الحوار المتمدن - موبايل


القيادة الشبكية مخاضٌ صعب في بيئةٍ متأزمة

هاشم العيسمي
كاتب سياسي

(Hashem Aysami )

2020 / 9 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


منذ مدة قصيرة خلال ورشة عمل تتعلق بالقيادة طُلب منا كمشاركين التفكر ثم إعداد مقال حول ماذا يعني أن تقود في عصرنا الحالي؟ العصر الذي يتسم بالتغير و التحول أكثر من الاستقرار و الثبات, عصرٌ يتسم بتوزع القوة على حساب تركزها, عصرٌ تفتقد فيه الدوافع إلى مكانتها المعتادة, عصرٌ أقل ما يقال فيه حول القيادة أنها تنظيم للعشوائية.
ما شرع ميسر الورشة أن أشار علينا التفكر في معاني القيادة في عصرنا هذا إلا و تواردت إلى ذهني قراءتي الأولى في هذا الموضوع, فقد تلقفت فكرة القيادة بدون سلطة أو قوة أول الأمر في كتابات الأناركيين أمثال بوكانين و ديفيد غريبر, ومن ثم فيما كُتب في علم الإدارة عن القيادة الاجتماعية, و قبل أن نشرع بالحديث عن السؤال الرئيسي الذي يتمحور حول ماهية القيادة في العصر الشبكي هنالك العديد من المحطات التي يجب أن نقف عندها و العديد من الأسئلة التي يجب أن نطرحها, ذلك من قبيل:
- ما هو العصر الشبكي؟
- ما هي المحددات الجديدة للقيادة؟
- ما هي القيادة الاجتماعية؟
- وأخيراً هل يمكن أن نوفق بين القيادة الشبكية و اللاسلطوية؟.

عصر السمات المتناقضة
بداية الأمر سنقوم بتأطير بسيط للبيئة التي تدور في خلجاتها الأحاديث حول هذه المفاهيم, فالحديث عن العصر ما بعد الصناعي, أو العصر الشبكي, أو عصر ما بعد الحداثة يحمل في براثنه من المخاطر ما يفتح للجدل أبواباً نحن في غنىً عنها, لذلك سنقوم بتوصيف العصر الذي نتكلم عنه حتى يسهل علينا الحديث في مضامين ما نريد الحديث عنه, فعصرنا هذا يتصف بعدد من الصفات أهمها:
- عصر ما بعد الايديولوجيا
حيث أن شروط التقدم و آليات التغيير لم تعد مرتبطة بايديولوجيات محددة لا تقبل الطعن أو الجدل فيها بل أصبحت مرتبطة بالخطط و البرامج و السياسات القابلة للتغير و التعديل و التطوير حسب الحاجة و التوفر.
- عصر الفواعل المتعددة و تبعثر القوة
فالناظر لهذا العصر يرى أن القوة لم تعد حكراً على الأبنية و الهياكل التقليدية القابضة على السلطة, و أن صنع القرار بات أكثر أهمية من اتخاذ هذا القرار, و لم يعد بالسهولة تحديد مصادر تلك السلطة أو المتحكمين فيها من فواعل ما فوق الدولة إلى الفواعل داخلها.
- عصر الطريق الثالث و الليبرالية الجديدة
رغم أن الحديث عن الطريق الثالث و الليبرالية الجديدة يبقى حديثاً محفوفاً بالمخاطر إلا أن قصدنا هنا يتحدد بإشكالية رئيسية تتمثل بوقوع الفرد ما بين مطرقة الحرية و الفردانية و سندان التضامن الاجتماعي و التماسك المجتمعي.
- عصر ما بعد الترابط العضوي للمجتمع
إن انتقال المجتمع من حالة الترابط الميكانيكي إلى حالة الترابط العضوي الذي فرضته طبيعة المرحلة و التغيير الحاصل في تقسيم العمل كما يسميه إميل دوركهايم لم يعد صالحاً كمفهوم للاستخدام في هذا العصر, فإنه و كنتيجة حتمية للتطور التكنولوجي لم يعد الترابط المجتمعي منوطاً فقط بمكان العمل و حيثياته, بل بالأحرى لم يعد منوطاً بمكان فيزيائي بذاته, و إن الأفكار و خصوصاً القائمة على المصالح سواء المادية أو المعنوية أصبحت هي الضابط الجديد لهذا المجتمع.
- عصر ثقافة المشاركة
إن أبرز سمات هذا العصر هو غلبة توجهات المشاركة عند أفراد المجتمع على التوجهات الضحلة أو توجهات الخضوع كما يصنفها جبرائيل ألموند و سيدني فيربا في اقترابهما للثقافة السياسية, هذه التوجهات التي تفرض رؤية الأفراد لدور فاعل أكبر لأنفسهم في عمليات النظام السياسي, و عليه فقد توسع منظور تشتت القوة بين مكونات المجتمع المختلفة من الأبنية التقليدية للحكم إلى الفواعل الجديدة من أفراد و هيئات.
في نهاية حديثنا عن البيئة لابد من الإشارة إلى أنك عزيزي القارئ قد تجد بعض التناقضات في سمات هذا العصر و هنا لابد أن ألفت انتباهك إلى أن هذه التناقضات و التي يروق لي تسميتها بالمنطقية تدل –إن دلت على شيء- على غلبة التحول و التغير على الثبات و الاستقرار بالإضافة الى تنوع و تعدد المصادر المحددة لأطر بيئتنا الحديثة.

