النقال وقالت وهي تهم بالانفصال عنها.
" انتظري الساعة العاشرة مساءً باللوبي في الفندق"
تساءلت في سرها "لماذا هذا الوقت المتأخر" تنفست وهي تلتفت حولها، رأت الوجوه من حولها في السوبرماركت ورسمت لنفسها شكلاً تخيلته باعتبارها مواطنة بريطانية، لم تستلم الجواز بعد ولكنها حصلت على وثيقة الإصدار التي تخولها استلام الجواز "أستطيع الآن أن أكون مع سعاد أو غيرها من دون خوف" وقفت أمام المحاسبة وهي فتاة أفريقية سوداء تدفع مشترياتها التي تضمنت شريحة سندوتش تركي وعلبتي نبيذ إحداهما بيضاء والأخرى حمراء مع علبتي حليب واحدة صويا والأخرى عادية، مع تفاحتين وثلاث برتقالات وعلبة علكة، أنهت حسابها وخرجت تحمل مشترياتها في كيسين، بدا الهواء المسائي منعشاً مصحوباً ببرودة تسري في الجسد، جرت خطواتها تسير وقد اختلطت بالمشاة تتطلع في وجوههم لترى مدى اختلافهم عنها، شعرت بالوحدة وهي تسير ولكنها استبدلت شعورها من التفكير في سعاد البشراوي إلى التفكير في استثمار علاقتها بمايك للخروج نهائياً من دائرة الفقر والضياع، تذكرت أنها تملك لوحة فنية تقدر بثلاثين ألف جنيه وهي ضمانة مستقبلية، مع سيارة جديدة صغيرة حتى الآن لا تستطيع قيادتها "أريد أكثر من ذلك بكثير" كانت ترى نفسها وقد خسرت كل شيء عبر السنوات المنصرمة وخرجت للعالم من دون أسرة ولا رصيد، لا وطن ولا أصدقاء طفولة أو دراسة، لا منزل ولا جيران، لا علاقة عاطفية ولا أشخاص من الماضي، كل ما تملك وظيفة حقيرة تنظف من خلالها قذارة الآخرين التي يخلفونها في غرفهم، ظلت الأفكار تسابقها وهي تسير يلفحها هواء المساء الذي ازداد برودة لدى مواجهتها الشارع الرئيسي المطل على حافة نهر التايمز، بلغت الفندق، التفتت نحوه وشعرت بالرتابة وتذكرت الوجوه بداخله التي خالطتها واكتفت بابتسامة تنفست من خلالها الشعور بالوحدة، رغبت في مجيء موعدها بسرعة مع البشراوي لتنتهي من حالة الغموض التي تلف العلاقة الغريبة بها.
***
( 3 )
فُتح الباب ولجت القاعة يتقدمها السائق المغربي مصطفى وقد عرفت اسمه من خلال تبادلها الحديث القصير معه خلال الطريق، تقدم منها عبر بهو البناية الواقعة شرقي الشارع الرئيسي من محطة "سيربتون" عند نهاية المنعطف المحاذي لسلسلة المحلات التجارية، فتح المصعد وسمح لها بالدخول ثم فوجئت به يضرب الرقم 4 ويتركها وحدها تصعد، كانت هذه إشارة على استمرار الغموض الملازم للمرأة السعودية، عند توقف المصعد فُتح الباب وإذ بسعاد البشراوي تقف أمامها مبتسمة وتبادرها.
