الحوار المتمدن - موبايل


نظام فيلفريدو باريتو السوسيولوجي

مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)

2020 / 9 / 25
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


المقالة للماركسية السوفييتية ايلينا فلاديميروفونا أوسيبوفا

ترجمة مالك أبوعليا

الملاحظات والتفسير بعد الحروف الأبجدية بين قوسين (أ)، (ب)... هي من عمل المُترجم

1- باريتو وعصره
في مطلع القرن العشرين، هيمنت الوضعية في ايطاليا، التي تميزت بلاأصالتها وتنوعها. كان الفكر السوسيولوجي الوضعي انتقائياً أيضاً، حيث جمع بين عناصر النزعة الميكانيكية والتطورية والبيلجة المُبتذلة واتجاهاتٍ أُخرى. هذه كانت مفاهيم سيزارو لومبروسو Cesare Lombroso 1836-1909، وانريكو فيري Enrico Ferri 1856-1929 وآخرين. صارت أفكار أنصار المدرسة الايطالية للسوسيولوجيا السياسية مثل غايتانو موسكا Gaetano Mosca 1858-1941 وروبرت ميشيلز 1876-1936 معروفةً جيداً. كانت آراء فيلفريدو باريتو 1848-1923 قريبةً جداً منهم مُباشرةً.
تدرب باريتو، وهو نجل ارستقراطي هاجر الى فرنسا لأسبابٍ سياسية، كمهندسٍ وبدأ العمل في شركة روما للسكك الحديدية. بعد أن انخرط في وقتٍ مُبكرٍ في النضال السياسي، بدأ يكتب في الصحافة في نقد السياسة الاقتصادية الحكومية، داعياً الى حرية التجارة وعدم تدخل الدولة في المشاريع التجارية الخاصة.
تأثر تَشَكّل اهتماماته العلمية بالاقتصادي الايطالي الرائد ماتيو بانتاليوني Matteo Pantaleoni وليون والراس Léon Walras بروفسور الاقتصاد السياسي في جامعة لوزان Lausanne. أصبحت نظرية التوازن الاقتصادي التي طورها والراس، والتي نقلها باريتو الى مجال المفاهيم النظرية العامة عن المُجتمع، الأساس التي بنى عليها نظامه السوسيولوجي. نَشَرَ باريتو عدداً من المقالات المُكرّسة لنظرية والراس، وبعد تقاعد الأخير عام 1893، توَلّى منصبه.
استند أول منشور رئيسي لباريتو (محاضرات في الاقتصاد السياسي) Cours d’économie politique على محاضراته الجامعية. في وقتٍ لاحق، انتقد سياسة الحكومة، وكان صديقاً لعددٍ من الاشتراكيين، ودافع عن الفريد دريفوس Alfred Dreyfus(أ).
حوالي عام 1900 حدث تغير في مزاجه وقناعاته، بسبب انهيار أوهامه الليبرالية السابقة. اتخذ موقفاً مُعادياً للديمقراطية والليبرالية بشكلٍ علني، مُقتنعاً بأن عصر الليبرالية انتهى، وأن المُجتمع دخل مرحلة ركود، وأن الاكراه ضروري لضمان استقرار الحياة الاجتماعية. وجدت آراءه الجديدة انعكاساً لها في كتابه (الأنظمة الاشتراكية) Les systèmes socialistes 1901، و(دليل الاقتصاد السياسي) Manual of Political Economy 1906، وكذلك في عددٍ من المقالات.
أجبر مرض القلب، باريتو، على التخلي عن نشاطه الأستاذي، وفي عام 1907 تخلى عن منصبه في الجامعة، وظل يقرأ المُحاضرات حتى عام 1917. أكمل عمله الرئيسي عام 1912 بعنوان (رسالة في السوسيولوجيا العامة) Trattato di sociologia generale، ولم يظهر هذا العمل الا في عام 1916 بسبب اندلاع الحرب.
عندما وصل الفاشيون الى السلطة في ايطاليا، امطروا باريتو بامتيازات المديح والتشريف. تم تعيينه سيناتوراً لمملكة ايطاليا، وبدأ بالمُساهمة في مجلة جيرارشيا الفاشية، وما الى ذلك. توفي في غضون عام من وصول الفاشيين الى السلطة، دون أن يُحدد موقفه من النظام الجديد، والذي، على الرغم من تطبيقه لأساليب الاكراه التي أوصى بها، لم يحل أياً من التناقضات الاجتماعية-الاقتصادية.
