الحوار المتمدن - موبايل


لن ننسى... كيلا يتناسل الشر!

نوفل شاكر

2020 / 9 / 16
الارهاب, الحرب والسلام


أمام تلفازه متابعاً آخر التطورات على الساحة. متنقلاً بين القنوات، استوقفه مشهد لشاب عشريني صاخب في السنك، بعنفوان الشباب، وبنشوة حب الظهور ، وبهالة القيادة التي تصورها عدسة الكاميرا الموجهة عليه، أخذ هذا الشاب يتحدث بزهو عن "الثورة العظيمة التي لم يكن لها مثيل في تأريخ العراق"! وما ستفعله في المستقبل بعد " إسقاط النظام"...

تتحرك الكاميرا يميناً وشمالاً لرصد حركة الشارع، بينما الشاب الثوري يرتجل خطابه الحماسي. تتوقف الكاميرا فجأة، مركزة عدستها هذه المرة على شيخ كبير، كان يحث الخطى للعودة إلى المنزل ( على ما يبدو)، توجه له الشاب قائلاً باستعلاء " ثوري":

" حجي! لو جيلنا هذا موجود قبل 35 سنة چان خلصناكم من صدام... بس حرامات چنه ما موجودين بذاك الوكت!".

تفاجأ الشيخ من هذه " الإزاحة الجيلية" العابرة للزمن، أجابه بحكمة الشيوخ وببلاغتهم الساخرة:

" شنسوي يا بويه...هو هذا هم حظنا"!

ضحك الرجل الجالس أمام التلفاز من كل قلبه. ضحكة تمتزج فيها السخرية بالألم والمرارة وذلك الشعور باللاجدوى، إحساس بعبثية الحياة، أقدارٌ سخرت ومازالت تسخر بحياة العراقيين. سفينة العمر وصلت به مسرعة إلى عقده السادس، بلحية بيضاء، وظهرٍ محدودب، وشظايا متناثرة في جسمه، وساقٍ مصنوعة من البلاستيك، هي حصته من " قادسية صدام المجيدة".

يُقال" بأنّ الذات الفردية تكيّف نفسها مع الوسط المحيط بها بوساطة مبدأ النسيان". أنعش المشهد ذاكرة الرجل، فعادت به الذكريات إلى أربعين عاماً مضت، عندما كان شاباً بعمر شاب السنگ الثائر، تطوف برأسه أحلام الشباب، وطموحاتهم البسيطة بمنظار زماننا الآن، وظيفة وزوجة وبيت بسيط مليء بالدفء.

في جلسة كهذه وقبل أربعة عقود، شاهد صدام يخرج من على شاشات التلفاز ليمزق غاضباً "معاهدة الجزائر" ويقول بأنها لاغية، وأن "من يقبل بشراكة في شط العرب كمن يقبل بشراكة زوجته مع جاره"! معلناً بذلك حربه على إيران.

دُقّت طبول الحرب في العراق، تغيرت الحياة الهادئة، واتجه المجتمع نحو العسكرتاريا: تعبئة شاملة... اللون الكاكي يصبغ البلاد بأسرها، والأغاني " الوطنية" تصدح ليل نهار... لا صوت يعلو على صوت المعركة.

تحت شعار " كل شيءٍ من أجل المعركة" تمت أكبر عملية تدوين أدبي تعبوي للحرب " أدب قادسية صدام": أكثر من 75 رواية تمجد بالحرب، و 90 مجموعة قصصية تحتفي بالمعركة. 400 قصة فقط نُشرت في الأشهر الأولى من الحرب. " دار المأمون" تكفلت بترجمة روايات الحرب العالمية، وعبد الرزاق عبد الواحد ، يزمجر بصوته المعدني، المشحون بالحقد القومي ليل نهار، محتسياً أنخاب شعره على أشلاء الضحايا:

" وهؤلاء الذين استنفروا دمهم
كأنما همُ إلى أعراسهم نفروا

السابقون هبوب النار ماعصفت
والراكضون اليها حيث تنفجرُ

الواقفون عماليقاً تحيط بهم
خيل المنايا ولا ورد ولاصدرُ".

