الحوار المتمدن - موبايل


أبق حيث الغناء 11

آرام كربيت

2020 / 9 / 16
الادب والفن


بعد بضعة أيام من هذا الحديث جاء نجيب بالسيارة، قال لي:
ـ أخذت إجازة من العمل هذا اليوم، سنذهب إلى عجلون، هناك يسكن أهلي، سننام هناك، لدي حفلة، سأغني فيها، وستكون معي ونعود في الصباح. ستتعرف على أبي وأمي وأخي طارق ورامي وأختي ليلى وسناء وزوجها كمال وابنته تغريد.
جلس نجيب خلف المقود وجلست إلى جانبه، وسارت السيارة في شوارع عمان الجميلة، شوارع عريضة مخططة، نظيفة قليلة الكثافة السكانية، لا زحمة ولا عجقة.
كنت أتمعن في وجوه الناس، السيارات الحديثة واقارنها بدمشق، حيث الفوضى والاضطراب في كل شيء. المحلات متباعدة في الشوارع الرئيسية، كل شيء منظم، المطاعم كبيرة، كل شيء مختلف عن سوريا إلى أن خرجنا من هذه المدينة المبهرة لي.
بمجرد أن أصبحنا في الطبيعة شعرت أن هذه الأخيرة أبهجت روحي، أشجار أشجار على طرفي الطريق، تلال وراء تلال، على امتداد الأرض والسماء، اللون الأخضر الفاتح لأشجار الزيتون يبهج النفس، معاصر الزيت، بيوت مترامية الأطراف مرمية على التلال كالنجوم المتلألئة في السماء. كدت أعانق الأرض وكل ما عليها.
لأول مرة شعرت أنني تحررت من السجن عندما التصقت بهذا المكان الممتد بين عمان وعجلون، كل شيء جديد علي، وأريد أن أزداد معرفة، تحررًا، والطبيعة هي الوحيدة القادرة أن تعيد للإنسان ثقته بنفسه وبالمكان والحياة.
فتح نجيب مكبر صوت المسجلة، ومضينا نغني بعالي الصوت، ونضحك وكأننا نعرف بعضنا منذ عشرات السنين. الذي يوحد الإنسان بالإنسان هي الثقة بالدرجة الأولى، الوضوح، الحب، الاهتمام، الاحترام، العطاء دون حساب.
في الطبيعة، يشعر المرء أنه حر دون أن يقول أو يعبر. الطبيعة هي الحرية.
كانت الرحلة بالنسبة لي من عمان إلى عجلون نعمة، بهاء وجلال، سحر.
المكان أضفى على قلبي الكثير من الجمال والاسترخاء. وبدد الغربة، بل دخلت في مساومة مع نفسي، قلت لها، أنس كل شيء وأبق هنا في أحضان الحياة، وحضرة المكان الجديد.
على جانب الطريق رأينا امرأة كبيرة بالسن ومعها امرأة أخرى أصغر وفتاة في مقتبل العمر، ودخان خفيف يتصاعد من المكان، دققت النظر، شاهدت ساجًا على مجموعة حجارة من الصوان، وإلى جانبه أو بالقرب منه تنور، قلت لنجيب:
قف هنا، دعنا نشاهد ماذا يفعلون، أنا مغرم بالتنور، بشكله وتكوينه وطريقة الخبز ووهج النار المتصاعد منه. ورأيت إلى جانب التنور الكثير من الحطب، وعدة الخبز كالوسادة التي تحمل العجين والوعاء وماء. سحرت بكوة التنور الذي يدخل فيها الوسادة المحملة بالعجين ويلصق به.
في هذه اللحظة الراحلة من العمر الراحل:
تذكرت أمي، التنور في الأرياف التي عشنا فيها بسبب عمل أبي، وجع التنقل من مكان إلى أخر، اهتزاز النفس وعدم استقرارها خاصة لطفل صغير في مقتبل العمر لا يتجاوز الرابعة والخامسة والسادسة، رائحة الحطب على ثياب أمي، ووهج النار المرسوم على ملامحها البيضاء كالحليب، حرائقه على قسماتها، لسعات النار على أصابعها ويديها.
وكنت كما كنت، أرى وجه أمي مثل الزمن الأول والفرح الأول. وكنت مغرمًا بالعجين المختمر في الطشت، بالأغطية عليه, وأدرس الانتظار الممل والمتعب، والقلق المرسوم على وجهها وعينها المحدق في أعيننا, والترقب القلق لنضوج الرغيف.
لم أعد أذكر أي تنور؟ كل التنانير كانوا معنا في رحلاتنا, في حوش مدينة رأس العين, في المناجير وتل كيفجي، في القامشلي وضيعة دبانة عندما كنا نذهب إليها في الفترات المتقطعة المتباعدة أثناء زيارتنا لبيت جدي.
كان زمن طفولتنا جميلا, بريئا خاليًا من الآلات والتقنيات الحديثة، خاليًا من الهروب المنظم من الطبيعة والبراءة. وكانت سعادتنا كاذبة عندما ودعنا زمن الطبيعة الأمن لندخل في الوحشة والقلق.
