الحوار المتمدن - موبايل


قتلة الجزائر / ثوريون ووطنين لكنهم مضطربون نفسياً ...

مروان صباح

2020 / 9 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


/ يوماً ما وقف الفاروق عمر بن الخطاب وقال عبارة مازالت صداها يتردد على مسامع فقراء البشرية ، ( إذا كانت الناس جرأتهم في الحق فذلك ما نريد ) ، وهذا بالفعل ما قاموا به الجزائريين في الآونة الأخيرة ، لقد وقفوا إلى جانب الصح من التاريخ عندما نادوا بصوت عالي ، بأنهم ليسوا جثة هامدة ، بل مرة أخرى ضربة الجزائر للبشرية جمعاء بانتفاضة ابناءها السلميين مثال مازال شاخص ويدرس في مدارس الشعوب ، بأن لم يعد مقبولاً ابداً الاستمرار في تلك المفارقة المضحكة ، حليف الثورة والشعب هو حليف الثورة والاستعمار ، إذن لم يغيب عن الإنسان العادي ذلك ، فكيف يمكن له أن يغيب ذلك عن المراقب ، بأن جثمان الاستعمار الهامد ، أعاد أحياء روحه الاستعمارية من خلال الصادرات المدنية والعسكرية ، وطالما يدرك الصغير قبل الكبير حجم المخاطر التى تعيشها المنطقة العربية برمتها ، إذن لماذا المماطلة ولماذا تتعمد الطبقة الحاكمة في الجزائر اعتماد طريقة اللامبالاة ، فالجزائر تعتبر هدف تالي في منطقة شمال أفريقيا ، رغم أن الشعب في كل مرة ، كان على أستعداد تقديم تضحيات حتى لو كانت تكاليفها كبيرة ، بل في الأحداث الأخيرة ، نزلوا الناس إلى الميادين والشوارع وأسقطوا الرئيس السابق بوتفليقة التى كانت حاشيته ترغب في إعادته للحكم ، وبالتالي ما قام به الشعب الجزائري تحديداً هذه المرة ، هو منح جنرالات الجيش والرئيس عبد المجيد تبون فرصة جديدة لكي يعيدوا بناء البلد بطريقة تضمن للمواطن العيش الكريم ومواجهة التحديات المستقبلية .

مرّ على استقلال الجزائر 59 عام ، وحتى اليوم لم تشهد الأغلبية الساحقة من المواطنين الجزائرين يوماً يذكر في تاريخهم الوطني ( بالوطني ) بل انتقلوا الناس من عذابات المستعمر إلى عذاب الطبقة التى قادت البلد بطريقة المزارع إياها ، بالرغم أن موارد الطبيعية للبلد كبيرة ويعتبر من أغنى دول العالم ، إذن أين تكمن المعضلة ، بالطبع الفساد ليس سواه والأمر الأخرى سوء الإدارة ، وطالما الشعب لم ينتفع فعلياً من موارد الطاقة طيلة العقود الماضية وظلت العوائد الطاقة مقتصرة على النحو التى تصب في مصالح الطبقة الحاكمة ، ظل الجزائر في دوائر إستيراد كل شيء من الخارج ، على الرغم من امتلاكه مساحات شاسعة والتى تؤهل الحكومة زراعة كل ما تحتاجه من سلع غذائية ، بالإضافة لموارده المائية التى تسمح له بالتصدير وتأمين العملة الصعبة كالدولار واليورو ، لكن يبقى للأسف الجزائر ينفق ما يقارب 10 مليارات سنوياً فقط على الواردات الغذائية وايضاً يعتبر الجزائر أكبر مستورد للدواء من فرنسا ، تقدر سحوباته ب2 مليار دولار سنوياً ويتضاعف هذا الرقم مع تطور احتياجات الناس التى تقدر زيادتها المستقبلية ب 6 مليار دولار ، بل إستيراد الدواء لا يتوقف على فرنسا بقدر أنه يمتد إلى أربعين دولة أخرى ، يغطي استيراد الدواء من الخارج 62% من احتياجات البلد أما الإنتاج المحلي يتكلف بتغطية فقط 38% ، وبالتالي الجزائر يعتبر من أهم مبتلعين الأسواق الفرنسية .