سيق الآلاف من شباب العراق إلى حربٍ لا يعرفون كيف ولماذا اندلعت، وفيما يتم قذفهم في أتون المعركة، كانت فرق الإعدامات تكمن لهم في الخطوط الخلفية، وسيارات اللاندكروزر تجوب تلك الخطوط لإعدام من يفر من هذا الجحيم البشري؟

ولكن الشعراء الشعبيون كانت لهم نظرة أخرى، نظرة رومانسية تتخيل الحرب طقساً من طقوس الحب...يقول كاظم الركابي متغزلاً بالحرب:

" احنه مشينه للحرب 
عاشگ يدافع من اجل محبوبته ..
احنا مشينه للحرب ...
وهذا العراقي من يحب ...
يفنى و لا عايل يمس محبوبته .. 
احنه مشينه للحرب 
حتى الوطن سالم يظل لجيالنا
لجل الطفولة واللعب ما تحترك يوم بلهب عدوانا
احنه مشينه للحرب 
حتى الورد ما يختفي من ربوعنا".

هكذا حوّل الأدباء والشعراء الحرب إلى خرابٍ جميل! لقد كرّسوا ذلك في ثنائيات متقاطبة، كثنائيات ( الحرب_ المرأة) ( الحرب_ السلام). الحرب كواقع قاس والمرأة كحلم لإطفاء حرائق هذا الواقع، ولتبريره أصلاً، والسلام كذريعة أخلاقية لإضفاء مشروعية القتال؛تلبية لما يريده الرقيب في صحف مخصصة لإشباع نهم المؤسسة العسكرية المهيمنة على مفاصل الحياة، يقول عدنان الصائغ:

" أيتها الحرب زرعنا في أحشائك كل شيء
طفولتنا، وأمنياتنا، وقصائدنا، ومخاوفنا، وأعمارنا
القلقة من أجل أن تنجبي ذات صباح مُندّى
طفل السلام القادم".

الرجل الستيني لم يذهب إلى الحرب لكونه عاشقاً " يدافع من أجل محبوبته". لم يذهب إليها طواعيةً، ولم يؤمن بأنها حربٌ تلد " طفل السلام"،بل ساقه إليها بالقوة الغاشمة للسلطة " الرفيق المسؤول" في إحدى قواطع " الجيش الشعبي"، عندما اعترضه في أحد الأيام وهو عائد من مدرسته، واقتاده عنوةً إلى حافلة مليئة بأقرانه من الطلبة " لتلبية نداء القائد"!

الروايات والقصص التي كتبها أدباء الحرب، لم تحفل بالضمير الإنساني المتمثل بالموقف الأخلاقي من الحرب، مشاهد القتل الرخيص التي ظهرت في قصصهم تقول ذلك، التلذذ بقتل العدو بسادية، التجرد من الأحاسيس الإنسانية في وصف لحظة القتل، ينسحب على مشروعية هذه الحرب. سادية النصوص نابعة من لا أخلاقية هذه الحرب القائمة على التوحش " حاولت ببندقيتي إسكات صيحة حقده... أطلقت عليه رصاصتين، ثم ثالثة وقلت الرابعة من أجل عيون الزوجة"!!
البطل في هذه القصص هو قاتل وحشي، مجنونٌ متلذذ بعملية القتل، والقاص مبشرٌ بالقتل، يغري القاريء على تذوق هذه المتعة الجنونية!

وهكذا وجد صاحبنا نفسه بين لهيب النار وأشلاء الجثث، في حرب امتدت لثمان سنوات، حربٌ عوان. وُصفت بأنها أطول نزاعٍ مسلح في القرن العشرين، واحدة من أكثر الصراعات دمويةً في العالم، ذهب ضحيتها مليون إنسان ومليون ونصف جريح، آلاف الأسرى وخسائر قُدّرت بأكثر من 400 مليار دولار!