القيادة ماهية ثابتة و كيفية متحولة
لا نستطيع القول بأن وظيفة القيادة قد تغيرت منذ النظريات التقليدية إلى النظريات الحديثة و انتهاءاً بمفهوم القيادة في العصر الشبكي, فقد عُرّفت القيادة التقليدية من قِبل ستوغديل بأنها "عملية التأثير في أنشطة جماعة منظمة و جهودها في وضع هدف محدد و تحقيق هذا الهدف" ثم عرّف هارماكوربي القيادة الشبكية في وقت لاحق بأنها "الفعل الذي يوجه جميع عمليات و موارد الشبكة نحو هدف محدد" و عليه تكون وظيفة القيادة في الحالتين هي إيجاد السبل المناسبة لتحقيق الغايات و الأهداف المطلوبة, إذاً بماذا يختلف المفهومين و ما الذي تغير؟
التغير الحاصل عبر العصور ليس بماهية القيادة بل بكيفية القيادة فلو ألقينا بنظرنا إلى الوراء قليلاً لرأينا أن الظروف المحيطة بالقيادة كعملية قد طرأت عليها العديد من التغيرات فالفواعل و العلاقات داخل العملية أصبح لها وزن أكبر عن ذي قبل و بالتالي فإن السلطة التي تعتبر محور مفهوم القيادة لم تعد محصورة و مركزة بأيدي أولئك الذين يمارسون الفعل القيادي و يوجهون العملية و يفرضون الرؤى, فقد أصبحت مجزأة بين جميع الفاعلين الهادفين لتحقيق الهدف من أعضاء المجموعة, و في بعض الحالات أصبحت القوة تتجزأ لتتعدى أولئك الفاعلين إلى المتأثرين أو المنتفعين من هذه الأهداف أو النتائج و ذلك على رأي أصحاب مدرسة القيادة الاجتماعية لتكون القيادة بهذا تعبر عن "نموذج تعاوني لاتخاذ القرار مبني على القوة المشتركة و الاحترام المتبادل" و تأتي هذه القيادة بمفاهيم جديدة تركز على التعلم الذاتي و التكيف الديناميكي للاستجابة إلى حيثيات البيئة المتغيرة, فلم يعد يتم تطويع العمليات و البيئة المحيطة لتناسب الهياكل و الأبنية, فقد غدا التطويع للأبنية بما يحقق الاستجابة الأمثل للعملية و بما يصيّر الاستفادة القصوى من الظروف و الشروط المحيطة, و في هذه الديناميكية الرملية أصبح الفرد بما يمثله كعنصر في العملية هو محور التغيير و مصب التركيز, إذاً كيف نتفاعل بما يحقق الأهداف؟

