الحوار المتمدن - موبايل


المكان المُتَخَيَّل في شعر السياب

خالد نعمة الخالدي

2020 / 9 / 16
الادب والفن


"حظي الخيال باهتمام واسع في المذاهب الفلسفية والسيكولوجية وفي دراسات البلاغة والنقد الادبي، وهو اهتمام يستمد مما ينطوي عليه الخيال من فاعلية لا غنى عنها في منجزات الانسان الثقافية عبر التاريخ، وذلك ان الانسان من بين الكائنات ذو وعي تاريخي اساسه ضرب من الاصطفاء، وانبثاق الوعي".
" وهذا الوعي تاريخي بفضل قوى اخذ الانسان بنواصيها وعبر عنها وجعلها ذرائع لتحقيق الذات، ان الانسان كائن تاريخي تجلى وعيه في انساق نامية من العقائد والتصورات والمواقف والقيم، وهذا الوعي التاريخي لانه لغوي وخيالي، فباللغة سمى الانسان الاشياء وبالخيال اولج الواقع في اللاواقع، واوجد منطق التوحيد والاندماج، وجسد الفكر في الصورة، وتغلب على عزلة النفس عندما تترك لذرائعها في عالم مفروض".
والشعر هو " اول مظاهر الفن في الكلام، لانه متصل بالحس والشعور، والخيال، وهذه الملكات تكاد تنشأ مع الفرد والجماعة فهو ينبعث اذن عن الحياة الانسانية انبعاثا يوشك ان يشبه انبعاث الضوء عن الشمس، والعطر عن الزهرة".
ولهذا فان الشعر والخيال مترابطان، فالخيال عنصر رئيس من عناصر الابداع الشعري، فالمبدع " يقوم بتشكيل صور ذهنية من المقومات الحية الادراكية التي يكون قد وقف عليها، فهو ينشئ صورة ذهنية غير واقعية من مجموع المدركات الحسية الكثيرة التي سبق له تحصيلها، وهو يقيم تلك الصور التخيلية، الانتقاء من بين المقومات الادراكية الانية التي يقع عليها وقت اعمال خياله في الموقف".
ويمكن القول ان للخيال دورا فاعلا في اعطاء الشعر صفة مميزة فرقت بينه وبين التعبير العلمي الذي يستند الى وقائع وحقائق حيث يرى القرطاجني: "ان التخيل لا يمكن ان يكون تخيلا الا اذا اتسم بصفة حسية ".
وقد اهتم النقاد القدامى بالخيال في الشعر واختلفت وجهات النظر في مدى تاثيره في ايجاد الصورة الشعرية المؤثرة، كما اهتم النقد الحديث حيث يقسم كولدرج الخيال الى نوعين، هما:
1- الخيال الاولي وهو: القوة الحيوية والعامل الاول في كل ادراك انساني وهو علمي في وظيفته، ويقابل ما يدعوه (كانت) الخيال الانتاجي .
2- اما النوع الاخر فهو الخيال الثانوي وهو "صدى للخيال السابق ويصطحب دائما بالوعي الارادي ويتفق مع الخيال الاول في نوع عمله، لكنه يختلف عنه في درجته وطريقة عمله لانه يحلل الاشياء او يؤلف بينهما، او يوحدها، او يتسامى بها، ليخرج من ذلك كله بخلق جديد، مجاله الفن، وهذا النوع من الخيال يدعوه (كانت) الخيال الجمالي، ومن هذه التعريفات والتقسيمات يمكن لنا ان نربط بين الخيال من جهة، والتشبيه والاستعارة والكناية من جهة اخرى ".
وان رائد الشعر الحر بدر شاكر السيّاب استخدم الخيال بطريقة مختلفة في قصائده التي اغناها بالصور الخيالية، وكان السيَّاب ملتصقا كثيرا بالمكان بمختلف انواعة وعانى بالذات من عقدة المدينة منذ قصائده الاولى ويتجلى احساسه في شعوره بالعزلة والتفرد في زحام المدينة وجلبتها الكثيرة، وهو صامت مقهور، وفي خضم هذه الحالة ياخذه الحنين الى عالم القرية والطفولة والسعادة، ويتضاعف خذلان المدينة في نفسه، وتتنازع في اعماقه.
ان المكان ضمن دائرة الشعر يتمظهر عبر الاساليب والرؤى الشعرية التي يحاول الشاعر ان ينقل بها احساسه او وعيه بالمكان، وكلما كانت تجربة الشاعر ومعايشته للامكنة اصيلة ومتنوعة، ازداد الاثر النفسي والوجودي الذي ينعكس على طبيعة نظرته للامكنة.