كانت حرباً بالنيابة، أعلن صدام فيها بأنه يقاتل " نيابة عن الأمة العربية للدفاع عن بوابتها الشرقية ضد الفرس المجوس". وقف العرب خلف صدام بحربه الضروس، الملك حسين يذهب إلى حدود العراقية الإيرانية ليرمي أول قذيفة مدفع على " الفرس المجوس"... السعودية تمد جسراً برياً من المساعدات، تحول طريق عرعر إلى شحنات لا تنقطع من المؤونة والأسلحة. الكويت تطبّل، ومصر تغني، راقصات بغداد تهز الخصور على إيقاع أغاني الحرب، وشباب العراق يُقتل على الجبهات الممتدة على 1300 كم!

في كانون الأول 1987 ابتدأ الهجوم الإيراني على قاطع شرق البصرة، كان " نهر جاسم" هو الحد الفاصل بين الجيشين. أطلق الإيرانيون على هذه المعركة تسمية " عمليات كربلاء 5" بينما أسماها العراقيون " معارك الحصاد الأكبر" وكانت حصاداً مروّعاً لجنود الجيشين.

الإيرانيون يستعدون للهجوم... يغتسلون للموت، يرتدون أكفانهم، يعصبون رؤسهم بأشرطة حمراء.
حشود بشرية تملأ الأفق، يهجمون بصرخة واحدة " ياحسين"... إذاعة " التوجيه السياسي" في الجيش العراقي تبث أغنية " أبو حسين علي! يكرار علي!!"...
طائرات الميغ28 العراقية تبدأ حصادها... مدفعية الجيشين تتبادل الرسائل... قنابر الهاون تنزل كالمطر في أرض المعركة... تتناثر معها الأشلاء... أيدي وأرجل مقطوعة موزعة في كل مكان. يطل الموت برأسه كوحش أسطوري... كرأس ميدوزا... الموت يتقدم بخطىً عملاقة.حاضراً في كل بقعة من أرض المعركة. حتى أن وجوده يكاد يطغى على وجود الحياة.

يفقد الرجل الستيني وعيه... يفتح عينيه، صورة غبشية تلوح أمامه، يتوسطها العمود الحامل للمغذي... يستفيق وعيه، رائحة الدم والمعقمات تختلط مع الجلبة التي تدور حوله، يصحو ليجد نفسه قد فقد ساقه. لقد حولته الحرب من عاشق يركض للقاء حبيبته، إلى عاشقٍ يخفي رجله الصناعية عن حبيبته ويدسها تحت سريره قبل أن ينام.

تنتهي الحرب بعد عام، لتبدأ حرب أخرى بعدها بعامين، حرب أكلت الزرع والضرع. أعقبها حصار امتد 13 عام، باع الناس فيها كل مايملكون، حتى الشبابيك وأبواب المنازل، جاع العراقيون، لم تعد السعودية تذكرهم، ولا العرب... مات مليون طفل عراقي بسبب نقص الغذاء والدواء، وأكل العراقيون نخالة الطحين مخلوطة بالتراب.

لم تعد الشمس تشرق في بغداد، ولا تقرع لها الأجراس.انشغل العرب بأنفسهم، السعودية عوضت عن حصة العراق القابع تحت بند العقوبات، تنامى اقتصادهم من الريع النفطي، في حين انهار الاقتصاد العراقي وأصبح الدولار يعادل 250 ألف دينار عراقي، وازدهرت دول كالإمارات.

