الحوار المتمدن - موبايل


ملاحظات عابرة في التطبيع الخليجي الصهيوني

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 9 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


ثمة مثل شائع يتداوله العرب في مجالسهم الخاصة والعامة عندما يتحدثون عن الروابط والعلاقات فيما بينهم من جهة , وفيما بينهم وبين الآخرين من جهة أخرى ,مفاده : " أنا وأخي على إبن عمي , وأنا وإبن عمي على الغريب" , بمعنى أن الأخوان يجب أن يتضامنوا فيما بينهم عند أية خصومة وخلاف بين اي منهم , وبين أي من أبناء عمومتهم , وعليهم جميعا إخوان وأبناء عمومة أن يتضامنوا ضد خصومهم الآخرين كائنا من يكونوا . بينما نلاحظ اليوم أن بعض العرب قد إنقلبوا راسا على عقب على هذا المفهوم ,لا بل تمردوا على مفهوم التضامن الأخوي والأسري فيما بينهم ,فبات البعض منهم يحيك الدسائس والمؤامرات بعضهم على البعض الآخر في السر والعلن من أجل السلطة والمال والنفوذ والجاه دون حياء.
كان شعار التضامن العربي بين الدول العربية حجر الأساس في السياسة العربية بحدها الأدنى لسنين طويلة , وكانت القضية الفلسطيبنية محورها الأساس التي لا يختلف عليها إثنان حتى وإن إختلفوا قي كل شيئ آخر. فسبحان مغير الأحوال , إذ تغيرت مفاهيم السياسة لدى بعض أمراء وشيوخ الخليج بين يوم وليلة, حيث أصبح العدو صديقا لا بل حليفا , وأصبح الشقيق عدوا مارقا يستحق الفناء والدمار . باتوا يتضامنون مع العدو ضد إخوانهم في السر والعلن وبكل وقاحة ودون أدنى خجل , لدرجة أن البعض يتباهى اليوم بذلك وكأنه قد حقق فتحا مبينا في عالم السياسة, وبالت يحلو لبعضهم لعب دور الأبطال الصناديد الذي أسبغته عليهم وسائل إعلامهم المزيفة . جعلوا بلدانهم الفتية منصة للحرب والعدوان لدول أجنبية ضد بلدان عربية شقيقة . إنطلقت من هذه البلدان جحافل الجيوش الأمريكية ومن تحالف معها لغزو وإحتلال العراق وتدميره, شعبا وحكومة وحضارة وكيانا عام 2003, الأمر الذي فتح شهيتها للمزيد من العبث والتدخل بشؤون دول عربية أخرى شقيقة كانت تتبادل معها أفضل العلاقات,وتنعم جميعها بالآمن والإستقرار . بدأت تدخلاتها العبثية في سورية وليبيا واليمن وتونس تحت غطاء ما عرف بالربيع العربي , بدعاوى باطلة ظاهرها تحرير شعوب تلك البلدان من إستبداد حكامها , بينما هي ذاتها بلدان تعاني شعوبها من أعتى النظم الشمولية الإستبدادية , وباطنها تفتتيت تلك البلدان وهدم نسيجها الإجتماعي وتأجيج الصراعات الدينية والطائفية والإثنية فيما بينها , ونهب ثرواتها ومواردها وجعلها دولا فاشلة كما هو حالها اليوم لا تسر أحد.
كانت دول الخليج العربي حتى وقت قريب كيانات ضعيفة لا تقوى على حماية نفسها , كانت تحضى بحماية بريطانيا حتى مطلع عقد السبعينيات من القرن المنصرم , حيث أنهت بريطانيا حمايتها المباشرة لها , وجعلت منها دولا ذات سيادة تحت رعايتها , تولت بعدها الولايات المتحدة الأمريكية هذه الرعاية , بعد أن أعادت الحكومة البريطانية النظر بإلتزاماتها الخارجية وخفض تواجدها العسكري وغلق قواعدها العسكرية في البلدان الأخرى. تمكنت هذه الدول بفضل عائداتها المتزايدة من مبيعات النفط والغاز, وإنتهاجها سياسات عقلانية متوازنة والنأي بالنفس عن مشاكل الدول الأخرى في بادئ الأمر, من تحقيق نهضة عمرانية وتجارية واسعة , حيث إنتهجت حكوماتها في السنين التي أعقبت إستقلالها سياسات هادئة ومتوازنة أبعدتها عن الصراعات الإقليمية والدولية , كما أنها تظاهرت بنصرة القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية من منطلقات قومية ودينية , وقدمت بعض الدعم المادي والمعنوي والإعلامي لنصرتها شأنها شأن الدول العربية الأخرى والكثير من دول العالم من منطلق شرعيتها كقضية وطنية عادلة. وأضحت هذه الدول نقطة جذب للقوى العاملة الوافدة من شتى بقاع العالم طلبا للرزق , ولهم جميعا يعود الفضل في بناء تلك البلدان.
