الحوار المتمدن - موبايل


الحانة

عبدالله مهتدي

2020 / 9 / 16
الادب والفن


كل أطفال الحي كانوا ينصرفون بعد حصص الحفظ والإستظهار، أنا.. كان السليماني يبقيني في الكتاب لترتيب أشياء الغرفة ومسح الألواح،كان يبدو واجما لا يعرف ما يريد،يقطع المكان ذهابا وجيئة،ثم يجلس القرفصاء بعد أن يرفع جلبابه إلى الركبتين،ينظر إلي من حين لآخر وهو يطفئ سيجارة ويشعل أخرى،و يسهو بعيدا.
بقي ذلك اليوم محفورا في ذاكرتي إلى الآن،كان المساء ملبدا بغيوم داكنة،والسماء قد أمطرت كثيرا، أقفل السليماني الكتاب ،بعد أن انصرف كل الأطفال إلى حال سبيلهم،انهمكت كالعادة في مسح الألواح ،وضع جلبابه جانبا ،هيأ شايا وقدم لي كأسا وعلبة حلوى،كان ودودا إلى الحد الذي بدأت أشك في أن هذا الشخص الذي أمامي ليس السليماني صاحب كتاب الحي ،أوقفني أمامه يتحسس جسدي،بعد أن مسد لحيته بيديه ومسح على شفتيه ،و حين أنزل تباني،نزلت معه دموعي باردة،مرتعشة،خائفة،تمنعت قليلا محاولا الفكاك منه بلا فائدة ،حملني بكفيه العريضتين ثم وضعني على ركبتيه ،حين تبت كفه على فمي ،أحسست شيئا ضخما يوخزني من الخلف .. يخترقني وأنا أنتفض مثل فريسة عالقة بين فكي وحش ..بعدها أصبح السليماني يفعل بي ذلك الشيء مرارا وهو يشتري صمتي ببعض أكياس الحلوى ،ويغدق علي أمام أبي أصنافا من المدح والإطراء..
حين انتبهت أمي أني أصبحت أعرج في مشيتي،صارحتها بكل شيء ،فبكت..ثم لاذت إلى صمت كصمت المقابر، بعد أن أقنعت أبي ببيع المنزل وترك الحي..
في حانة "باولا"،أرقص كي أنسى،كي أستعيد جسدي المسروق،كي أهرب من كفي السليماني وشيئه الذي يطاردني أينما وليت،في حانة "باولا" صرت أستطيع أن أحرر الذاكرة من الذاكرة،أتنفس من جديد،وأنا أرقص،لا اريد لجسدي أن يبقى علبة سوداء ،تختزن الألم.حين أرقص أترك لجسدي المساحة الكافية للبوح ،أتعرى كي أبرأ،في حانة "باولا" أرقص كي أعيد علاقتي بالأشياء ،بالحياة..وبالناس..
اسمي "محسن"،لا أعرف من أسماني كذلك،في الليل،أتحول إلى "محاسن" الراقصة، ولا تهمني لعبة الأسماء.
أنا نديم كل معطوبي الحياة،من قادتهم أقدارهم الخائبة إلى حانة "باولا ".
لا أحمل أوزارا كثيرة على كاهلي، عدا محاولة فاشلة في الإنتحار،لا لشيء إلا لأني كرهت جسدي ،صرت أشم في كل جزء منه رائحة السليماني ،ربما عيبي الوحيد كان أن صرت أرتاب كثيرا من أشباه ذاك الوحش،أما الآن.. فهاأنذا أعاشر أصنافا خاصة من الرجال،بحارة قدامى،أموت في عبق البحرالقابع تحت جلدهم ، بناءون.. روائح الإسمنت الصاعدة من أنفاسهم ،مخلوطة بتبغ سجائر التقسيط والعرق الحافي تنعشني كثيرا ، السكارى والحشاشون والمقامرون عاشقوا الخسارات..
شبت عن الطوق وأنا في علاقة مختلة بجسدي، ..صرت أتقن القفز من جسد لآخر مثل بهلوان في سرك
أنا" محسن" ..كلما غابت "باولا"لأمور طارئة، أقوم بكل شيئ في الحانة، وأنا "محاسن" الراقصة ،حين أرقص أستعيد شيئا اختطفه مني الزمن..جسدي..
عندما يأتي المساء،وتوقد الأضواء في الحانة، أخلع جسدا وأرتدي آخر،بين "محسن" و "محاسن" تصبح المسافة أرق من خيط الريح.تتلاشى الحدود،أصير أنا هي ،وهي أنا،أخرج مني وادخل فيها،نتداخل في بعضنا البعض،أعرف أن زبائني ينتظرون ،فهم لا تستهويهم فقط خمرة الحانة،ولا سمعتها التي حافظت عليها "باولا "بعد أن مات "شمعون" ،بل أنا ..الكائن الليلي الوحيد الذي يعرف كيف يخرجهم عن طورهم،صارت لنا أسرار خاصة،أنا وهم ،دون أن يتجرأ الواحد منهم على أن يركب حماسه، على الاندفاع إلى ما لا تحمد عقباه،فللحانة أيضا أخلاقها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد ضجة دعم الفنانين.. هذا ما قاله نعمان لحلو عن الأغنية الم


.. في يومها العالمي.. كيف تقرب الترجمة بين مختلف الشعوب؟ شاهد ا


.. صباح الخير يا مصر - لقاء مع محمد البرمي الناقد الرياضي حول ر




.. أظافر الشيطان/فراس الوائلي


.. فنانون تشكيليون يحولون أثواب الأطباء إلى أعمال فنية