من الناحية الفلسفية، كانت سوسيولوجيته جمعاً وتركيباً للوضعية واللاعقلانية الارادية. كان لِمُثُل السوسيولوجي الفرنسي ومُنظر اللاسلطوية جورج سوريل 1847-1922 تأثيراً كبيراً عليه، لا سيما نظرية سوريل عن العنف ومُطابقة المبادئ الثورية بالأساطير الدينية، وكذلك أثرت عليه مفاهيم غايتانو موسكا حول عالمية الانقسام الطبقي للمجتمع الى طبقتين-الطبقة الحاكمة المُحتكرة للسلطة، والطبقة الخاضعة التي تحكمها الأولى.

2- المنهجية
أراد باريتو من منظومته السوسيولوجية أن تضع حداً للتنظير الميتافيزيقي والتأملي عن المُجتمع، الذي كان له موقع مُهيمن في الفكر السوسيولوجي والسياسي في القرن التاسع عشر. كانت الفكرة الرئيسية التي ألهمته هي وضع مبادئ بُنية المعرفة السوسيولوجية التي من شأنها ضمان موثوقيتها وفعاليتها وتثبيتها. بينما تمسك، على وجه العموم، بمفهوم العلوم الاجتماعية التي طورها مؤسسو الوضعية كونت وجون ستيوارت ميل وسبنسر، انتقدهم باريتو بحق، بسبب عدم اتساقهم في اتباع منهج الاثبات التجريبي للمعرفة.
لقد اعتبر السوسيولوجيا توليفةً من مُختلف التخصصات الاجتماعية الخاصة (القانون، الاقتصاد السياسي، التاريخ السياسي، تاريخ الدين)، والتي كان الهدف منها دراسة المُجتمع الانساني ككل(1). اتبع باريتو المنهجية التي يهدف من خلالها الكشف عن المبادئ الشاملة لبُنية ووظائف المُجتمعات. في مُحاولة لجعل السوسيولوجيا علماً دقيقاً مثل الفيزياء والكيمياء وعلم الفلك، اقترح استخدام عبارات وصفية مُثبتة تجريبياً، مع مُراعاة القواعد المنطقية في العبور من المُلاحظة الى التعميم، بصرامة. تقود العناصر الأخلاقية، أي بشكلٍ عام ذات القيمة، في رأيه، الى تشويه الحقائق وتزييفها، وبالتالي يجب ازالتها.
برأيه، يُمكن مُعالجة أي نظرية من ثلاثة جوانب: 1-الجانب الايجابي-المُستقل عن المؤلف ومُتلقي النظرية، 2- ذاتي، تمشياً مع المؤلف والمُتلقي، عندها يتضح لماذا ابتكر المؤلف نظريته وفهمها فردٌ مُعين، 3- النفعي، أي من زاوية فائدتها الفردية أو الاجتماعية. في رأي باريتو، لا تعتمد الفائدة على موضوعية أو ذاتية النظرية. ان الحقيقة في حد ذاتها مُحايدة، ولا يتم اكتشاف ميزتها الاجتماعية الا من خلال تطبيقها لتحقيق أهداف مُعينة. اذا كانت النتائج مُفيدة للمجتمع، فان النظرية تكون حينها مُفيدةً ايضاً. اذا كانت النتائج ضارة، فان هذا يعني أن النظرية ضارة(2). علاوةً على ذلك، اعتبر أن جميع النظريات السوسيولوجية خاطئة ومحدودة ومشوهة في محتواها على حدٍ سواء، لانه لم يكن هناك اي سوسيولوجي قبله اتبع منهجية التجريبية المنطقية. حملت مُعالجة باريتو لمسائل السببية والانتظام والحقائق الاجتماعية وبعض المسائل المنهجية الثانوية طابع تأثير الماخية. مثل مُعظم الوضعيين، دعا الى نبذ مفاهيم "المُطلق" و"الضرورة" حيث زَعِمَ أنها تتضمن محتوىً قبلي a priori وتحمل السمة التي تُميز الميتافيزيقيا واللاهوت. اقترح