إن ما أردنا قوله هنا هي أن سياسة النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية التي إنتهجتها تلك البلدان عشية نيلها إستقلالها والعقود اللاحقة التي تلتها حتى وقت قريب , كانت سياسة حكيمة جنبتها الكثير من المشاكل , وجعلت منها دولا آمنة ومستقرة وجاذبة للإستثمارات العربية والأجنبية , إضافة إلى مواردها الذاتية التي وظفت جزءا منها في مشاريع عمرانية وتجارية وسياحية أسهمت بنهضتها , وجعلت منها دولا عصرية حديثة , ينعم سكانها بالرفاهية والكثير من الترف والبذخ والتعالي تجاه مواطني الدول العربية الأخرى الأكثر حضارة وعلما منهم . كما تشابكت مصالحها مع مصالح الدول الغربية الكبرى عبر إستثماراتها المالية الضخمة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ودول أخرى , جعلت منها رهينة بيد حكومات تلك البلدان حيث لا يمكنها الخروج عن طاعتها , ذلك أن بإمكان هذه الحكومات تجميد هذه الأموال متى شاءت ذلك , كما حصل ذلك مرارا مع بلدان أخرى كثيرة خرجت حكوماتها يوما عن طاعة الحكومة الأمريكية لهذا السبب أو ذاك.
يتوهم من يعتقد أن هذه الودائع في المصارف الأجنبية ستوفر له الضمانة والحماية الأبدية , في عالم لا صداقات دائمة فيه بين الدول , بل هناك مصالح دائمة بينها في عالم متغير , وأن العلاقات الدولية أشبه ما تكون بالرمال المتحركة . والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة لا حاجة هنا للخوض بتفصيلاتها . وبرغم هذه المخاطر فقد نجحت هذه الدول بإقامة علاقات دولية جيدة مع دول العالم المختلفة في إطار تبادل المنافع والمصالح المشتركة ,فضلا عن كونها مصدر هاما للطاقة التي لا غنى عنها في الوقت الحاضر.
إلاّ أنه يلاحظ ثمة إستدارة واضحة بسياسات هذه البلدان في السنين الأخيرة , تمثلت أولا بدعمها الحركات الإرهابية المسلحة , ومدها بالمال والرجال والسلاح , وتوفير التغطية الإعلامية الواسعة لها عبر وسائلها الإعلامية التي باتت منتشرة في كل مكان , وتصدير هذه الجماعات الإرهابية إلى الدول الأخرى , بوصفها "حركات جهادية لنشر العقيدة الإسلامية" ,أو تصحيح بعض مفاهيمها التي تدعي أنها منحرفة عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف, حسب زعم منظريها المتشددين. بدأتها أولا في أفغانستان بطلب أمريكي , بدعوى محاربة حكومتها الشيوعية المدعومة يومذاك من الإتحاد السوفيتي , لتنتقل بعدها إلى الدول الأخرى وفي مقدمتها الدول العربية , والغريب أن فلسطين التي تحتلها إسرائيل منذ سنين طويلة لم تكن بين هذه الدول التي إمتدت إليها " الحركات الجهادية " . إنقلب السحر على الساحر بعد خروج القوات السوفيتية من أفغانستان , حيث توجهت أسلحة " المجاميع الجهادية " كما يحلو لمؤيديهم تسميتها , لتتوجه نحو رعاتها الأمريكان , جسدتها تفجيرات الحادي عشر من أيلول بأبشع صورها عام 2001, حيث تكبدت الولايات المتحدة الأمريكية خسائر بشرية ومادية جسيمة . قامت الولايات المتحدة الأمريكية على أثرها بشن حرب مدمرة ضد أفغانستان مأوى " الجهاديين " , حصدت أرواح الآلاف من الضحايا وإلحاق دمار شامل في أفغانستان , ولكن دون جدوى , حيث ما زالت الحرب مستعرة حتى يومنا هذا , الأمر الذي إضطرت فيه الولايات المتحدة بكل جبروتها على وقف إطلاق النار والتفاوض مع من كانت تصفهم بالإرهابين لتحقيق خروج آمن لقواتها الغازية من أفغانستان .