إن أسقام الجزائر الاجتماعية والاقتصادية لم تبدأ من فلسفة الديمقراطية المنكوسة في طول وعرض الوطن العربي ، وهي ليست ايضاً مرشحة للمعالجة المفيدة ، بل بدأت من الاستقلال وواجهت حركة مضادة عنيفة كلفت البلد الويلات ، والصحيح أن فيروس كوفيد 19 دفع الحكومة إلى إستخدام الاحتياطي الأجنبي للجزائر ، لكن الحكومة لم تقدم بديل جدي حتى الآن ، فطبقة الجنرالات مازالت تعيش في الماضي ، يعتقدون أن تقطيع الوقت والقمع الناس يمكن من خلالهما المراهنة على تخدير الأغلبية حتى تعود أسعار النفط والغاز إلى ما قبل أزمة الفيروس العالمي ، بالإضافة إلى تلاعبهم بالدينار بين السعر الرسمي والسوق السوداء الذي يزيد من ترسيخ غناء هذه الطبقة بين أغلبية ساحقة من الفقراء ، رغم انتمائهم لدولة غنية ، وهذا يعود إلى غياب الرقابة المستقلة على المال العام وايضاً تفتقد الدولة إلى سياسات واضحة في إنفاقها ، وبالتالي ليس مستغرباً أن تسحب الحكومة من مدخراتها في الآونة الأخيرة 35 مليار دولار دون أن تضع خطوط إنتاج مشرقة للمستقبل وهذا يفسر لماذا حال الناس في تراجع مستمر .

مازال الجزائري أبن البلد لا يتوقف عن التفكير والسؤال ، يتساءل ماذا صنعَّ جده ليجني وايضاً أبيه وهو معهم كل هذا ، وهو يشاهد نفسه بين نظام يتفشى به التطرف والشعبوية والخطاب المتحيز للماضي ، الثوري ( ديماغوجي ) وبالتالي تعودوا سياسيو النظام على إثارة مخاوف الناس من أجل تمكينهم مِّن السلطة ، فالجزائر حاله كحال الفيلسوف لوي ألثوسير أستاذ الفلسفة الشهير الذي ولد بالقرب من العاصمة الجزائرية في بئر مراد رايس ، فالرجل كما عرف عنه بالعقلاني الحكيم والذي صنع من نفسه قدوة للآخرين وعلى الاخص بين الشبيبة ، وبالتالي أجبرت فلسفته خصومه من المفكرين بالاعتراف بمكانته ، لكن بعد صعوده بين الفلاسفة صنع صنعاً غير متوقعاً ابداً ، قام بحنق زوجته هلين من الأصول اليهودية والتى تكبره بسنوات ، ولقد برئته المحكمة لمجرد قدم مرافعة اقتصرت على عبارة واحدة ، قال ( لا أذكر ما حدث في ذلك اليوم ) ، لكن كثير من زملائه يعيدون ذلك لاضطرابات كان قد اكتسبها بعد أسره من قبل الألمان لمدة خمسة سنوات وقد تكون أثرت فيه لدرجة قد تحولت هلين سجينته الجديدة والتى ذكرته بسجينه الألماني ، بالرغم أن ألثوسير يُتعبر من القلة التى أكدت على أولوية علم التاريخ على أي علم أخر ، في كتابه ( انتصار الماركسية ) رغم هزيمتها ، يقول حرفياً أن تاريخ الجبهة الشعبية والثورة الإسبانية الشهيرة والتى قضى فيها الشاعر لوركا ، حولتنا من أشخاص ينتمون للطبقة البورجوازية إلى رجال قارئين للطبقات وصراع الطبقات ومحور الصراع الطبقي .

كان ألثوسير له الفضل في تغير الفكري للشباب والشابات الذين ثاروا وصنعوا انتفاضة مايو 68 من القرن الماضي ، وهذا ما حصل بالفعل في الجزائر ، لقد ثاروا الناس بوجه من نجحوا في تثوير الشعب ضد الاستعمار لكن في ذات الوقت ، هؤلاء لم يختلفوا كثيراً عن الفليسوف لوي ، لقد خنقوا بفسادهم الجزائر بعد الثورة لدرجة بات يقف البلد على حافة الموت ، وبالتالي خلاصة الخلاصات ، لا بد للرئيس الحالي عبد المجيد تبون أن تكون لديه الرغبة الحقيقية في تثوير ثورة إصلاحية قبل فوات الأون ، بل من ينظر إلى ما آلت إليه كل من ليبيا والعراق واليمن وسوريا ، من المفترض أن يصل الليل بالنهار حتى يصل بالجزائر إلى مصاف الدول الإنتاجية والمتقدمة طالما كل الأسباب الموضعية متوفرة . والسلام








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تذكرة عودة إلى سد الممرات الثلاثة


.. ما الذي ينتظره اللبنانيون من اتفاق ترسيم الحدود مع إسرائيل؟


.. تذكرة عودة إلى سد الممرات الثلاثة




.. تحية إلى بيروت


.. ماكرون يؤكد أن تركيا أرسلت مقاتلين سوريين إلى ناغورني قره با