تصوير التبعيات بين الحقائق الاجتماعية في شكل مؤشرات كمية. زعم أن على السوسيولوجي أن يهتم بكثافة وقوة ووزن الظروف والحقائق الاجتماعية المتنوعة، وليس بالطابع الضروري والجوهري للعلاقة بينها. بدا مفهوم "الجوهر" وبالمثل مفهوم "الضرورة" كبقايا قديمةٍ بالنسبة له. كتب يقول "ان الجواهر... كينونات غريبة عن العلم"(3)، وفسّر القانون العلمي على أنه حَدَث قابل للتكرار له طابع احتمالي ولا يحتوي على عُنصر الضرورة. ان القانون، كما يفهمه هو، يفتقر أيضاً الى طابع الشمولية ويعمل فقط "في حدود الزمان والتجربة المعروفة لنا"(4). تم التعبير عن اقترابه من التفسير الاتفاقي Conventionalist للقانون ليس فقط في تأكيده طابعه الافتراضي والاحتمالي وحسب، ولكن أيضاً في ادعاءه بأنه يعتمد على وجهة نظر الباحث، أي على اختيار الأخير الشخصي لزاوية بحث صلات الظواهر. لم يرسم باريتو خطاً حاداً بين القوانين الموضوعية التي تُعبّر عن العلاقات الضرورية والموضوعية المُستقلة عن الانسان في الطبيعة والمُجتمع، والقوانين التي صاغها الناس بهدفٍ مُحدد وفقاً لمهام الباحث، أي الافتراضات. كان عدم وجود حدود واضحة بين الموضوعي والذاتي سمةً من سمات تفسيره لمفهوم "الحقيقة الاجتماعية". لم يَرَ أي فرق بين الحقائق من زاوية طبيعتها الابستمولوجية أو المادية أو المثالية، ومن وجهة نظر صحتها أو خطأها. كان هذا النهج محفوفاً بالتناقضات العميقة وأدى الى عدم فهم الطبيعة الخاصة لمختلف الظواهر الايديولوجية (على سبيل المثال، الدين). أدى ذلك، على المستوى النظري والمنهجي، اما الى تفسير وظيفي للحقيقة Truth (كل ما هو موجود هو صحيح)، او الى استبعاد مسائل الحقيقة من العلم -(مثل مُطابقة المعرفة بالواقع)- باعتبارها لا علاقة لها-(أي مسائل الحقيقة)-بالمنهجية.
نظراً لان مفهوم السببية عبّر عن علاقة لا يُمكن مُراقبتها أو ملاحظتها، فقد ألقى باريتو بظلالٍ من الشك عليها. مُنتقداً مبدأ السببية الأُحادية Monocausuality خَلُصَ الى أنه يجب استبدال العلاقة السببية ككل، بعلاقة الترابط والتفاعل. في انكاره للأولوية السببية لأي ظاهرة واحدة، دعا الى استبدال العلاقة الترابطية بالعلاقة الوظيفية، والتفسير السببي بالتفسير الوظيفي. بما أنه كانت كل ظاهرة اجتماعية وظيفةً للعديد من المُتغيرات، فان على النظرية الاجتماعية أن تُعير الانتباه الى جميع العوامل التي تعمل في المُجتمع وتتبع علاقات التبعيات الدائمة بينها.
على هذه الأسس، رفض مفهوم التطور Evolution الخطي قائلاً بأن "التطور لا يحدث على طول خطٍ مُستمر"(5).
أولى باريتو أهميةً كبيرةً لدقة المصطلحات العلمية. لكنه لم يُقدم تعريفاً دقيقاً وصارماً للمفاهيم الأساسية التي وظفها في نظامه السوسيولوجي. وظلت نيته في أن يُعطي كتابه (رسالة في السوسيولوجيا العامة) شكلاً رياضياً، مُجرد اعلان. لم يذهب أبعد من الرسوم التوضيحية والصيغ والرسوم البيانية الهندسية والجبرية.