كان العراق المحطة الثانية للغزو الأمريكي عام 2003 بدعم وتمويل خليجي , حيث إنطلقت من دول الخليج وشبه الجزيرة العربية جحافل العدوان لتدمير العراق شعبا وحضارة وحكومة وكيانا بدعاوى زائفة ثبت بطلانها للقاصي والداني , كان ينبغي مقاضاة المعتدين عليها بموجب القانون الدولي وتحميلهم كل ما لحق بالعراق والعراقيين من خسائر هائلة . لكن هؤلاء المعتدين لا يردعهم قانون , ذلك أنهم فوق القانون , فهم يؤمنون بقانون القوة ولا يعيرون إهتماما لقوة القانون . والعجيب أن دول الخليج التي إنطلق منها العدوان وبتمويلها , تتباكى اليوم على العراق , وكأنها لم تكن مسؤلة عن كل ما لحق بالعراق من خراب ودمار, كما يقول المثل المصري : " يقتلون القتيل ويمشون بجنازته ".
نعود الآن إلى موضوع تطبيع العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول الخليجية الذي تم مؤخرا برغبة وتخطيط ورعاية الولايات المتحدة الأمريكية الذي قدمته هدية للحكومة الإسرائيلية , وإمعانا بإذلال الحكومات الخليجية العربية التي ما إنفكت تقدم فروض الطاعة العمياء والهبات المالية السخية للولايات المتحدة الأمريكية ,على الرغم من سخريتهم المستمرة بهؤلاء الحكام , ولمساعدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يواجه بعض المشاكل بحملته الإنتخابية بسبب فشل سياسته بالتصدي لجائحة كورونا التي أودت بحياة الآلاف من الأمريكيين , لتتصدر قائمة الدول الأكثر إصابة ووفيات بهذا الفيروس , وكذلك مساعدة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الذي يواجه حملة إنتقادات واسعة بسبب إتهامه بتقاضي رشاوى . أما الفلسطينيين أصحاب القضية فليشربوا ماء البحر.
التطبيع كما هو معروف في الأدبيات السياسية , مصطلح سياسي يشير إلى جعل العلاقات طبيعية بين دولة وأخرى بعد فترة من التوتر أو القطيعة لأي سبب كان، حيث تعود العلاقة طبيعية بينهما بعد تسوية الخلافات ,وكأن لم يكن هناك خلاف أو قطيعة سابقة بينهما. فالتطبيع إذن يفترض أولا وجود نزاع مسبق بين الدول , ويفترض ثانيا تسوية هذا النزاع , لتعود بعدها العلاقات إلى طبيعتها الإعتيادية القائمة على أساس التكافؤ والتعايش السلمي وتبادل المصالح بين الدول . فأين تطبيع دول الخليج من ذلك ؟, إذ لا يوجد أساسا نزاع مباشر بين أي منها ودولة إسرائيل , وإنما هناك إحتلال صهيوني لفلسطين وأراضي عربية أخرى , ونزاع قائم قبل نشوء هذه الدول أصلا , إذ تعود جذوره إلى مطلع القرن العشرين المنصرم وما زال قائما حتى يومنا هذا , ولم يطبع أصحاب القضية أنفسهم مع عدوهم الصهيوني الذي ما زال جاثما على صدورهم. فالتطبيع والحالة هذه يجب أن يبدأه الفلسطينيون أصحاب القضية أولا بعد نيلهم حقوقهم المشروعة , ولا أحد سواهم كائنا من يكون له الحق بذلك. أما إقامة علاقات مع هذه الدولة أو تلك فهذه مسألة سيادية لكل دولة بحسب ما تراه مناسبا , بشرط عدم المساس بثوابت الأمة وقيمها , وعدم الإخلال بالأمن القومي والإقليمي .فهل تعتقد هذه الدول حقا أن إقدامها على إقامة علاقات مع إسرائيل سيعزز أمنها وأمن المنطقة المضطربة أصلا .؟ يعتقد كثيرون على نطاق واسع أن إقامة هذه العلاقات سيكون مدخلا واسعا للصراعات الإقليمية والدولية التي لا تصب في مصلحة أي من هذه الدول.
