الحوار المتمدن - موبايل


شيء من الماضي وما استجد اليوم .

صادق محمد عبدالكريم الدبش

2020 / 9 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


قديما كانت هناك في قرانا ومدننا ... في موسم بداية الصيف تأتي نساء غجريات ( كاولية ) يمتهنون صناعة الأسنان الفضية ويقرؤون الكف ويبتاعون التمر والدبس وغير ذلك من قماش ومأكل وملبس ..
أعادتني تلك الذكريات إلى الزمن الذي أعتقد بأنه كان جميلا بالرغم من بساطة الحياة فيه وعسرها !..
لكنها تتميز بالتماسك الاجتماعي نتيجة للنشاط الاقتصادي المبني على نفس القواعد ( من ظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ) فمصالح الناس مرتبطة مع المالكين لوسائل الإنتاج ، فهناك مالك .. وهناك الأيدي العاملة التي يحتاج أليها هؤلاء المالكون .
المجتمع في القرى والأرياف تغلب عليه السمة الزراعية والبستنة ، فمصالح الناس من المالكين والشغيلة مرتبطة ارتباط وثيق ببعضهم ، وهي التي تفرض عليهم نمط هذه العلاقة كمصلحة مشتركة .
الجميع كان حريص على أن تكون هذه العلاقات على أحسن وجه نتيجة للمصالح المشتركة .
وبعد تطور الحياة ودخول الصناعات الحديثة وإنشاء المصانع والشركات في خارج الرقعة الجغرافية للقرية والريف ، تغيرت مصالح الناس ، نتيجة تغيير نمط الإنتاج وتغيير المالكين ، وبدء شكل جديد من العلاقات ، بشكل مختلف تماما مع ما كان سائد في القرى والأرياف !..
محدوديته في القرية والريف ، لم تستمر تلك العلاقات التي كانت سائدة في فترات مختلفة ، من بدايات القرن الماضي وحتى نهاية العقد الخامس أو السادس منه .
وبدء التنوع في وسائل الإنتاج وتغير المالكين لها ، وخاصة في المدن الكبرى وكذلك اختلاف وسائل العمل وأدواته .. وأثر ذلك مكانا ... كمْاُ ونوعا .
كانت الشغيلة سابقا مرتبطة أما في الأرض مباشرة !..
أو بمالكين الأراضي والبساتين ، كونهم بحاجة دائمة إلى الأيدي العاملة للعمل في الأراضي والبساتين ، وهؤلاء كانوا يعملون كشغيلة وبأجر يومي ومن دون ضمان في حال العجز والمرض ، ولكن كلاهما كانوا بحاجة لبعضهما البعض لتدور الدورة الاقتصادية الطبيعية، ونتيجة لطبيعة الإنتاج في القرى والأرياف .
ولكن بعد دخول المكننة والصناعات الحديثة وتطور وسائلها في المدن ، زاد الطلب على الأيدي العاملة ، ولأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية وأخلاقية ، ولعدم قدرة الدولة على استيعاب النشاط الاقتصادي للمكننة الحديثة ، وبما ينظم هذه العملية الجديدة ، ومعالجة مشكلة الهجرة العشوائية من القرية والريف إلى المدينة ، والذي أثر سلبا على النشاط الزراعي في القرى والأرياف ، ولم تتمكن الدولة من تنظيم وتأهيل أيدي عاملة قادرة على العمل في المصانع والورش التي قامت حديثا في المدن ، وغياب الدعم المبرمج للفلاحين والمزارعين لمنع هجرة هذه القوى العاملة ، وتوفير فرص لهم في مناطق سكناهم ، فأدى إلى هجرة الألاف من الأرياف والقرى الزراعية إلى المدن للعمل في هذه الورشات والمصانع ، فخلق غزارة في تدفق هؤلاء بما يزيد على حاجة تلك المصانع ، وخلق نقص في اليد العاملة في الزراعة والبستنة في الأرياف والقرى الزراعية .
وقد تمكنت الثورة الصناعية الحاصلة من استيعاب الألاف من شغيلة الريف ، ليعملوا في شتى الحرف والمهن في هذه المدن ، ونتيجة هجرة الشغيلة غير المنظم والعشوائي ... من الريف والقرية إلى مراكز المدن وبالأخص العاصمة بغداد .
فأحدث أرباك شديد في توازن العرض والطلب على الأيدي العاملة ، وخلق مشاكل كبيرة من خدمات وسكن وتعليم وطرق ووسائط نقل وصحة وغير ذلك ، بالمقابل وكما ذكرنا فقد أضعف الريف والقرية ...إنتاجا وإصلاحا وتسويق للمنتجات الزراعية ... وأحدث اصطفافا اجتماعيا وطبقيا غير منظم ، مما أثر سلبا على العلاقات الاجتماعية وتطورها الطبيعي في عملية البناء الاجتماعي والاقتصادي .
فضعفت الطبقة الوسطى في القرى والأرياف ، من أغنياء الفلاحين والمزارعين وأصحاب البساتين ( الملاكين ) كونها الطبقة الحيوية والناشطة في إدارة عجلة الزراعة والبستنة ، وهي الملازمة لحركة المجتمع وريادتها وتصدرها للبناء الاجتماعي في القرى والأرياف .