ومن خلال تعريفه للجانب القِيَمي للنظرية بأنها كذبة مُضافة الى البُنية التجريبية-المنطقية، فانه قد اتخذ موقف التحرر من القِيَم. لكن انفصال النظرية عن المُمارسة، واختزال الحقيقة Truth الى صحة المنطق الشكلي، ورفضه للحتمية كمبدأ لدراسة وتفسيؤر الظاهرة الاجتماعية، حرمت باريتو من فُرصة ليس فقط تفسير حقائق الحياة الاجتماعية التي كانت ذات أهمية بالنسبة له، ولكن ايضاً حرمته من فهم أصل وجوهر النظريات الاجتماعية التي كان يُحاول أن يفصل نفسه عنها، والتي انتقدها بحق من نواحٍ عديدة.

3- المُجتمع كنظام من تفاعلات الأفراد
كانت احدى أفكار باريتو المركزية هي اعتبار المُجتمع كنظام في حالة اضطراب تدريجي واستعادة للتوازن. لقد أخذ هذا المفهوم من نظرية والراس الاقتصادية، والتي طبعها باريتو بطابعٍ ميكانيكي، مُعتبراً المُجتمع كنموذج بدئي على شكل موديل تتوازن فيه كل الأجزاء التي ترتبط ببعضها البعض بشكلٍ صارم وتتأثر ببعضها بشكلٍ ميكانيكي. يؤدي التغير في احد الأجزاء الى انتقال هذا التغير على الفور الى أجزاءٍ أُخرى، ويتحرك بالتالي النظام بأكمله ويصير قيد العمل، حتى تتم استعادة التوازن الديناميكي مرةً أُخرى.
تعامل باريتو مع الاقتصاد، كنظامٍ فرعيٍ في المنظومة الاجتماعية. برأيه، يتألف النظام الاقتصادي من جزيئات فردية-أُناس- يتحركون من خلال الاحتياجات والمصالح العقلانية ويواجهون عقبات في طريقهم لتحقيق ما هو مرغوب اقتصادياً بالنسبة له. النظام الاجتماعي أكثر تعقيداً. يُشارك الأفراد في العمل الاجتماعي. ان المشاعر التي يحكمها الطابع النفسي للأفراد هي المُحرك الرئيسي الذي يجعل النظام بأكمله قيد التشغيل. كان فهم هذه المشاعر أصعب بكثير من فهم أي اعتبارات عقلانية.
قام باريتو بتقسيم الأفعال الاجتماعية الى منطقية وغير منطقية، ومن أجل ايجاد معيار للتمييز بينهما، قام بتقسيم الأفعال الى أجزاءها المُكونة، أي الفعل الذي يُمكن ملاحظته خارجياً وأساسه العقلاني، والحالة الذهنية للشخص الفاعل. لقد اعتبر أن هذا الجزء الأخير، هو الثابت الذي يقع في أساس الفعل ويُحدد طابعه. اعتبر أن الحالة الذهنية للفرد الأساس الموضوعي للظاهرة الاجتماعية، على عكس أساسها الذاتي، الذي فهمه على أنه الحُجج التي يُقدمها الفاعل لتبرير فعله(6).
يقول باريتو أن خطأ جميع السوسيولوجيين السابقين هو أنهم تجاهلوا الجانب الموضوعي للمسألة ودرسوا فقط المفاهيم النظرية الناشئة عنها، أي قصروا أنفسهم على دراسة الجانب الذاتي من الواقع. يجب على البحث السوسيولوجي "الموضوعي" أن يدرس التوجهات الذهنية والأفعال (غير المنطقية) التي تحكمها، والتي-هذه الأخيرة- تُشكل الجزء الأكبر من جميع الأفعال البشرية بشكلٍ عام. الأفعال "غير المنطقية"، وفقاً لباريتو، تحكمها مشاعر منطقية خاصة. على النقيض من تلك "المنطقية"، فهي نابعة من الحالة العاطفية للشخص، ولعملية ذهنية لاعقلانية، وليس حُجج واعتبارات واعية.