"الحمد الله على السلامة"
كانت ترتدي قميصاً أزرقاً وفوقه سترة سوداء، مع تنوره في الأسفل على غير عادتها، لم تكن في بهرجتها المعتادة، لم تضع أي بودرة أساس واكتفت بحمرة خفيفة على شفتيها، وبدا كما لو كانت خارجة للتو من الحمام، قادتها من يدها بخفة وحنان متعمدة منحها شعور بالطمأنينة لثاني شقة في الممر الذي بدا واسعاً، كانت الأرضية مكسوة بالبورسلين الناعم بلون البيج الفاتح، أحست من خلاله بالحذر في الخطى وهي ترتدي حذاء الكعب، حين دلفت الصالة الواسعة، ظهر المشهد غريباً، لا علاقة له بشخصية المرأة الفاتنة المتحررة، كان لون الجدران زيتي مائل للرمادي والكنبات والمقاعد كلاسيك باللون البني، لفتت انتباهها لوحات بعضها لآيات قرآنية كتبت بخطوط مزخرفة، وهناك لوحتان للكعبة وأخرى لجمل في الصحراء، لم يكن هناك تلفاز ولا أي من الأجهزة المعتادة باستثناء جهاز كمبيوتر على مكتب بالقرب من نافذة أسدلت عليها ستارة رمادية قاتمة اللون، نُقش عليها طيور حمام سوداء، تأملت تلك الستارة لبرهة وسرحت وراء البحار وحطت عند الشفق المسائي بمحيط الزبير إثر الحرب الأمريكية على العراق، كانت طيور الحمام تندفع بسرعة قصوى لتصطدم بنوافذ المنازل والسيارات، لتسقط سكرة من شدة السموم والغازات التي خلفتها ليالي القصف العنيفة بالطائرات المحلقة طوال اليوم، محطمة كل ما تحلق فوقه، كانت تلك الغازات والأدخنة المنبعثة من حقول الغاز التي تغطي الأفق وتحجب الغيوم، خلفت وراءها آلاف الطيور نافقة، تذكرت تلك الحمامة كم كانت مرعوبة من دوي صدمتها بنافذة غرفتها، أفزعتها وهي تسقط خلف جدار المنزل، كانت بيضاء ولكنها تحولت لقطعة ملطخة بالزيت والدخان الأسود، وعندما نزلت تتفحصها وجدتها ترقص مختنقة لا تكاد تتنفس، ودت لو تجهز عليها لتنهي عذابها ولكنها تجمدت في مكانها مكتفية بتأملها حتى لفظت أنفاسها، أفاقت من تأملها للستارة على صوت من الغرفة الداخلية لعبد الباسط عبد الصمد يتلو سورة الحشر، مع خطوات البشرواي قادمة تحمل صينية عليها كأسي عصير "بلو بيري" مع صحن صغير يحتوي قطع بسكويت مستطيلة، جاءها صوتها قبل أن تجلس تبادر مبتسمة.
" حيا الله يسرا البريطانية"
فاجأتها بلفظ يسرا البريطانية الذي كان محصوراً في دائرة ضيقة بفندق الهوليدي إن بلندن، أثار فيها ذلك الفضول من جديد حول المرأة التي جاءت بها إلى هذه البناية، التي لا تبدو على هيئة سكن ولا مكاتب أو مقر لمؤسسة، تجاوزت تلك الأسئلة الداخلية واكتفت بالقول من خلال نبرة مقتضبة.
" لماذا التكليف؟"
جلست قبالتها على كنبة مفردة وقد أخرجت علبة سجائرها وسحبت واحدة ومدت العلبة ليسرا التي استلت هي الأخرى واحدة وهي تقول.
"كنت ترصديني، هل أنا محقة؟"
لفت انتباهها المكان برمته، لا علاقة لها بشخصية المرأة القابعة أمامها، فالصورة ما زالت مبهمة بل وازدادت غموضاً ببروز مسحة دينية على المكان، قارنت بين آثار الغرف التي كانت تسكنها بالفندقين سواء بفندق لندن داون تاون أو بكينغستون، الدلائل كانت كلها تشير إلى تحررها، بل وكانت آثار قد تركتها وراءها تشير لتناولها الكحول فيما هنا صوت تسجيل لقرآن يتلوه جهاز التسجيل بالإضافة لطابع المكان الذي لا يدل على طبيعتها المتحررة، تقبلت الغموض بشكوك في محاولة لسبر غورها ولكن الأخرى قطعت عليها أفكارها وهي تبادرها بنبرة لا تخلو من الذكاء الممزوج بالمكر.
"أنت من الزبير وأنا من الزبير، أنت عراقية وأنا سعودية، أنت فقيرة معدمة وأنا كذلك حتى التقيت بالأخوة الزبيريين، أنت عانيت من التهميش وأنا كذلك وكان مقدر لنا أن نلتقي بهذه الصورة".
"ما دخل الزبير في هذا كله؟" أول ما خطر على بالها وهي تنظر نحوها وتبحث عن جواب في ملامحها وعن سمات تدل على خيط يربط بين المرأة أمامها وبين الزبير وحلب ودبي والبحرين وكل المسافات والأمكنة التي قطعتها لتستقر في بريطانيا وتلتقي هذه المرأة التي أدركت للتو بأنها كانت تطاردها " ولكن منذ متى بدأت الملاحقة؟" هذا ما جال في بالها وهي تحدق فيها إلى أن أيقظتها مرة أخرى عبارتها الباردة.
"أعرف أنك متشككة، وهذه طبيعتك ولكن لنبقى على الأقل صديقتين وأساعدك على الوصول لجذورك التي انقطعت عن الزبير، أنا زبيرية وهذه هي البداية".