أن محاولات التأثير السلبي على حركة المجتمع ، باتباع مجموعة من الوسائل المنافية لحركة الحياة ، بظهور أنظمة قمعية دكتاتورية ، ومتقاطعة تماما مع حركة الحياة كونها أنظمة قمعية استغلالية جشعة ، فكانت عواقبها وخيمة في التطور الطبيعي للمجتمع العراقي .
لن يترعرع الجنين المجتمعي الذي يحمل الجديد ، ولن ينمو طبيعيا في رحم مجتمعنا ، والذي سيشكل نقلة نوعية إلى الأمام في البناء والتنمية المستدامة ، لو سارت الأمور بشكلها الطبيعي .
الأنظمة المتعاقبة أثرت سلبا في نمو هذا الجنين ، نتيجة لتلك الممارسات القسرية والقمعية والمعوقات والموانع للتطور الطبيعي لنشوء ونمو هذا الجنين .
فولد هذا المولود مشوها وغير قادر على إنتاج الجديد المفيد !..
ولا يتوافق مع شروط تطور ونشوء مجتمع أرقى ، وبمواصفات مختلفة عن سابقه القديم الذي أصبح لا يتفق مع حركة التطور ، فانعكس سلبا على الهيكل الهرمي للمجتمع من القاعدة إلى القمة وبالعكس ، ومن النواحي المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والأخلاقية ، وعلى الأعراف والقيم بشكل عام .
المجتمع وحركته ونشاطه المسؤول عن كل هذه المتغيرات التي ذكرناها بشكل سريع أو البعض منها ، والمتتبع للحراك الاجتماعي والمتغيرات التي حدثت بالجسم المجتمعي سيلمس حجم الخراب والدمار الهائل ، نتيجة لتأجيل ومنع حدوث نقلة نوعية في مجتمعنا العراقي للظروف الموضوعية والذاتية التي عاشها العراق وشعبه ، وكنتيجة منطقية لكل الأهوال والمصائب التي مررنا بها خلال العقود الخمسة أو الستة الماضية .
الشواهد على ما ذكرناها نلمسها اليوم في بلدنا العراق ، وما يعانيه شعبنا اليوم ، وما تعانيه المنطقة بشكل عام ، وسبب كل ذلك وما سوف يحدث مستقبلا هو الأنظمة السياسية الفاسدة والقمعية المتعاقبة على حكم العراق وغياب الدولة الديمقراطية المدنية العادلة .
اليوم نحن بأمس الحاجة إلى حركة نشيطة وواعية متبصرة ، للمهمات الواجب أن تضطلع بها قوى شعبنا الديمقراطية والتقدمية والوطنية ، وعلى بُنات الحياة والمتبصرين الواعين من شغيلة اليد والفكر، من الشابات والشباب والطلبة والمثقفين والساعين لعراق ديمقراطي أمن ومستقل .
على هؤلاء جميعا العمل بكل جهد وجد ونشاط لقيام نظام حكم ديمقراطي علماني اتحادي ، في عراق يتعايش فيه الجميع بأمن ومحبة وسلام ، تجمعهم خيمة العراق الوطنية ، وتكون المواطنة وقبول الأخر هما المعيارين ، ونبذ المحاصصة المقيتة ، والتصدي للطائفية وللطائفيين والعنصريين ، والتعصب القومي ولكل أنواع التمييز والتصحر الفكري ومعادات الثقافة والفنون والاداب وعلى هذه الشرائح الواعية التصدي بمسؤولية أدبية وأخلاقية ، لكل الظواهر والممارسات والسلوكيات للسلطة وأحزابها ( قوى الإسلام السياسي الحاكم ) ومؤسساتهم المختلفة ، المخالفة للدستور وللديمقراطية ، واللاغية للدولة ومؤسساتها ، وللحريات والحقوق وللتعددية الفكرية والسياسية والثقافية ولتنوع فسيفساء المجتمع العراقي .
وكذلك العمل على تنشيط عمل مؤسسات المجتمع المدني ، والنهوض الواعي في تقويم كل ما من شئنه أن يحرف الحراك الاجتماعي عن مساره ، وعن أهدافه في الانتقال السلمي والديمقراطي للسلطة ، وتعميق النهج الديمقراطي والمؤسساتي ، ونقل الدولة والمجتمع من مرحلة دنيا إلى مرحلة أسمى وأرقى .
حركة المجتمع ومسيرته وتطوره ، تحددها قوانين وضوابط محكمة الدقة والتنظيم ، وجوهرها الإنسان ، الناس هم صانعي الحياة ، وهم مالكين لكل شيء وخالقي كل شيء وعليهم يتوقف التغيير ، وعلى وعيهم وإدراكهم للمهمات الواجب النهوض بها لبناء حاضر ومستقبل العراق الأمن ، المتعاون المتعايش السعيد .
.
16/9/2017 م








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تذكرة عودة إلى سد الممرات الثلاثة


.. ما الذي ينتظره اللبنانيون من اتفاق ترسيم الحدود مع إسرائيل؟


.. تذكرة عودة إلى سد الممرات الثلاثة




.. تحية إلى بيروت


.. ماكرون يؤكد أن تركيا أرسلت مقاتلين سوريين إلى ناغورني قره با