تتميز الأفعال (غير المنطقية) بأن فاعليها لا يعرفون الروابط الموضوعية الحقيقية بين الظواهر، وبالتالي يستخدمون وسائل غير مُناسبة لتحقيق غايات، رابطين الوسائل والغايات بطريقة "غير منطقية". كانت روابط الغايات والوسائل وهمية في هذه الحالة ولم تكن موجودةً الا في أفكار الفاعل. هذه هي، على سبيل المثال، القرابين والأُضحيات والطقوس الدينية الأُخرى التي كان هدفها تهدئة الآلهة وبالتالي تحقيق الغاية المرجوة. لم تكن الوسائل من هذا النوع مُرتبطة بشكل موضوعي بالغاية وبالتالي لم تؤد الى تحقيقه.
تسترشد الأفعال (المنطقية) بالعقل بدلاً من المشاعر، وتُنظمها القواعد والمعايير. ان هذه الأفعال تُميز مجال النشاط الاقتصادي والعلم و(الى حدٍ ما) السياسة. في تلك الحالة، يتم ربط الوسائل والغايات معاً من خلال منطق موضوعي قائم على الروابط الموجودة فعلاً، وبالتالي تؤدي الى تحقيق الغايات. بعبارةٍ أُخرى، تكون الوسائل مناسبة من أجل الوصول الى الغاية. أشار باريتو الى أهمية هذا العنصر الأخير، لان جميع الأفعال، تبدو من وجهة النظر الذاتية، منطقيةً لمن قاموا بها.
في مُحاولةٍ لايجاد أسس موضوعية للتعامل مع الأفعال "غير المنطقية" على مستوىً آخر، اقترح باريتو اتخاذ "وجهة نظر الآخرين الذين لديهم معرفة أكثر شمولاً، كمعيار للموضوعية"(7).
كانت دراسة بُنية وعناصر الفعل الاجتماعي، وكذلك تصنيفها وفقاً لدرجة الوعي أو نوع الدافع المُهيمن، أمراً مشروعاً في حد ذاته. لكن مفهوم الفعل الاجتماعي عند باريتو كان له عنده طابعٌ فردي ولاعقلاني، يُشدد بشكل وحيد الجانب على الطبيعة العاطفية للدوافع البشرية، والتي لم يجد لها أي تفسير آخر غير تفسير يُشير الى أصلها الطبيعي Natural. لا يُمكن تفسير الأسباب المُحفزة للأفعال الاجتماعية للجماعات الاجتماعية الكبيرة والطبقات انطلاقاً من مثل هذه المواقف. بالنسبة للطبقة التي توحد الأفراد الذين لديهم سمات ذهنية متنوعة تماماً، فان هذا لا يمنع هؤلاء الأفراد من العمل معاً في لحظةٍ ما من التاريخ.
استند مفهوم الفعل الاجتماعي الذي طوره باريتو الى مفهومٍ مُعينٍ عن الانسان. بتأكيده على الطبيعة غير المنطقية واللاعقلانية للفرد، ادعى أن أفعاله لا تكون أبداً كما تبدو لنفسه. ان ما هو انساني بالضبط، يتألف على وجه التحديد من القدرة على توظيف العقل لاخفاء أفعال المرء "غير المنطقية" بوسائل تبدو منطقيةً. يكتب باريتو: "ان الانسان، على عكس الحيوان يُريد أن يُفكر، ويشعر أيضاً بأنه مُضطر لاخفاء غرائزه ومشاعره عن الأنظار"(8). ولأن جميع الناس يشعرون أنفسهم بأنهم مخلوقات، فضلاً عن شعورهم بأنهم مخلوقات معقولة، فان مسألة العلاقة بين المشاعر والعقل والمشاعر والايديولوجيا تنهض على الفور. أعطى باريتو الأولوية للمشاعر دون تردد، مُعتبراً اياها القوى الدافعة الحقيقية لتاريخ البشرية. اختزل أنماط التاريخ في انتظامات حياة الأفراد الفُرادى الذهنية اللاعقلانية، ودعا الايديولوجيات بأنها لغات المشاعر.
وضع باريتو، من خلال اعتباره العواطف أساساً لديناميكية النظام الاجتماعي، أعمدة أساس بيولوجية ليقف عليها النظام الاجتماعي، لانه فسر نفسية الانسان وميزاته وخصائصه خارج السياق الاجتماعي-الاقتصادي، وبالانفصال عنه. على الرغم من أن مقاربته حول المُجتمع كمنظومة، مشروعة في حد ذاتها، الا أن مبدأ التوازن الميكانيكي والعلاقة الميكانيكية لعناصر الكل لم تستطع أن تُفسر أداء المُجتمع ككل، بشكلٍ مُرضٍ.