عند نهاية عبارتها نهضت واستأذنتها بنظرة مع ابتسامة وهزت رأسها وهي تغادر الغرفة تاركةً يسرا وحدها وسط كومة من الأفكار المتشعبة والشكوك التي تضاعفت من حولها "ماذا تريد مني ولا تبوح به؟" عادت تتأمل المكان وتحدق في الأشياء من حولها لعلها تستكشف مزيداً من الدلائل حول ما يجري، رأت سجادة للصلاة على المنضدة بقرب الباب، وقعت عيناها على بشت أبيض معلق في زاوية وتمثال لنخلة مع سبحة بنية اللون على طرف طاولة وعصا يد مسندة على الجدار وظهرت سدرة رأس رجالية على طاولة صغيرة بزاوية أخرى من الغرفة، ولاحظت مبخر قديم يقبع فوق دولاب ملابس مغلق، بدا لها المكان يعج بالتناقضات، حاولت استشفاف ولو خيط دقيق يوحي بين المكان هنا وبين الزبير كما تدعي المرأة " لا توجد نكهة الزبير ولكن هناك بعض السمات الدالة على القبلية والعشائرية التي ورثتها من بيئتها السعودية " أين أنا؟"
فاجأتها البشرواي قادمة وهي ترتدي ملابس عباءة سوداء كشفت من أمامها عن فستان أزرق فاتح مطرزة أطرفه عند الأسفل وسرحت شعرها وبدت كامرأة من الزبير وبيدها حملت ألبوماً كبيراً اقتربت من يسرا ودعتها للجلوس بجانبها على الكنبة الطويلة، فتحت ألبوم الصور وراحت تستعرض الصورة الأولى القديمة لرجل يرتدي الثوب الزبيري مع الغترة والعقال وعليه بشت رمادي وبيده مسبحة وقف بالقرب من سوق شعبي قديم ومن خلفه ظهر متجر للملابس الرجالية.
" يدعى سوق العقيل"
شعرت يسرا بارتعاش في أطراف جسدها ولاحظت شعيرات يدها الصغيرة ذات اللون الذهبي تقف مشدودة مع ضربات سريعة تصدر من قلبها تلاه خفقان سريع لمعدتها، كانت واجمة وهي تشم عطر قديم يأتي من المرأة بجانبها التي استرسلت في الحديث قائلة بصوت خفيف امتزج بنبرة حزن عميقة.
" أنت من أهل الزبير، وأنا من نجد، أهلي وأهلك، بلادنا الزبير العريقة التي استباحها الغرباء، جئنا من أرضنا الأصيلة وتشردنا في الكرة الأرضية، هناك الفروع التي انحدرت من نجد والكويت والبصرة، قد لا تعرفين اليوم شيئاً عن والدتك ووالدك وأخوتك ولكن تذكري أن كل الشجرة الموجودة اليوم هم أهلك وأنت تعيشين هنا وحيدة"
التقطت أنفاسها وتطلعت في عينيها وبدتا كما لو تدمعان ثم استأنفت وقد شابت صوتها حشرجة وهي تضيف.
"البسام وآل عبدالرزاق وآل الحسن والسميط والمرزوق، هل تعرفين عن أهل نجد من سدير وحَرمَه؟ لقد نزحوا من هنا إلى هناك ومن أرض لأخرى ولكنهم لم يتوقعوا أن تضيع أرضهم ويتيه أحفادهم في بلاد الله الواسعة، لقد كنا جميعاً في الصحراء العربية ونتيجة الخلافات مع بعضنا التحق من التحق، بالكويت والبعض بالبصرة ومنها الزبير ومن بقى في الصحراء جئت أنا منهم"
أمسكت البشراوي بيد يسرا وراحت تضغط عليها واسترسلت الكلام وقد بدا من صوتها وكأنها تلملم جراح عميقة محفورة في أعماقها.
" انظري أين وصلنا، نحن الذين كنا الحرائر في محيطنا وكنا نملك مفتاح الجنة، بلغنا الحضيض، هل تظنين أنني كما هو مظهري الخارجي؟ وأنتِ أين كنت؟ تزيلين قذارة حثالة البشر، تنظفين برازهم مقابل جنيهات حقيرة، هل أنت راضية عن هذا القاع السحيق الذي انزلقت فيه لأن هناك من سرق بيتك وأقام فيه وشرد أسرتك، من بقى الآن من أهلك؟"
تركت يدها واستلت سيجارة من علبتها الحمراء وسط ذهول يسرا التي ما انفكت الدموع محبوسة بداخل عينيها فيما الأخرى تمسح حبيبات العرق من جبينها رغم برودة الطقس.