وان تعرّف الشاعرعلى المكان يختلف تبعا لاثر المكان ونظرته اليه، فالشاعر بما له من مخيلة وقدرة على اختراق ما هو عاديٌ ومالوف، يحاول الوصول الى ما وراء الامكنة والازمنة.. فهو يجعل من المكان في شعره دالة كبرى ينسج من خلالها اشكال تعرُّفِهِ على الاشياء وطبيعة علاقاته بها، فيظل يعيش هاجس التوتر والقلق المستمر بين ذاته و المكان الذي قد يشكل تهديدا لحريته حينا، او قد يكون فضاءً يجد فيه ابعاده وحضوره حينا اخر، ولانه لا يمكن له التخلص من هيمنة المكان عليه نهائيا ومفارقته ؛فانه يختزله الى عوالم لغوية يرتحل من خلالها الى افاق وتخوم بعيدة، توفر له لذة الوصول الى الاتحاد عبرَها من جديد، اذ ان المكان ياخذ دورته الطبيعية في وعي الشاعر او لا وعيه، ويتخذ من تجسيده داخل القصيدة رمزا او قناعا او باعثا يحقق من خلاله الوصول الى الاتحاد، او الانفصال والمفارقة لعالم او وسط اثّر في تكوينه .
ان مقدار التمثيل والامتصاص للمكان داخل نسيج النص الشعري، لا يكون بنسب ثابتة، ولا ياخذ القوة والدلالة نفسها، تبعا لنوع استجابة الشاعر لنمط المكان من جهة، وطريقة معالجته له شعريا من جهة اخرى، تناولنا في هذا البحث دراسة المكان في شعر السيّاب، وقد لمسنا اصداء المكان في كل قصيدة من قصائده تقريبا، وان تجربة السيّاب مع المكان لم تكن ثابتة على الزمن بل كانت نامية متطورة . بدات علاقة السيّاب بالمكان منذ طفولته ففتح عينه على ريف جميل في قرية (جيكور) التي تغفو على نهر (بويب) .
و تتلخص هذه الدراسة في جملة من النقاط :
1. تسليط الضوء على شاعر عراقي قدّم قصيدة النثر بطرق ابداعية متعددة، حيثُ استغل طواعيتَها في بناء صرحهِ المكانيّ، فتربّعَ على عرشه .
2. استمدَّ الشاعر بدر شاكر السيّاب جذوره المكانية من الواقع، الا انّه طوَّعَ الخيال، فسرحَ به الى عوالمَ خياليةٍ سحرية .
3. انتاجه للمكان ذا طبيعة خاصّة، تمتاز بالانزياحية؛ لانّه مُنتجٌ تحت فاعلية الخيال؛ كونهُ يتمتع بملكة الخيال الواسعة، فحقق بذلك الانزياحات الشعورية الروحية عبر ذلك التشكيل المكاني المتخيل .
4. زاوجَ الشاعر بين الخيال والاسطورة، الامر الذي مكَّنه من انتاج نصٍّ مكانيّ تخطّى حدود الواقع الممكن عرج به الى افاق رحبة .
5. العلاقة بينه وبين المتلقي علاقة توالد مستمرة، اذ انّه جعل باب التاويل مفتوحا امام المتلقي، فكل يُنتج النصّ مرّةً اخرى بما يراه، وهذا الامر جعل نصوصه تحتمل التاويلات المتعددة، الامر الذي يولد معانيَ ودلالات كثيرة تسهم في ولادة رؤية جدية للنص .
6. كان للجانب النفسي اثرٌ واضحٌ وفعّال في تشكيل فضاء النصّ البصريّ، فقد صبَّ الشاعر كل انفعالاته الداخلية النفسية من خلال هذا التشكيل .
7. اتّخذَ الشاعر من الخيال والترميز سلاحا للتعبيرِ عن ذاته المضطربة، فكان الترميز الستارَ الذي يتخفَّى خلفه الشاعر من طاغوت الحكم انذاك .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العراق.. استهداف معهد لتعليم اللغة الإنجليزية بعبوة ناسفة


.. فنان لبناني يستعين بالطبيعة عبر جداريتيْن.. بعدما دمر الانفج


.. بين سام وعمار: مقاطعة فيلم -مولان- لشكره السلطات الصينية ال




.. السفير الياباني فى رسالة باللغة العربية شباب مصر ثروة قومية


.. تفاعلكم | عراقيون يكذبون الرواية الرسمية في مقتل ناشطة