كشفت فكرة الاعتمادية الوظيفية المُنفصلة عن مبدأ الحتمية الاجتماعية والتي كان يجب عليها (أي الاعتمادية الوظيفية) أن تستبدلها، كشفت عدم صحتها النظرية كمبدأ تفسيري. اضطر باريتو، من أجل العثور على مصدر حركة النظام، الى اتخاذ موقفٍ من النزعتين البيولوجية والسيكولوجية، أي البحث عن مصدر الحياة الاجتماعية في الميول النفسية للناس، علاوةً على ذلك، تلك المصادر التي لم يكن لها صلات بالانتاج والنشاط الاقتصادي، وقام باختيارها بشكلٍ تعسفي.

4- الاختزالية السيكولوجية
بعد أن جعل المجال العاطفي للنشاط البشري الرابط الرئيسي في نظامه السوسيولوجي، أبدى باريتو تحفظاً، على أن تلك المشاعر التي تستحق اهتمام السوسيولوجي، هي فقط تلك المشاعر التي تظهر في أفعالٍ من نوعٍ مُعيّن والتي يُمكن تصنيفها بدقة. انها غير مُتغيرة وثابتة، وبالتالي كانت عناصراً للنظام الاجتماعي التي "تُحدد التوازن الاجتماعي"(9). أعطاها اسماً غير مُعتاداً يصعب تفسيره Residues، والذي يُشير في لغة الكيمياء الى الترسّب sedimentation أو الرواسب residuals راغباً بالتالي في التأكيد على استقرارها، والقدرة على أن "تبقى" بعد تجريد الفعل الاجتماعي من كل الاعتبارات العقلانية.
وفقاً لباريتو، تكون الرواسب، باعتبارها أُسس المشاعر والعواطف والغرائز والحالات النفسية، فطريةً وطبيعية، ولا تخضع للظروف ذات الطابع الخارجي. انها الدوافع الداخلية والبيولوجية التي تُحدد السلوك الاجتماعي للشخص. لقد حاول تفسير جميع أنواع السلوك الانساني العديدة من خلال ثلاث أصناف أساسية من "الرواسب"، تُقَسّم كلٌ منها الى مجموعاتٍ فرعية. بعد أن نَظمَنَ الأفعال التاريخية الى ابعد من ذلك ، شدد على الدور الرئيسي لأول صنفين من "الرواسب".
أطلق على الصنف الأول "غريزة التجميع"(10)، والتي ادعى أنها تكمن وراء جميع التغيرات الاجتماعية. كان هذا هو الميل النفسي الداخلي للانسان لجمع الأشياء واعادة ترتيبها ودمجها بطرقٍ مُختلفة، أحياناً من أجل القيام بذلك وحسب، وأحياناً لانه كان من الصعب عليه الامتناع عن الجمع. يتألف الصنف الثاني من "دوام المجموع" (أو دوام الكُل)(11)، والتي تُعبر عن الميل الى الحفاظ على الروابط بمجرد تكوينها. هذا الشعور المُحافظ هو الأساس خلف العداء لأي تغييرات أو تعديلات، وضمّن باريتو في هذا الصنف "حاجة الشخص للتعبير عن المشاعر عبر الأفعال الخارجية"، أي "المُجتمع" و"الاندماج". وأخيراً، غريزة الجنس، كصنف ثالث من "الرواسب". حاول، في الأجزاء الأخيرة من كتابه (رسالة في السوسيولوجيا العامة)، أن يُطبق نظرية "الرواسب" لتفسير التاريخ الأوروبي وتصويره على أنه صراع بين الصنفين الأول والثاني من "الرواسب"، أي غريزتي التغيير والمُحافظة Conservatism، الابتكار والانحلال. لقد تعامل مع الأفعال "غير المنطقية" التي تتم على أساس "الرواسب" باعتبارها الخلية الرئيسية للحياة الاجتماعية التي تُحدد مسار التغيرات الدورية في التاريخ وتراجعاته.