لم تكن الحرب نزهةً رومانسية كما صورها " شعراء القادسية"، لم تكن " عرساً" كما وصفها نزار قباني... بل كانت محرقة حقيقية، احترقت فيها الأجساد والأحلام، مطحنة انسحقت فيها العظام والأعوام، لعبة موت رخيص، جعلت من العراق معرضاً للجثث... وكانت نتيجتها وهماً كما يصورها في عدنان الصائغ ( مسؤول القسم الثقافي في مجلة حراس الوطن):

" توهمت... ياليتني ما صحوت من الوهم، يوماً
فأبصرت كل المرايا مكسرة.
والمسارات فارغة في المدينة حد التوحش.
لكنني...
بعد عشرين عاماً، وماذا تبقى؟
سأمضي مع الوهم
حتى النهاية."

أنه وهم اكتشاف حقيقية الحرب، حرب بلا هدف وطني، وسلام غامض يعقبها لا تعرف حقيقته. وهم الفوز بالحرب، ذلك الفوز الذي كلفنا خسارة جيلين من العراقيين، وستلحق الخسارة بأربعة أجيال قادمة. خسارة ربحنا فيها وطناً مقطع الأوصال، ممزق الجسد، ملوث البيئة، مستلب الحدود، منهوب الثروات، مهدم حاضره، مظلم مستقبله، تلك هي النتيجة، وهذا هو " الخراب الجميل" الذي شيده صدام، ثم دفع ثمنه أخيراً، عندما شنقوه بغرفة خربة ورطبة ومظلمة، ليدفن وحيداً بقبرٍ منبوش ولسان حاله يقول:

" وقبرُ حربٍ في مكانٍ قفرِ
وليس قرب قبر حربٍ قبرُ".

فنطازيا بلغت السخرية منها كل مبلغ، إلى الدرجة التي كتب فيها شاعر مغمور " رؤية" شعرية رأى فيها مشهداً مليء بفانطازيا الموت:

" أنظر من السطوح
حيث أفخاذ النساء
معلقةً في الهواء
والأطفال يخرجون من كهوفهن
إلى أعمارهم
ويجرون بسرعة ويذهبون إلى الحرب
الذين لم يموتوا تزوجوا
والآن هم ينظرون معي من السطوح".

لقد كانت أكبر منجزات هذه الحرب هي الدمار الروحي والإنساني والمجتمعي الشامل، إلى درجة جعلت شاعراً حائزاً على جائزة أدبية من الدرجة الأولى في أدب الحرب وهي " نص الفاو" يسجل شهادته على موت منجز هو المحصلة النهائية:

" غرفة موحشة
ورقٌ وذباب
وبدلة حربٍ علاها التراب".

إنّ الحرب العراقية الإيرانية، هي حربٌ بلا مغزى، حربٌ بالإنابة، كانت بنادقها للإيجار، هي أشبه باستئجار مجرم لتصفية منافس. ومثل هذه الحرب لا يمكن لها أن تثير أسئلة إنسانية أو مواقف أخلاقية، كالتي أثارتها مواقف حروب التحرر الوطني، وسجلتها آداب الشعوب.

إنّ " من ينسى الماضي محكوم عليه بتكراره" كما يقول الأديب الأميركي جورج سانتيانا، وتحرير الذاكرة من سطوة القمع لا تتم بنسيانه أو تناسيه أو التقليل من شأنه كما يرى أغرار اليوم، بل تتم بتسليط الضوء عليه بوصفه قوة شريرة فرضت إرادتها على شعب كامل قسرياً وقادته للدمار.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رئيسة المفوضية الأوروبية تعلن أن التوصل لاتفاق مع بريطانيا ب


.. المعركة مستمرة بين مدن أوروبية و-إير بي إن بي- لتنظيم سوق ال


.. خدمات مطار البحرين تاريخ من العطاء تواصل بريقها رغم جاي?حة




.. عربات الطعام ظاهرة مستحدثة تقدم ا?فضل الوجبات وتشهد ا?قبال


.. مع تصاعد المعارك في كاراباخ.. مجلس الأمن يعقد جلسة لبحث التط