الحوار المتمدن - موبايل


خيري شلبي …. شيخُ الحكّائين!

فاطمة ناعوت

2020 / 9 / 16
الادب والفن


إنها ذكرى فارس الحكي الذي تحقّق له حلمٌ يراود كلَّ فنان: أن يموت في حقله وصومعته؛ فرحل وهو يكتب مقاله اليومي، فجر يوم 9 سبتمبر 2011. إنه الجميل "خيري شلبي" صاحب السبعين كتابًا. طاردته الكتابةُ منذ استلبته هوايةُ التجوال بين أرصفة الكتب ومكتبات الكتب القديمة. فراح يُجرّب قلمَه في: الشعر، المسرح، النقد، الأدب الإذاعي، حتى تيقّن أن تلك الأشكال الكتابية المتباينة، قد صاغته روائيًّا وقاصًّا لا مثيلَ له.
أوقعه البحثُ الدؤوب بين أضابير الكتب القديمة على اكتشاف أن مسرحية "على بك الكبير" لأمير الشعراء "أحمد شوقي"، ليست كما يُشاع أولَ مسرحية شعرية في تاريخ المسرح المصري، بل سبقتها تجاربُ كثيرةٌ تصل إلى المائتين، تغافل عنها التاريخ. منها مسرحيةٌ للزعيم المصري مصطفى كامل عنوانها: "فتح الأندلس". وهو ما دعاه لتقديم حديث أسبوعي على إذاعة البرنامج الثاني عنوانه: "مسرحيات ساقطة القيد"، تقديم الروائي "بهاء طاهر”. كذلك عثر على مذكرة صغيرة مكتوب عليه: "قرار النيابة في كتاب الشعر الجاهلي"، بإمضاء القاضي "محمد نور". فوجد أنه أمام نصٍّ أدبيّ رفيع، مكتوب بصياغة قانونية راقية، بقلم القاضي الشاب الذي حقّق مع العظيم "طه حسين" في واحدة من أشهر قضايا العصر، وأخطرها. لم يخرج قرارُ "محمد نور" كـ تكييف قانوني، أو محضر ضمن وثائق قانونية، بل صِيغ كأنما هو بحثٌ علميّ ذو صياغة أدبية رصينة. فتساءل خيري شلبي: هل صنعتِ النهضةُ الثقافية التي أسسها "طه حسين" ورفاقُه مثل هذا النائب المثقف؟ أم أن الوسطَ المثقف المستنير (آنذاك)، هو صانعُ النهضة التنويرية التي أفرزت "طه حسين"؟ وتذكّر السؤالَ الجدليّ: الدجاجة أولا، أم البيضة؟!
إنها "الأواني المستطرقة". ذاك أن "طه حسين" حين جلس على كرسي الاتهام، أمام قاضٍ من تلامذته، كان في الواقع يجني ثمارَ غرسه الاستناري الطيّب، الذي أينع رجالاً في مواقع السلطة يُقدّرون قيمةَ العِلم والعالِم وحرية البحث والاجتهاد. وطرح "خيري شلبي" سؤالا مهمًّا حول محاكمة طه حسين عام 1926، تلك التي حُسمت لصالحه: هل أنصفه قرارٌ سياسي؟ أم أنصفه قانونٌ يُقرُّ بحرية الاجتهاد وحرية التعبير؟ تلك كانت قضية كتابه: "محاكمةُ طه حسين”. ومازلنا بحاجة إلى ألف "طه حسين" كقائد تنويري، وملايين من ذلك النائب العام المثقف "محمد نور"؛ لمحاربة صوت الجمود والرجعية، والكلام باسم الله، والظلامية التي لا تليق بمصرَ المثقفة.
"خيري شلبي" كاتبُ المهمشين والفقراء، لم تكن تحلو له الكتابةُ إلا في صومعته بين المقابر. انتبه مبكرًا في صباه إلى ازدواجية اللغة في حياتنا. فنحن نتكلمُ بالدارجة المصرية، ونكتب بالفصحى. ثم نظر حوله فوجد عشرات المعاجم والألسن على شريط وادي مصر من الإسكندرية حتى أسوان، مرورًا بمئات المدن والقرى والنجوع التي يمتلك كلٌّ منها لسانًا مغايرًا، ومعجمًا مختلفًا. كذلك على مستوى المهن والحرف والطبقات والأعمار. فثمة معجمٌ للنجار، والحداد، والساعي، والموسيقيّ، والمهندس، والخبّاز، والكوّاء، والناضج، والطفل، والمتعلم، والأميّ، وهلمّ جرا. كان رجالُ قريته يقصدونه ليكتب لهم الخطابات إلى ذويهم. يُنصت إليهم ثم يكتب بالفصحى. وحين يقرأ عليهم ما كتب، يرفضونه، ويصرّون على كتابة منطوق كلامهم بالعامية.
أما أطرف ما حكاه لي عمّا حدث بينه وبين عميد الأدب العربي، فكان حين تماكر على الأستاذ "طه حسين"، الذى لا يسمحُ بالتهاونِ مع الفُصحى، حتى فى المِزاح. "طه حسين" الذي انتقد "ليلى مراد" حين غنّت في فيلم "غزَل البنات": "أبجد هوز حُطّي كلمن"، لأنها قالت: "شكل الأستاذ بقى منسجمٌ" وكان يريدها: "منسجمًا"، لأنها خبرُ "بقى"، بمعنى: "أصبح"، من أخوات كان. قرر "خيري شلبى" في بداية حياته أن يكتبَ رواية: "الأيام" كمسلسل للإذاعة. وأراد أن يحصل على الموافقة القانونية من كاتب العمل. ذهب إلى بيت "طه حسين" بالزمالك، فرحّب الأستاذُ بالفكرة، شريطةَ أن يكون الحوارُ بين الشخوص فى المسلسل بالفصحى! وأُسقِطَ فى يدِ السيناريست الشاب! كيف يتكلمُ أبناءُ الصعيد في يومياتهم بالفصحى؟! ولم يكن ممكنًا مساومة الأستاذ فى شرطه الصعب، وليس ممكنًا، كذلك، أن يتخلى الشابُّ عن حلمه؛ فالتجأ إلى دهاء الفنان والمصرىّ فى آن. كتب الحوار على النسق الذى يتَّسِقُ فصحًى ودارجةً فى آن! مثلا: "معى جوابٌ، أَحْلِفُ بالِله لو شَافَهُ مخلوقٌ لَرُحْتُ فى داهية"، هكذا سيقرؤها "خيرى شلبى" على "طه حسين"، لانتزاع موافقته. بينما فى المسلسل سينطقُها "عبد الوارث عسر"، بتسكين نهايات الكلمات، مثلما نحن فى دارجتنا المصرية اليومية، مع تلوين اللسان باللكنة الصعيدية. رحم الله مبدعنا الكبير. "الدينُ لله، والوطنُ لمبدعي الوطن”.



***








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. القضاء المصري يبرئ الفنان محمد رمضان


.. بعد ضجة دعم الفنانين.. هذا ما قاله نعمان لحلو عن الأغنية الم


.. في يومها العالمي.. كيف تقرب الترجمة بين مختلف الشعوب؟ شاهد ا




.. صباح الخير يا مصر - لقاء مع محمد البرمي الناقد الرياضي حول ر


.. أظافر الشيطان/فراس الوائلي