أدى عدم وضوح مفهوم "الرواسب" وتعقيده، ومجموعة المُصطلحات التي تضمنها (على سبيل المثال، المشاعر، الغرائز، تمظهرات المشاعر في الأفعال) وطبيعة الازدواجية الذاتية-الموضوعية للمفهوم (سيكولوجياً واجتماعياً)، أدى كل ذلك، الى عدم انتقال مفهوماته السوسيولجية هذه الى مفردات السوسيولوجيا الغربية.
ان لدى لاعقلانية مفهوم باريتو جذور ابستمولوجية واجتماعية عميقة، تكمن في أزمة الفهم العقلاني والوضعي للانسان. في الوقت نفسه، ارتبط تأكيده على الدور الحاسم للقوى النفسية اللاعقلانية بتشاؤم اجتماعي عميق، وفقدان الايمان بالعقل البشري، في عصر الأزمة الاجتماعية. بدلاً من فكرة عقلانية كل الوجود، تقدمت فكرة اللاعقلانية واللامنطقية لتحل محلها، وحلت محل فكرة العقلانية، لاعقلانية ذات تلوينٍ بيولوجي. كان مفهوم باريتو السوسيولوجي دليلاً واضحاً على استحالة بناء نظرية علمية عن الشخصية والفعل الاجتماعي بدون الاعتماد على فهمٍ صحيح عن المُجتمع. غذّى الايمان بدور "الرواسب" الحاسم، النزعة الميكافيلية الجديدة لسياسة باريتو: "يكمن فن الحكومة في ايجاد طرق للاستفادة من هذه المشاعر، وليس في اهدار الطاقات في تدميرها. ان المهم هو تقويتها"(12). بعد أن أكد الدور الأساسي للمجالات العاطفية للنفسية الانسانية، استنتج باريتو منها، نظرياته اللاحقة عن الايديولوجيا والطبقات الاجتماعية والتغيرات في النخبة.

5- مفهوم الايديولوجيا
لم يكن مصادفةً، اهتمام باريتو بنظرية الايديولوجيا، التي كانت جزءاً لا يتجزأ من نظامه السوسيولوجي. أثارت خيبة أمله من الأحزاب الليبرالية من الطبقة الوسطى، والتي كانت غير قادرة على العمل الفعّال وكانت غارقة في المؤامرات وصراعات السلطة، أثارت عنده موقفاً سلبياً بشكلٍ خاص تجاه الحِيَل والمراوغات الديماغوجية للجماعات الاجتماعية السياسية المُهيمنة، والتي رأى جوهرها في سعيهم لاخفاء أهدافهم السياسية القذرة. في الوقت نفسه، أقنعه نهوض الماركسية العارم في ايطاليا بقوة الايديولوجيا وأهميتها الاجتماعية، وحفزه على البحث عن الأسباب الكامنة وراء انتشارها، وتأثيرها على الحياة الاجتماعية. مع الاحتفاظ بموقف الدفاع عن النظام الرأسمالي، سعى باريتو لشرح الطبيعة الخاصة ووظائف الايديولوجيا في العالم الحديث.
ان الحجج المنطقية الزائفة، والتمسك الفارغ بالحجج الكاذبة والتبريرات والأعذار الزائفة، هي تمظهرات لجوع الانسان للتفكير"(13).
تم التعبير عن الحاجة الى نظريات منطقية زائفة تُبرر السلوك الاجتماعي، حيث لا يتم ربط الوسائل المُقترحة لتحقيق الغايات بالمنطق الموضوعي، في انشاء العقائد اللاهوتية والأخلاقية والسياسية والتي تحجب الجوهر الحقيقي للدين والأخلاق والسياسة. لذلك على العلوم الاجتماعية أن تُبرز أساس هذه العقائد، أي المشاعر التي تحكمها. بالنسبة الى باريتو، الايديولوجيات هي أغلفة لفظية صَرف وحِيَل ديماغوجية بارعة أُعطِيَت شكلاً نظرياً لاخفاء طابعها غير المنطقي أصلاً. أُنشِئت الايديولوجيات لاخفاء الدوافع الحقيقية للأفعال التي تكمن جذورها في الطبقات Layers اللاعقلانية في العقل الانساني. لقد أطلق على الايديولوجيات والمعتقدات والنظريات الايديولوجية "مُشتقات"، من أجل أن يُشدد على طابعها الثانوي المأخوذ من العواطف. وقام بتطوير تصنيفٍ لها وقسمها الى أربعة فئات(14).