دأبت الولايات المتحدة الأمريكية على تخويف الدول العربية من مخاطر خارجية مزعومة , في الوقت الذي تعاني فيه معظم هذه الدول من مخاطر حقيقية تهدد وجودها ووحدة أراضيها من قبل قوى غازية ومحتلة لبلدانها وناهبة لثرواتها , ففي عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم ,كانت تلوح بالخطر الشيوعي للحد من تصاعد نشاط الحركات الوطنية التحررية التي شهدتها هذه الدول . لذا سعت لربطها بأحلاف عسكرية , كان أبرزها حلف بغداد الذي ضم العراق وإيران وتركيا وباكستان . وبرغم ذلك فقد سقط نظام الحكم الملكي في العراق عام 1958 أي بعد سنوات قليلة من إبرام حلف بغداد , بينما بقيت النظم الملكية الأخرى التي لم ترتبط بحلف بغداد قائمة حتى يومنا هذا . تعود الولايات المتحدة الآن الكرة بتخويف الدول العربية بعامة , ودول الخليج وشبه الجزيرة العربية بخاصة , بخطر إيراني مزعوم , بينما تمثل إسرائيل الخطر الحقيقي الفعلي على الأمن القومي العربي , كونها تحتل فلسطين وأراضي عربية من دول أخرى , وتسعى إلى إحتلال المزيد من الأراضي العربية كلما سنحت لها الفرصة لتحقيق حلم الصهيونية بتأسيس دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل , وهي فوق هذا وذاك الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط , وتحضى برعاية خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية , حتى باتت اليوم القوة الأعظم في المنطقة بدون منازعودون رادع .
لا نختلف مع الرأي القائل بأن إيران تسعى لمد نفوذها في المنطقة العربية أبدا , وكذا الحال بالنسبة لتركيا وغيرها من الدول, هكذا هو الحال بالنسبة للضعفاء, فقد كانوا عبر التاريخ يثيرون شهية أطماع الأقوياء , تفترسهم الذئاب دون رحمة , فعلى من لا يملك القوة أن يسعى لتحصين داره وسد كل الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها الأعداء , وأن يسعى لتوسيع دائرة الأصدقاء والتحلي بالحكمة وتجنب إثارة المشاكل كلما أمكن ذلك.
وأخيرا نقول , أما كان الأجدر بهذه الدول ترميم بيتها الخليج وتطبيع العلاقات التي تشهد الكثير من دوله التصدع فيما بينها ,وبات واضحا للقاصي والداني ومدخلا لتدخل الدول الأجنبية بشؤونها ؟.والكف عن التدخل بشؤون الدول العربية الأخرى , كما في اليمن وليبيا وسورية والعراق ولبنان وغيرها التي ساهمت بإشعال الفتن والصراعات الدامية فيما بين شعوبها عبثا, ومد الجسور والسعي لبناء الثقة مع دول الجوار لتعزيز الأمن الإقليمي وأمن المنطقة بعيدا عن مداخلات الدول الأجنبية التي لا يهمها سوى مصالحها أولا وأخبر, والتوقف عن محاولات لعب أدوار الدول الكبرى لمجرد إمتلاكها المال الذي يفترض توظيفه لتحقيق تنمية مستدامة شاملة لبلدانها كي تنعم أجيالها القادمة بالعيش الكريم. فالتطبيع يجب أن يبدأ أولا بالدول الخليجية نفسها , وبينها وبين الدول العربية التي تدخلت بشؤونها ثانيا , وبينها وبين دول الجوار والدول الإقليمية ثالثا , وكفى الله المؤمنين شر القتال.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرئيس الأمريكي يستضيف قمة للمناخ في اليوم العالمي للأرض لمك


.. -في أثر عنايات الزيات- للكاتبة ايمان مرسال.. كتاب مذهل يكشف


.. تونس: تحقيق قضائي بعد اتهام برلماني لسعيد بتلقي تمويل خارجي




.. فرق السوبرليغ تنسحب من المشروع باستثناء الريال وبرشلونة


.. الولايات المتحدة: البنتاغون: تحديات أمنية معقدة بالشرق الأوس