الحوار المتمدن - موبايل


علمانية السودان: استحقاقات ثورية أم ثورية مضادة!

حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)

2020 / 9 / 21
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


تلقت بعض النخب العربية والمصرية خبر توقيع الحكومة الانتقالية في السودان الخميس 3 سبتمبر الحالي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال إعلان مبادئ ينص على فصل الدين عن الدولة في البلاد، بنوع من زهوة المنتصر والشعور بالنشوة وإطلاق الزغاريد.
لكن البعض الآخر تلقاه بحذر شديد، واستعاد بألم التجربة المصرية الدستورية فيما بعد ثورة 25 يناير العظيمة، حينما استقطبت "دولة ما بعد الاستقلال" العميقة في مصر الإخوان في المرحلة الأولى، ومنحوهم دستورا يقول: إسلامية.. إسلامية، وفي المرحلة الثانية استقطبوا اليسار القومي والاشتراكي وكذلك الليبراليين ومنحوهم دستورا مع لجنة الخمسين يقتص من الدستور الأول للإخوان، وحملت بعض شعاراته: علمانية.. علمانية.
كانت التجربة المصرية الدستورية توظيفية، لا الدستور الأول كان انتصارا لليمين، ولا الدستور الثاني كان انتصارا لليسار، لم يحقق الدستور الأول دولة الفضيلة والأخلاق، ولم ينتج الدستور الثاني دولة العلم والتقدم.. في حين ظلت أبنية التراتب الاجتماعي المصرية على حالها، بل زادت مساحة خلق التناقضات بينها وتعميق الاستقطابات باستخدام مميزات "الدمج والتسكين" الاجتماعي المركزية، وتراجعت المعايير والضوابط المؤسساتية لصالح الفرز "حسب الولاء" وتصعيد الكوادر الأقل موهبة والأكثر انتهازية، والأقل قدرة على التعبير عن "مستودع هوية" البلاد ومستلزماته.
في السياق ذاته؛ يستشعر البعض القلق من المسار التاريخي للتركيبة الحالية لنظام ما بعد الثورة في السودان، خرج النظام السياسي السوداني الحالي بعد واقعة مفصلية هي حادثة الاعتداء على الاعتصام الكبير هناك، وما صحبه من ضحايا في الأرواح وانتهاكات مسجلة، ليقبل المفاوضون باسم الثورة على مضض نظاما مختلطا قام على "مجلس سيادي"، ضم في عضويته البنية التمثيلية القديمة لـ "دولة ما بعد الاستقلال" بقلبها العسكري هناك.
تداخل الديني مع العسكري في "دولة ما بعد الاستقلال" في السودان قبل الثورة؛ جعل كفة الثورة والخروج على النظام القديم تميل كـ"تصويت عكسي" لتمثلات اليسار، وخرجت الحكومة السودانية الحالية تحمل العديد من نقاط الاستفهام في وعيها بالمسار السياسي الداخلي والخارجي المفترض، لحكومة محسوبة على الموجة الثانية من الثورات العربية (في السودان ولبنان والعراق والجزائر).
موقف الحكومة والخطاب الثوري من قضية التطبيع مع الصهيونية وما تم فيها من خطوات محل استفهام! الموقف من حقوق الشعب المصري في النيل وقضية سد النهضة، خلط فيه الوعي الثوري هناك بين الموقف العدائي من الإدارة السياسية المصرية التي دعمت في مرحلة ما ممثلي "دولة ما بعد الاستقلال" بقلبها العسكري، وبين ضرورة التأكيد على حق الشعب المصري في الحياة والماء، كذلك التصريحات المضمرة والعلنية لبعض السودانيين القريبين من اليسار عن التخفف من البعد العربي ومستلزماته في السياسات السودانية الجديدة!
ليأتي موضوع علمانية الدستور السوداني إشارة مقلقة على المسار السياسي لحكومة ما بعد الفض الكبير في السودان، مقلقة من جهة أنها لم تضع نصب أعينها النظر في بنية الفساد وتركيبته، وفي أنها تسعى لتحقيق مكاسب سياسية في قضايا شائكة مع الاحتفاظ بالأبنية السياسية نفسها التي أنتجتها، التناقضات التي خلفها الاستعمار وورثتها عنه "دولة ما بعد الاستقلال" في الوطن العربي بقلبها العسكري، هناك بعض وجهات النظر التي تقول إن تلك الدولة حافظت على وجود التناقضات، لتقدم نفسها في صورة الحارس عليها أو كما أسميتها سابقا "الدولة حارسة التناقضات".
بقاء البنية السياسية نفسها لـ "دولة ما بعد الاستقلال" بقلبها العسكري في السودان، سيفسره البعض بأن الوجود الشكلي الحالي الذي يتسم بالعلمانية واليسارية، ليس إلا مجرد عملية توظيف مرحلية، طالما لم يحدث تغيير في مفهوم مشاركة العسكريين في البنية السياسية للبلاد، لأن العسكريين ورثة "دولة ما بعد الاستقلال" لا يملكون برنامجا سياسيا في العموم يقوم على "الفرز الطبيعي" والمؤسساتية، ومن ثم لا يملكون في إدارة العملية السياسية ما يقدمهونه للناس سوى فكرة التوظيف التبادلي لليسار واليمين العربيين، والاستناد للصراع التاريخي القديم بينهما إرث القرن الماضي.