وقفنا، وكان هناك بضعة سيارات واقفة على حواف الطريق يتبضعون الزمن والطبيعة والحسن والجلال، ويأكلون. قال نجيب:
ـ إنهما يبيعون المناقيش وخبز الساج، أنزل، لنرى ونتشوف ونتمتع ونشتري.
سار باتجاههن، وتكلم باللهجة الأردني معهن، كن يضحكن، واللطف والجمال على محياهن، بثيابهن العربية الجميلة، ببراءتهن وطيبة قلوبهن.
ـ مرحبا يا خالة، هكذا طرح نجيب السلام على المرأة الكبيرة في السن.
ـ أهلا يا ابن أخوي
ـ هل تبيعون مناقيش الزعر والجبنة والفليفة الحمراء؟
أجابته من الطرف الأخر، المرأة المتوسطة العمر، المسؤولة عن العمل:
ـ نعم، ونبيع الخبز العربي الرقيق والخبز العادي السميك.
ثم التفت إلي:
ـ ماذا سنأخذ معنا لنأكله على الطريق؟
كان الكثير من الزوار أو المتبضعين بالقرب من المكان ينتظرون دورهم أو في محاولة أخذ استراحة أو استنشاق الهواء المعبأ بالحرية، دون إدراك أن الحرية تخترقه وتملأ حياته بالفرح، لأن ابن المدينة نسيها أو لم يعد يتذكرها لانشغاله بكل شيء إلا بنفسه وروحه.
اشترينا قطعتي مناقيش زعتر ومحمرة، وعدة أرغفة ليأخذها لأهله، ثم أكملنا طريق سيرنا.
وساد صمت أخرس، وفراغ، تخلله شرود رهيب، سرحت مع نفسي، مع الحنين الشقي إلى العوالم البعيد، تذكرت أن المرأة غائبة في حياتي، بعيدة، الانقطاعات الطويلة عن الناس والمجتمع جفف منابع الحنين إلى الماء السلسبيل أو جفف بفعل الواقع وقسوته.
لقد كانت لغة السجن ذكورية، الصوت والحركة والوجوه. والملامح جافة والعلاقات جافة، والشوق إلى المرأة تكسره الجدارن الصلبة القاسية.
أحاديثنا وخطاباتنا، كلها ذكورية، في لغتنا الثقافية، في فكرنا في تناول الطعام والماء، في الشهيق والزفير، وفي مواضيع السياسة والأدب.
لا رقة ونعومة، أو دفئ أو كلمات حب. الخشونة في كل شيء. ولم نتحدث عن المرأة إلا في حالات خاصة، عندما نسمع أغنية أو زقزقة عصفور، نتذكر أو نحضرها كأمل مفارق.
السجن مأتم، مقبرة، موت أو قتل للروح، جفاف الدماء في النفس والجسد، قلت في نفسي:
مهما كان الرجل سعيدًا، سيبقى هناك قلق البعد عن المرأة، هذا البعد يوجعه، يمزقه يخرج من أنفاسه وصمته وفي لحظات سكونه أو نومه.
إنها تنام معه وتستيقظ معه، ولا يمكنه أن يخرجها من خلاياه أو أحلامه. في الحزن موجودة، في الفرح موجودة، في البعد أو الحضور موجودة، وأنت يا آرام كنت وما زلت محرومًا من هذه النعمة الربانية اللذيذة.
كل رجل بعيد عن المرأة مشوه من الداخل، لأن الحب والسعادة والفرح لا يكتمل الا بوجودها. فلا جمال لهذا الوجود دونها. نستعيدها في كل الأوقات، ولا يمكن للزمن أو العمر أن يغيارا أي شيء فيه، أنها خليته النابضة بالبقاء ببقاءه.
الحب يعيش في بيئة أمنة، مستقرة، يشعر فيها المرء بالانتماء إلى المكان والجذور.
بالألفة، والطاقة الروحية التي يمنحها كل طرف للطرف الآخر، في تشابك الماضي بالحاضر في عقل المرء ومرجعه.
في الغربة يعوم الحب فوق الرؤوس ولا ينزل على الأرض.
ففي عومه يفقد الكثير من طاقاته الإيجابية، ويرحل كالدخان قبل أن يحط رحاله، يعلو ويعلو إلى أن يتبدد، ولا يخلف وراءه إلا الرائحة.
الراسخ في العلاقة في الغربة هي الرغبة..
أفضل ما فعلته أنني لم أفعل شيئًا.
لم أحمل الحياة على كتفي ولم أحسب حساب الخسارة والربح. وعشت دون نتائج تذكر. والحياة أوراق فوق أوراق لم يأخذ الإنسان معه أي شيء.
إننا مجرد أوراق متناثرة يحملها الزمن ليرميها فوق بعضها.
المجرمون يعتقدون أنهم يحبون الحياة، بيد أنهم أول من يدمرها ليس على رؤوسهم فحسب، وأنما على رؤوس الجميع.
إنهم في أنانيتهم، في حبهم القاتل لأنفسهم يكرهونها ويحتقرونها ويدمرونها.