قيادة بدون سلطة, حقاً؟
إن العنصر الأهم من العناصر المشكلة لمفهوم القيادة كان و ما زال و سيبقى عنصر السلطة, أي أن القائد يحقق التفاعل مع الأفراد من خلال سلطته التي يمارسها عليهم بهدف توجيههم إلى تحقيق الغايات, و هذه السلطة لها أشكال عدة فقد تكون عن طريق ممارسة الثواب و العقاب أو من خلال التحفيز و الإلهام و كلاهما سلطة.
ما تنحو إليه القيادة الشبكية بشكلٍ أو بأخر هو التنظيم بلا قوة و السعي لتحقيق الأهداف بدون سلطة معتمدين فقط على الدافع الداخلي للأفراد المشاركين بالتنفيذ, و هنا لابد من التشكيك بصحة هذه الدعاوى فمن حالفه الحظ و اطلع على ممارسات الفوضويين في العالم يدرك أن لا تنظيم بلا سلطة, و إن أبرز ما يدلل على ذلك الأحداث المروية عن حركة "احتلوا وول ستريت" و التي رواها أحد المشاركين فيها الكاتب الفوضوي ديفيد غريبر في كتابه "مشروع الديمقراطية: التاريخ الأزمة الحركة" و التي يشرح فيها فلسفة الحركة و أهدافها و ما حدث معهم بالفعل, و إن أبرز ما تحدث عنه و ما يعنينا في هذا المقال هو كيف قامت الحركة وكيف تنظمت بدون قيادة؟
في مطلع حديثه في هذا الموضوع يطيل غريبر في الحديث عن المعاناة في إيجاد أسلوب قيادة تشاركي و تعاوني لا يفظي إلى تمركز السلطة بأيدي شخوصٍ بأعينهم (نسميهم نحن القادة), لذلك فقد سعى المنظمين إلى تقسيم المشاركين إلى لجانٍ عدة, تعنى كل لجنة بتفصيلة من تفاصيل التنظيم و لكل لجنة ميسر مسؤول عن وضع أجندة المناقشة و الاجتماع لهذه اللجنة و في النهاية فإن القرارت التي تتخذها اللجنة بالإجماع فيما يتعلق بتفصيلة التنظيم المسؤولة عنها تكون إلزامية لباقي المشاركين في الحركة, و حسب الكاتب فإن تلك الممارسة أفضل ما استطاعوا التوصل إليه بما لا يفضي إلى تمركز القوة حسب النمط التقليدي للقيادة.
في هذا الإطار أستذكر تجربة أخرى قد يمتعض القارئ لإدراجي إياها في هذا المنطلق من الحديث ألا و هي تجربة الصين في القيادة و التي أراها بشكل أو بأخر تعبر عن أحد أشكال القيادة الشبكية, فالنظام الصيني يعتمد نموذجين في القيادة أولهما النموذج الهرمي التقليدي الذي يقوم على تدرج السلطة من أعلى إلى أسفل و الثاني أفقي يقوم على توزيع السلطة أفقياً و على مستوياتٍ عدة, فالسلطة تتوزع أفقياً و على المستوى الأعلى بين الجيش و الحزب و الحكومة, و على مستويات أقل بين فروع الحزب و اللجان و مكاتب الحكومة المنتخبة و التي تمثل إرادات القرى و المقاطعات و المدن, و هنا تكون هذه الإرادات هي المحرك الأساسي للفعل السياسي و لنوعية و كيفية الحكم في هذا النظام.
إن السبب في إدراجي لتجربة الصين في هذا الإطار هي نفس السبب الذي قد يمتعض القارئ من وجودها بسببه, و هو اتفاقنا على أن النظام الصيني يصنف على أنه نظام ديكتاتوري شمولي, و أرى أن هذا سيفتح للمقارنة بين التجربتين السابقتين أفاقاً جديدة و منظورات مختلفة, فإن كلتا التجربتين لم تستطيعا التخلي عن مفهوم السلطة في التنظيم, ففي التجربة الأولى فإن وجود اللجان التنظيمية و الميسيرين الذي يعدّون الأجندات للمناقشة و التصويت, بالإضافة لاختلاف مستويات هذه اللجان و كيفية ترابطها و إلزامية قراراتها لا تعبر عن انقضاء مفهوم السلطة و لا عن نموذج تعاوني في اتخاذ القرار, فالقرار لم يشارك به الجميع و التوجهات الأساسية و الخطوط العريضة لم تأتي بقرار من الجميع و حسب رؤاهم و تفضيلاتهم, و هنا نستطيع الاتفاق على أن مفهوم تجميع السلطة لم ينقضي رغم اختلافه في التجربة الثانية التي تبرز إلزامية قراراتها بشكل أكثر حدة, كما أن مفهوم القائد لم يختفِ بل تحول إلى نمطٍ جديد تكون المفاوضات و القدرة على رسم الرؤى و التصورات و طرحها للموافقة الرازخة تحت ضغط الدوافع البشرية سيدة الموقف.
إن الحديث عن التشابهات و الاختلافات بين هاتين التجربتين -اللتان قد لا تصحان لتوضعا في مقام مقارنةٍ واحد لو أننا كنا نمارس البحث الأكاديمي- حديثٌ جدلي طويل, لكننا كما قلنا ففي عصر المتناقضات كل شيءٍ جائز, لذلك سأترك للقارئ حرية التفكر و عقد المقارنات و المحاكمات التي يراها مناسبة للخروج بمعنى و تصور لمفهوم القيادة يعتقد بصحته.