ما أكد المخاوف تلك عند البعض، هو استقبال بعض الأبنية العسكرية في السودان لبعض المحسوبين على اليمين في السودان مؤخرا، وبعد إعلان دستور: علمانية.. علمانية!!
السودان يتسم بالتنوع الثقافي والعرقي الشديد، وفي لحظة غباء سياسي تم استخدام سياسات من نظام ما قبل الثورة هناك، أدت لانفصال الجنوب بهوية دينية مسيحية تفجرت تناقضاتها فيما قبل الثورة، لكن عن أي علمانية يتحدثون، وسبق لهم أن فشلوا في الاجتهاد لتقديم تعريف لكلمة دولة "مدنية"، قبل ظهور النظام السياسي لما بعد الثورة هناك الذي قام على "مجلس سيادي"، والذي يشارك فيه ممثلي المؤسسة العسكرية هناك، وقام هؤلاء الممثلون العسكريون بعدة خطوات تجاوزت حكومة ما بعد الثورة، مثلما حدث في ملف التطبيع!
أعتقد أن ما يجري في السودان يحمل دلالة ليس كما يحتفي بها الانطباعيون من أهل اليسار، إن فشل الذين تحدثوا باسم الثورة في الوصول لاجتهاد نظري لمعنى "مدنية" دال للغاية، فيما سيصل إليه نظام ما بعد الثورة الحالي في السودان، وهو ما يذكرني بموقف "ائتلاف شباب الثورة" المصري بعد الثورة، وعدم جهازيته لتقديم تصورات نظرية واضحة للشعارات التي يرفعها، فتم سحبه للأرضية التاريخية للصراع بين اليمين واليسار المصريين، وصولا لدستور :إسلامية.. إسلامية، ثم دستور: علمانية.. علمانية.
واقعة المفاوضات بين الذين تحدثوا باسم الثورة في السودان، والنظام القديم بقلبه العسكري هناك دالة للغاية من وجهة نظري، من جهة أنها عكست تمترسهم حول شعارات الصراع التاريخي بين اليمين واليسار، ولم يكن هناك جهازية بوجود أصوت لها مساحة للحديث عن تجاوز "دولة ما بعد الاستقلال" بوجهيها السلطوي والمعارض يمينا ويسارا، وأن العجز عن تقديم خطاب نظري جديد يتمفصل حول لحظته الآنية سيتحكم أيضا مستقبل حكومة ما بعد الثورة، وفي لحظة معينة ستصل بها التناقضات لمحطة العجز التام أو استهلاك الغرض من ورائها.
لا توجد ثورة دون تغيير في بنية النظام السياسي نفسه وتراتباته الاجتماعية التي يشكل بها ذاته، و"آلية الفرز" التي يستخدمها للتصعيد الاجتماعي وفق "الولاء" والانتهازية، أو وفق "الكفاءة" والعدل.. ثبات البنية السياسية المركزية، مع ادعاء تغيير السياسات (علمانية أو غير ذلك) سيصل عاجلا أو آجلا للحظة الصدام، حيث السياسات الجديدة المفترضة تتطلب لتنفيذها كوادرا جادة وفرزا فاعلا، وهو ما لا يحدث بل يتم توظيف المزيد من التناقضات، وهذه التناقضات دالة في موقف سابق للخارجية السودانية من التطبيع، واختيار الكوادر الممكن توظيفها وفق أهداف ممثلي المؤسسة العسكرية من وراء الستار.
لذا حقيقة على المستوى البعيد أرى في دستور: علمانية علمانية، وما صاحبه من دلائل ومؤشرات في الحالة السودانية، استحقاقا ثوريا مضادا، وليس استحقاقا ثوريا أبدا.. ولا أستبعد تبدل التحالفات بين عشية وضحاها، بشكل أو بآخر.
يبدو أن دول الموجة الثانية من الثورات في السودان ولبنان والعراق والجزائر، ستشهد المزيد من تفعيل التناقضات الداخلية والتدخلات الخارجية، ويبدو أن الدرس لم يتم استيعابه جيدا وبشكل كامل، لتتمفصل الذات العربية حول لحظتها التاريخية حقيقة، وتمنح الفرصة لـ"فرزها الطبيعي" لتتجاوز "دولة ما بعد الاستقلال" ومعارضتها التاريخية يمينا ويسارا.
أما جمهور الثورة العربية وقاعدتها في العموم فهو في مخاض؛ "الفرز الطبيعي" الأول الذي أنتج الموجة الثورية الأولى انتهى إلى تراجع، واتجهت بنيته الحقيقية للخلف في وسائل التواصل الاجتماعي، وتمت استعادة "التنخيب السياسي" أو ما يسميه البعض "التنخيب الزائف" لكوادر اليمين واليسار، والمنشقين عن هؤلاء والمنشقين عن أولئك، لشغل المشهد بالزائف والهش ورد الفعل والسطحي.
لكن هناك "فرز طبيعي" ثاني يجري تحت السطح وعلى عدة مستويات، والتدافع بين "استعادة الذات" العربية و"مستودع هويتها" ومستلزمات الدفاع عنه، وبين تفكيك تلك الذات لم يصل أبدا للحظة إعلان هزيمة الذات العربية، سواء عن طريق تفجير التناقضات والصدمات النفسية الجماعية، أو تضييق الحال على عموم الناس.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الظابط زكريا يونس عرف يوصل للإرهابي قبل تفجير عبوة ناسفة وسط


.. شاهد: الشرطة الأمريكية تفرق بالقوة متظاهرين غاضبين من قتلها


.. فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض




.. قناة -ذاكرة الأنصار- الحلقة رقم 74 -أمسية المسرحيين الأنصار


.. العراق .. رسائل لرئيس الوزراء الكاظمي نحو الجوار ونحو المتظا