الحوار المتمدن - موبايل


من التطبيع إلى الاستلاب: صفقة القرن والخضوع لرواية الآخر الصهيوني

حاتم الجوهرى
(Hatem Elgoharey)

2020 / 9 / 23
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


منذ خمس أعوام كاملة في نهاية عام 2015؛ كتبت ردا على د.يوسف زيدان وما طرحه وقتها في البرامج التليفزيونية والمقالات الصحفية، عن موضوع القدس والمسجد الأقصى، وقدمت تصورا معرفيا استشرافيا وفق ما قرأته مبكرا للغاية، بأن ما يحدث هو عملية "استلاب للآخر" الصهيوني والانتصار لروايته في الصراع، وفي الوقت نفسه هو عملية "انسلاخ عن الذات" العربية وتنكر لروايتها في الصراع، بكافة أبعادها السياسية والتاريخية والدينية والإنسانية.

استشراف لـ"نمط سياسي" ليته أخطأ
واعتبرت أن ما يقوم به يوسف زيدان هو "نمط سياسي" يجري التمهيد له واختباره في المشهد المصري والعربي، تمهيدا لتمرير بنود صفقة القرن ووقعها على الناس كمرحلة أولى، ثم احتمالية تحققها وفرضها على العرب في مرحلة ثانية، ومع ظهور مراد وهبة نهاية العام الماضي، بالإضافة إلى 16 نموذجا عربيا ومصريا يقدمون الخطاب نفسه ولكن بمرجعيات مختلفة سواء دينية أو علمانية أو سلطوية، قمت برصدهم في دراسة قيد النشر حاليا، وأخيرا مع انضمام أماني فؤاد لقائمة خطاب الاستلاب..
فإنني أعترف؛ أن هذه من المرات القليلة التي تمنيت فيها خطأ تصوري المعرفي، وعدم دقة تأويلي لمجمل القراءات التي رصدتها في الموضوع، لكنني وبكل مرارة وحزن أقر الآن أن ما يجري هو وفق ما تصورته وأولته تماما، وأن هناك قطاع مؤسسي ما في مصر والوطن العربي كان يقف وراء حضور يوسف زيدان في المشهد العام، بوصف ذلك "نمطا سياسيا" تمهيدا لخروج بنود صفقة القرن للعلن، ثم احتمالية فرضها كما يجري حاليا.

ما بين التطبيع والاستلاب
خطورة الانتقال من الاعتراف بالآخر إلى الاعتراف براويته
الآن أصبح من المهم أن نعرف ما نواجهه صراحة وبكل ووضوح، الفكرة المركزية لخطاب "الاستلاب للآخر" كما أسميته منذ حوالي خمس سنوات، تختلف تماما عن مشروع التطبيع الذي كان مطروحا على الطاولة المصرية مع اتفاقية السلام، أو مع اتفاقية أوسلو في التسعينيات بين الفلسطينيين والصهاينة. التطبيع اختصارا -وفيما يخصنا منه في هذا الموضع- هو إقرار طرفين بوجود كل منهما، مع إقامة علاقات وتبادلات تزيد أو تقل ليس هذا هو المهم الآن، التطبيع إجمالا هو اعتراف بوجود آخر وقبول هذا الوجود في أشكال من العلاقات زادت أو قلت، تنوعت أو انحصرت..
لكن لتعي الناس ما ننواجهه فإن الاستلاب الذي جاء مع صفقة القرن هو أمر مغاير للتطبيع تماما، لكي يدرك الجميع خطورة الأمر فإن التطبيع كان إجمالا: احتفاظ كل من العرب والصهاينة بالرواية الخاصة بهما، لكن مع وجود علاقات ما زادت أو قلت، علنية أو سرية، تنوعت أو انحصرت. لكن الاستلاب وخطابه الذي أسس له يوسف زيدان قبل الجميع، يقوم على الخضوع لرواية الآخر الصهيوني وتصوره للصراع سياسيا ودينيا وتاريخيا، وتفكيك وكبح رواية الذات العربية للصراع سياسا ودينيا وتاريخيا أيضا.