ما الذي نحن بصدده؟
إن الحديث عن انقضاء السلطة و تبخر مفهوم القائد أصبح حديث لا طائل منه, فديمقراطية المدينة قد انبلجت عنها نماذج حديثة و أكثر تعقيداً عبر العصور لأسبابٍ وجيهة قد يكن أهمها ازدياد عدد السكان و عدم الاختصاص و تقسيم العمل و غيرها من الأسباب,أو كما يقول أحد الأمثال فإننا لم نخرج من العصر الحجري لأن الحجارة قد نفذت منا بل إن التطور قد غلب على أمره, إذاً ما الذي نحن بصدده؟
الذي نحن بصدده الآن هو تحول مفهوم السلطة في العصر الشبكي, فمفهومي الثواب و العقاب و فرض التوجهات بسلطة البناء لم يعد وارداً, فبناء السلطة صار يعتمد على قدرة القائد على إيجاد الدوافع و الحوافز الداخلية لدى الأفراد و التي تفرض عليهم القيام بالعمل رازخين تحت ضغط أن هذه التوجهات إما نابعة من الداخل أو تحقق المصلحة الأفضل لهم كأفراد أو أن صاحب هذه التوجهات هو الأصلح للحكم على صلاحيتها للمجتمع , و بالتالي تكون الأصلح لبقاء المجتمع و تقدمه و عدم فنائه, بمعنى أخر فإن أهم منجزات العصر الشبكي هي تفكيك السلطة و تجزيء القوة و إن مهمة القائد الشبكي تتمثل بإعادة تركيب هذه القوة على مجموعة من الأسس التي تمكنه من إعادة فرض السيطرة, لذلك فإن من أبرز السمات التي يجب أن توجد عند قائد هذا الزمان هي قدرة عالية التواصل مع الأفراد و مفاوضتهم, قدرة على بناء الحلقات و الخطوط و ربطها بمصدر القوة, و السمة الأهم وهي القدرة على استنباط الدوافع و الحوافز الداخلية للأفراد و تحويلها إلى طاقة للعمل و إلى مصدر للقوة يرتكز عليها في رسم رؤاه و دفعها إلى التنفيذ بقوة الفريق.
إن القارئ للسطور الفائتة قد يرى بعض السادية في الطرح و قد يلحظ أنني ابتعدت كثيراً عن الطروحات السابقة للقيادة الشبكية, و هنا أود أن أؤكد أن هذه الكلمات ما هي إلا استنطاق للواقع و أن نظرتي هذه اتسمت بالواقعية عن المثالية و نحت المنحى السياسي-الاجتماعي على اتساعه عن المنحى الإداري الضيق و قبل أن أنهي هذا المقال هناك العديد من الأسئلة المفتوحة التي لم أرى لها جواباً و أود لو نتفكر بها سوياً.
- أين القيادة الشبكية من فوضوية المشاركة الواسعة؟
- ما هو المصدر الجديد للسلطة و ما هي آليات تركيبه؟
- ما هو موقف الشبكية من آلية الديمقراطية الأساسية ألا و هي الانتخابات؟
- بدون قيادة, كيف نتعامل مع البيروقراطية؟
و تبقى هذه الأسئلة برسم إجابتك عزيزي القارئ, و من يقل لك أن هذه الأسئلة تحتاج إلى مختصين للإجابة عنها فهو على التأكيد ليس فاعلاً شبكياً.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تذكرة عودة إلى سد الممرات الثلاثة


.. ما الذي ينتظره اللبنانيون من اتفاق ترسيم الحدود مع إسرائيل؟


.. تذكرة عودة إلى سد الممرات الثلاثة




.. تحية إلى بيروت


.. ماكرون يؤكد أن تركيا أرسلت مقاتلين سوريين إلى ناغورني قره با