"كنا شيوخ وعائلات وقبائل وعشائر، كنا نملك البساتين والمياه والفضاء وأصبحنا اليوم مشردين في شوارع لندن، بذمتك ألا تودين العودة لمنزلك بالزبير وتحتضنين النوافذ والأبواب والسماء وتتنسمين هواء الفضاء حتى لو كان ملوثاً برائحة الغاز والبترول؟"
"ماذا أفعل؟"
قالتها أخيراً بعد أن انزلقت الدموع من عينيها وانخرطت في البكاء وقد انفجر مخزن الماضي بداخلها وانتثرت قصاصات الصور لسيقان القصب غارقة في المستنقعات والبردى، والعقيد جبار الشريف الذي رحل للجبهة ولم يعد، لنجوى القطان وصوتها الهادر باستمرار وأحاديثها عن عائلتها الكويتية، الشقيقين فراس الأكبر الذي انتزع من طفولته والتحق بالجبهة، وسام التائه وسط الأزقة والأحياء والمزارع مطارداً الكلاب، عن وجوه الطالبات وصديقاتها ومدرساتها وأقلامها وأحلامها وشهاداتها المكدسة في أدرج صناديقها الصغيرة المخبئة بغرفتها العلوية، عن الأوراق الصفراء المتساقطة من شجرة اللوز خلف جدار المنزل، وعن عصافير الصباح على نافذتها.
غابت سعاد البشرراوي لثوانٍ عدة وعادت وبيدها ورقة قدمتها ليسرا التي طالعتها والذهول يحيط بها بعد أن جففت دموعها، أخذت الورقة من يد يسرا وقالت بنبرة حادة على عكس النبرة الهادئة قبل قليل.
" قد لا تفهمين معنى اللغز الذي يحيط بنا أنا وأنت ومئات نساء العرب المشتتين في أرجاء الكون ولكن سأقرأ لك المعنى المراد من هذه الورقة..
الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه العزيز ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) والصلاة والسلام على أشرف المرسلين القائل إنما النساء شقائق الرجال "
نهضت يسرا وألقت بنفسها على سعاد البشرواي واحتضنتها الأخيرة بحرارة.
" سعاد"
ردت الأخرى بنبرة خاطفة.
" ليس هذا اسمي الحقيقي!!"
****
( 4 )

"أنا خائفة"
نظرتها الشاردة وشعورها الدائم بدوار، حتى السروال الجينز أحست بأنه ضاق عليها وتكاد لا تقوى على الجلوس أكثر، وجدت نفسها غريبة وسط حفل التعارف لعدد مختلط من المواطنين البريطانيين حديثي الجنسية، لم يكن شعورها تلك اللحظة كما توقعته بالفرح والانتشاء كما خيل لها قبل سنوات عندما كانت تطاردها كوابيس التهجير، فقد سلبت سعاد البشراوي ردود أفعالها المتوقعة من حصولها على الجنسية بإيقاظ شبح الماضي واستعادة مشاهد الحياة المريرة التي عاشتها متنقلة بين الدول والمطارات بعيداً عن مسقط رأسها الزبير وعن أسرتها التي تاهت ولم يعد لها عنواناً أو وجوداً، نظرت حولها من خلال القاعة التي تضم سيدات من اليمن "ما أصعب أن تكون وحيداً في العالم" ظلت تتطلع للوجوه بحثاً عن تضاريس تشبه تضاريس حياتها بلون التشرد والضياع والفقدان للأهل والأصدقاء، تفرست في الوجوه هناك، تعرفت على بعضهم من خلال الملامح والسمات الشرق أوسطية، كانت هناك السورية واليمني والهندي وتحدثت مع البعض منهم بشكل مقتضب، كانت تجمعهم رغم الابتسامات والضحكات بصمات الوجع والألم، كانوا يتحدثون ويسهبون في الجدل تجمعهم سمات الفرح على وجوههم بتحولهم للجنسية البريطانية، شعرت بأحاسيسهم لأنها كانت تعيش ذات الأجواء الكئيبة طوال مدة إقامتهم غير الشرعية المستقرة والتي كان بعضهم بالنسبة له تندرج تحت عنوان الإقامة غير الشرعية، صومالي بجثة ضخمة منتشي، قفز فجأة في وجهها وهو يردد.