اشتراطات التطبيع في روايتها العربية الأخيرة
تتبدي تمثلات خطاب الاستلاب تفريقا له عن التطبيع، بأن آخر رواية للذات العربية لتطبيع العلاقات مع الصهيونية، كانت رواية "المبادرة العربية للسلام" التي طرحت في السعودية عام 2002، وقدمت عدة اشتراطات للتطبيع وقبول الآخر الصهيوني، ولكي أختصر المسافة على القارئ لأوضح الاختلاف بين اشتراطات التطبيع القديمة، ودعاوي الاستلاب الحالية، سأقول اختصارا أن الاستلاب مع صفقة القرن قضى على الشروط العربية ومحاها تماما ، التي كانت تتضمن: دولة فلسطينية مستقلة، تكون القدس الشرقية عاصمة لها، والعودة لحدود ما قبل عدوان 1967، وعودة اللاجئين الفلسطينيين، وتفكيك المستوطنات الصهيونية داخل الحدود الفلسطينية فيما قبل 1967، وكانت كل هذه الشروط في مقابل مجرد الاعتراف بـ"إسرائيل" سياسيا من خلال علاقات دبلوماسية تشمل بشكل أساسي تبادل السفارات.

خطاب الاستلاب وتبنيه للرواية الصهيونية مجانا
لكن خطاب الاستلاب قضي على الرواية العربية تلك، وتجاوز حتى المرجو منها للصهيونية وهي عملية التبادل الدبلوماسي، وانتقل من القضاء على شروط الرواية العربية للتطبيع، إلى القبول بشروط الرواية الصهيونية التي تقول بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، ولا توجد دولة فلسطينية مستقلة، ولا تفكيك للمستوطنات بل ضم المزيد من الأرض الفلسطينية للسيطرة الصهيونية المباشرة، ولا عودة للاجئين الفلسطينين..
وروج خطاب الاستلاب الذي قدمه زيدان ومن تبعه للرواية الصهيونية دينيا، فنفي علاقة المسلمين بالمسجد الأقصى والقدس وأكد على الرواية الدينية اليهودية التي تستند إليها الصهيونية، وكذلك روج خطاب الاستلاب للرواية الصهيونية سياسيا من خلال الاعتراف حتى بدولة "إسرائيل" كـ"دولة يهودية" يكون العرب المسلمون والمسيحيون فيها درجة ثانية، كما جاء في خطاب أماني فؤاد، وروج خطاب الاستلاب لرواية تفوق الآخر علميا وحضاريا كما مع مراد وهبة..
أما مع توقيع الإمارات والبحرين لاتفاقية السلام مع "إسرائيل" فكان الأمر قد وصل لذروته وصفقة القرن، التي جاءت دلالتها من الاسم الذي منحه ترامب للاتفاقية وهو "اتفاقية إبراهيم"، ولكي أختصر دلالة الاسم على الناس في سياق خطاب الاستلاب للرواية الصهيونية، سأقول أن "الإبراهيمية" في التصور اليهودي الديني تعني سيطرتهم وحدهم على المنطقة من النيل للفرات وفي قلبها فلسطين، وهيمنتهم على العرب.

لحظة مفصلية أمام جيل مصري وعربي تحمل الكتير
أبينة تآكلت وأبنية تحلم بالصمود
المهم في الأمر أن خطاب الاستلاب يأتي في ظرفية حضارية حرجة للغاية، تتطلب مسئولية سياسية هائلة وواعية للغاية، وخطابا بديلا يتسم بطول النفس والعزيمة، الظرف الحالي يشهد تفكك كافة تحالفات التيارات السياسية القديمة بعد استقطابات 25 يناير وصعود الإخوان ثم إزاحتهم، ويشهد ارتباكا في الفرز الثقافي المصري وتبدل مكوناته على المستوى العام والأكاديمي والصحفي والمؤسسي والجماهيري، ولا نكون قد ابتعدا عن الصواب كثيرا إذا قلنا البنية الثقافية المصرية أيضا تشهد مخاضات متعددة واستقطابات متعددة أيضا، كما أن الجماهير العربية والمصرية لا تكاد تلتقط أنفاسها من محاولات التفكيك الناعم والخشن على كل المستويات، وقدرتها في التعبير المنضبط أو التلقائي عن الرأي أو الغضب أصبحت تتطلب وقتا أكثر، لتبحث عن لحظة تتوافق فيها شروطها..
لذا فالمسئولية السياسية دقيقة للخطاب البديل لخطاب الاستلاب للآخر الصهوني، ويمكننا تسميته بخطاب "استعادة الذات" العربية وثوابتها المرحلية والعامة تجاه الصراع، هذا الخطاب يجب ان يتسم بالمسئولية السياسية ويسعى لتكوين قناعة مغايرة لخطاب الاستلاب، وتقديمها للناس ومعظم المستويات العربية، بوصف ذلك بديلا استراتيجيا في التعامل مع مشروع صفقة القرن والقبول بها.