دائما, الصدف السيئة هي الصح، والحظ السيء لا يخطئ صاحبه, سهم يلاحقه
الحلم, عالم مملوء, بالأنا, النرجسية. فخ, يدفعنا نحو العبودية, والسقوط في الذاتوية المطلقة..
في لا شعور الإنسان عشق أصيل للموت. إنه ذاهب إليه بإرادته الحرة, ودون وعي منه..
البعد عن المرأة يشوه الرجل أكثر من السجن، يموت الزمن في زمنه، يغادره عمره ويضيع، ويضيع المرء معه. يشعر بالحسرة وراء الحسرة، ويموت الأمل في غيابها. يتوجع في سريره وسريرته، تبقى نائمة على وسادته.
ووجود المرأة في حياة الرجل الشرقي تخضع للحسابات الدقيقة، وأنت، المتنقل يا آرام من زمن مغلق إلى أخر. أين سترى الحبيبة، في السجن؟ في الزواريب أو البراري او على سفوح الجبال، فالعلاقة معه ليست هينة على الراحل او الواقف على قدميه، أنها تريده في مكان أمن، في الاسترخاء والمال والمدينة وفي اعتراف المجتمع.
حب عابر لا حب، وعلاقة عابرة لا علاقة، وجنس عابر لا جنس. وأنت يا مكسور وحيد، والكهولة غزت كل مكان منك بعد أن سرقها الجلاد منك وجلس فوق جسدك كالقدر الأحمق.
إن لغة الحياة، الطبيعة، البرءاة، مختلفة عن لغة المدينة، أنهما على النقيض. وستبقى عاجزًا ما دامت المدينة تريد منك أكثر مما تريد منها.
أكلنا في السيارة أثناء قيادة نجيب لها، وكنا نتحدث وصوت نجاة الآخاذ يصدح في الفلاة المغلقة، جالسًا في مقعدي ارتقب التلال تودع التلال، ووراء الأشجار اشجار أخرى. والشغف يحملني على جناحيه، يأخذني، أقول لنفسي:
ـ هل سيأتي ذلك اليوم الآخر، أكون فيه برفقة الحبيبة إلى هذا المكان، مع امرأة متشوقة لمعانقة الذات، مثلي، متشاقة للحب وتبحث عن ملاقاته؟ هل ستأتي تلك المرأة الحرة، سعادتها يكمن في الحب دون حسابات جانبية. هل سأرى تلك الي أحلم بها، تكسر زمننا المثقل بالعادات والتقاليد المريضة أو تقتله؟
كان شغفي أن أرى مدينة عجلون، بيوتها. فالزائر يتمنى أن يرى المجهول، أن يقطف كل شيء بسرعة. ولإن الأرض العربية ما زالت تنام على وهاد البعد عن المكنة أو الآلة، فما زالت الطبيعة محافظة على عفتها وعذريتها. ومن الجميل أن لا يأتي الذكر ليكسرها أو يمزقها.
بدأت ملامح عجلون تتضح، قرية صغيرة تنام على الجبال العالية، ربما هي شارعين أو بضعة شوارع، بيد أن زنارها كان مكللًا بالأشجار.
مدينة أليفة، هادئة جدًا، حركة الناس بعد الظهر قليلة، وكنت أحب أكتشاف المكان، البيوت وملامح الناس. أحب أن أرى المدن العربية، والمقارنة بينها وبين سوريا تشتعل في داخلي.
ـ المدن السورية أكبر، الناس أكثر، سوريا كبيرة مساحة وحيوية وجمالًا. الأردن له طبيعة بدوية، بينما سوريا أقرب للمدينة.
سارت السيارة تقطع المكان، تمزقه، ثم صعدنا الجبل العالي وسرنا إلى أعلاه، وعندما وصلنا إلى القمة أخذ نجيب يمين الطريق، وكنت اتساءل:
أين يقطن أهل نجيب، معقول في هذا المكان، القريب من حدود فلسطين المحتلة، نهر الأردن، وطني الحبيب سوريا.
كيف يستطيع المرء أن يعيش إلى جوار عدوه. لم أكن استسغ وجود إسرائيل بالقرب منًا، بيد أن الواقع سيف، هو الشارط لكل شيء.
كان على الجبل مكان صغير، مساحة صغيرة مستوية، لا تتجاوز الألف متر مربع لوقوف الناس والسيارات والتنقل.
وقفنا بالقرب من بيت أهل نجيب، بيت جميل وكبير، وبالقرب منه بيت خاله وخالاته وأولاهم. قلت له:
ـ أين نحن؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. القضاء المصري يبرئ الفنان محمد رمضان


.. بعد ضجة دعم الفنانين.. هذا ما قاله نعمان لحلو عن الأغنية الم


.. في يومها العالمي.. كيف تقرب الترجمة بين مختلف الشعوب؟ شاهد ا




.. صباح الخير يا مصر - لقاء مع محمد البرمي الناقد الرياضي حول ر


.. أظافر الشيطان/فراس الوائلي