"أنا بريطاني"
تذكرت عبارات زملائها بفندق لندن "يسرا البريطانية" ابتعدت عنه وقد علت وجهها ابتسامة، كان الرجل مهتاجاً ومنفلتاً وتخيلت لو سحبت الجنسية منه صباح الغد، ذكرها بفيلم الثور الأهوج لروبرت دي نيرو، مع كل ما مرت به واعتقدت بأن لا أحد في الدنيا عاش معاناتها، مرت بخاطرها أوقات كئيبة وحيدة في شتاء لندن حينما كان الجميع يحتفلون بأعياد الميلاد والسنة الجديدة، يرقصون، يغنون ويتضاجعون ويتبادلون الهدايا بينما هي تمضي الليالي تلك وحدها تسليتها النظر من نافذتها للشارع بعد منتصف الليل لتتأمل المارة يهرجون ويحتضنون بعضهم البعض بجنون وهلوسة، كانت الوحدة خليلها والبرد يأكل منها والشراب شحيح والمتاجر مغلقة والسهر بالحانات والبارات والمقاهي بحاجة لميزانية تفوق دخلها الذي بالكاد تسدد به الإيجار والطعام، تذكرت ذلك كله وانسحبت من الزاوية التي حصرت نفسها فيها بالقاعة وانخرطت وسط الجمع تحاول الاختلاط بالبعض ممن كان يحرك رأسها لها ويتبادل معها الابتسامات.
تحركت بين المتواجدين وحاولت قدر الإمكان الاختلاط مع الآخرين ولعبت لعبة الابتسامات وهز الرأس التي لا يجدر بكل من يحمل الجنسية البريطانية أن لا يجيدها، لم تنس بعد وحدتها في أعياد الميلاد وبدأت تنسج في داخل مخزنها العقلي الباطني أدوات التعامل مع العادات البريطانية للمرحلة القادمة التي ستشهد فيها التحولات السريعة بين فكي سعاد البشراوي ومايك الباكستاني "ما الذي يدور حولي؟" انتبهت لصوت رقيق يطرق أذنيها التفت حولها وإذ بوجه ألفت ملامحه ولم يبعد كثيراً عن الوجوه التي ألفتها من قبل في محيطها الشرق أوسطي، بدت السمات قريبة من زوجها المغتصب الذي عبر حياتها لبضعة أشهر وترك بصماته الوقحة في أعماقها، ذكرها بشخص قطري تعرفت عليه في دبي لساعات وانتهى كالسراب، بدا الوجه صبيانياً تكسوه بشرة سمراء وعينان سوداوان لهما طلة ناعسة وبرزت من خلالهما ومضة خجلة لا تكشف عن حقيقة صاحبها، كان ثلاثيني العمر وبدا من أناقته انتمائه لبيئة مترفة ورغم ذلك فهو هنا مع الذين جاءوا من الهوامش ومن أطراف الكرة الأرضية، يحتفل بالجنسية البريطانية.
" اسمي فهد الغريري"
في العادة لم تكن تعبأ بالمحيطين والمتحرشين ولكنها في هذه الساعة الصعبة وهي تواجه العزلة وقلة المعرفة بالآخرين تصنعت ابتسامة مقتضبة وهزت رأسها مستفسرة عن عبارته وهي تتظاهر بعدم السمع " ماذا يريد هذا المتطفل الذي ترك أغنى بلد في العالم وجاء يجري وراء الجنسية البريطانية؟" تذكرت أنها على موعد مع الطبيب جراح التجميل جوليان وهو يبدي إعجابه بوجهها وحرصه على تغيير مؤخرتها التي رأى فيها كتلة مثيرة بحاجة لبعض التعديل، لم تفهم لماذا خطر ببالها الطبيب وهو من أصل نيوزلندي في هذه اللحظة ولكنها ربطت بين شكلها الجديد ورغبتها بالاستمرار في التواصل مع صانع الجمال على حد تعبيره لها وبين وقوف الغريري أمامها في هذه الساعة، فكرت بالولوج في مغامرة خاطفه معه ولو لليلة واحدة ثم عدلت عن ذلك خشية اكتشاف مايك لمغامرتها العابرة وهو الذي لا شعرة تختفي في بريطانيا ألا وعلى علم بها، تبادلت بضع كلمات انتهت بأخذها لرقم هاتفه الجوال لتتخلص منه بسرعة، وضعت الرقم في حقيبتها أمامه ليثق بأنها أخذته على أن ترمي به بعد ذلك في طريق خروجها من الحفلة.
****








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد.. فنان صيني ينظم احتجاجاً صامتاً اعتراضا على تسليم أسان


.. خاص | دبي تستضيف العرض الإقليمي الأول لفيلم -فانغارد- من بطو


.. الأديبة ظبية خميس -تمنع- من مغادرة الإمارات بسبب -معارضتها ا




.. بلخياط: على الفنانين ألا يلهثوا وراء -جوج دريال- وهذه رسالتي


.. مؤلف كتاب -جاسوس من أجل لا أحد- يكشف حجم جرائم نظام أسد بحق