ترامب التمثل الأخير لهيمنة المسألة الأوربية في شكلها الأمريكي
ذروة سياسة "الاحتواء والتفريغ"
صفقة القرن ظهرت في فترة حساسة للغاية من مشروع الجماهير العربية للثورة، ترامب كشف سوءة التوجه الأمريكي القديم تجاه ثورة الذات العربية الذي كان يقوم على "الاحتواء والتفريغ"، قبل ظهوره أمريكا كانت تحتوي مطالب الثوار وتطالب باحترام حق التعبير ومطالب التغيير، لكن في الواقع كانت تسعي لاحتواء كافة التمثلات السياسية للثوار وتحتفظ بعلاقة مزدجة مع كل الأطراف سلطة ومعارضة، لتفرغ "شحن الذات" العربية واحتشادها، وتحتويه ليصل لنقطة اللاشيء لكن بشكل هاديء وناعم..
أما مع ترامب الأمر مختلف تماما، ترامب يمثل ذروة مرحلة "الهيمنة الأمريكية" وسياسة "الاحتواء والتفريغ" علانية، ويعتمد على "سياسة حافة الهاوية" و"المفاوضات المكشوفة المباشرة" التي يسميها "صفقات"..
لذا خطاب "استعادة الذات" العربية في مواجهة ترامب وخطاب الاستلاب له وللصهيونية، الذي خرج به يوسف زيدان ووضع لبناته الأولى، يجب أن يكون نفسه طويلا ويقدم منطقا وحجاجا محترما للناس، ولكافة المستويات الشعبية والسياسية والمؤسساتية، لأن هناك قطاع ما في كل مؤسسات الوطن العربي وفي مصر، لابد يشعر بالمرارة – مثلنا – للهوان الذي وصل له حال الذات العربية، بعد طموح الثورات التي تحطمت على صخرة تناقضات اليمين واليسار وأبنية وتراتبات "دولة ما بعد الاستقلال"، بقلبها العسكري في معظم دول الوطن العربي.

خطاب "استعادة الذات" العربية وروايتها بديلا
طريق النفس الطويل والبناء الهاديء
خطاب "استعادة الذات" العربية وراويتها في "التدافع الحضاري" مع الصهيونية وأمريكا ومن شايعهما من الغرب عامة، بديلا عن خطاب الاستلاب لهم الذي يروج له يوسف زيدان ومن تبعه، مرورا بمراد وهبة وانتهاءا بأماني فؤاد ومن بينهما، يجب أن يكون بالقوة والثقة نفسها، بأنه مهما استخدموا من آليات ناعمة وخشنة ومحاولات لـ"فرض نمط" الهزيمة والاستسلام، فإن الذات العربية كامنة وقابعة كالصخر في مكانها تنتظر استعادة ما لها.
خطاب "استعادة الذات" العربية وروايتها، يجب أن يكون خطاب علميا محترما وجادا، يقدم البدائل والسيناريهوهات لدعاة خطاب الاستلاب للآخر والهزيمة، خطاب استعادة "الذات العربية" وروايتها يجب أن يكون مشروعا محترما وبديلا ناجزا عمن دعموا يوسف زيدان وخطاب الاستلاب للآخر الصهيوني وروايته.
خاصة وأن الخطاب المصري الرسمي رغم عدم معارضته لخطاب الاستلاب واتفاقيات صفقة القرن مباشرة، إلا أنه مازل ممسكا بشعرة أخيرة وهي كما جاء في الخطاب الرئاسي مرارا وتكرارا، المرجعية الأممية وحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية، وهي نقطة جيدة في صالح خطاب "استعادة الذات" وروايتها، رغم وجود قطاع لا بأس به داخل المؤسسات المصرية داعما لخطاب "الاستلاب للآخر" وروايته الصهيونية.
لذا فالأمر الآن سجال، ولا شيء محسوم سوى القدرة على الصمود، وطرح البديل وإضافة المزيد من الأرض له، وانتظار اللحظة التي ستستعيد قهبا الجماهير العربية توازنها، وتعبر عما لها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فرنسا تطالب بوضع خطوط حمراء ضد موسكو


.. أندريه مورتازين: روسيا تحولت إلى قلعة للصمود ضد الولايات الم


.. اتفاق بين الصين والولايات المتحدة على تعزيز التعاون




.. قصة شارع- الأشهر في أمريكا.. شارع بنسيلفانيا


.. أقوى رجل في كازاخستان يحقق رقما قياسيا في تقويم حذوات الخيول