تتكون الفئة الأولى من تأكيدات مُقدمة كحقائق مُطلقة أو بديهيات أو عقائد. تحتوي الفئة الثانية على أحكام ضعيفة تُبررها السُلطة. الفئة الثالثة تتكون من مبادئ ومشاعر مُتفق عليها بشكلٍ عام، غالباً ما تقوم مشاعر الشخص الفاعل الذي لديه بعض "الرواسب" بتبرير هذه الفئة، ويصورها على أنها تتفق مع مشاعر "جميع البشر وأغلبية البشر وجميع الناس الأخيار، وما الى ذلك"(15). تتشكل الفئة الرابعة من الاشتقاقات من خلال الحُجج المنطقية البحتة "البراهين الشفهية" والتعبيرات التي ليس لديها أي مُعادل موضوعي، مثل مغالطات المنطق الصوري المعروفة. ان هذه الاشتقاقات من هذا النوع، التي يستخدمها الخُطباء عادةً، نشطة بشكلٍ خاص لان المشاعر المطلوبة تُثار عند المُستمعين عن طريق الخطابة البارعة، علاوةً على ذلك، لا يُلاحظ المُستمعين ذلك. مثل هذه الاشتقاقات هي ذات قيمة كبيرة في السياسة واجراءات المحكمة، وتتضمن ايضاً التلاعب بالكلمات واستخدام الكلمات الشائعة والمُختارة جيداً وتحريفات العبارات(16). اعتبر باريتو أن العبارات اللفظية الكاذبة والمشتقات الايديولوجية والأديان ترفض التحليل العلمي الدقيق. لكنه حاول ايجاد طريقة لتفسير الظواهر الاجتماعية. يقول، انه من الخطأ اعتبار هذه البُنى المنطقية الزائفة مُجرد عبث أو مرض، وأنه لا يجب التعامل معها على أنها ثمار خيالٍ خلقتها طائفة كهنوتية لتخدير الجماهير. لدن مُعارضته الاشتقاقات (الايديولوجيات) ووضعها مُقابل الحقيقة، شدد في نفس الوقت على أن عدم اتساقها المنطقي لا يُقلل بأي حالٍ من أهميتها الاجتماعية، أو قيمتها بالنسبة للمجتمع ككل وللفاعلين الفُرادى. "تُظهر الحقائق بوضوح أن الأساطير ليس لها واقع، وفي نفس الوقت فان لها أهمية اجتماعية عظيمة(17).
يجب مُلاحظة دقة بعض مُلاحظات باريتو. أكد، على سبيل المثال، على الدور الفعال للايديولوجيات وقوتها الحشدية: "بشكلٍ عام، يتم قبول الاشتقاق ليس لانه يُقنع أي شخص بقدر ما لانه يُعبر بوضوح عن الأفكار التي يمتلكها الناس بطريقة مُشوشة-هذه الحقيقة الأخيرة هي عادةً العُنصر الرئيسي في الموقف. بمجرد قبول الاشتقاق، فانه يُضفي قوةً وعدوانيةً على المشاعر المُعارضة، والتي تجد الآن طريقةً للتعبير عن نفسها(18).
كتب عند توضيحه آلية تطويع وعي الجماهير: "الشيء المُهم هو أن يكون لديك اشتقاقٌ بسيط، ويستوعبه الجميع بسهولة، حتى أكثر الناس جهالةً، ثُم تُكرره مراراً وتكراراً"(19).
شدد على العناصر اللاواعية في العقل البشري، وصاغ أفكاراً مُعينة عن سيكولوجيا العقل الباطن، على الرغم من أنه لم يكن على درايةٍ بأعمال فرويد.
ولكن بعد أن قام بفصل مسألة الفعل غير المنطقي عن الممارسة الاجتماعية، اتخذ باريتو موقف النسبوية. في رأيه، لم تكن هناك اختلافات من حيث المبدأ، بين الحجج التي استخدمها الوثنيون والمسيحيون، والحُجج التي استخدمها أنصار التقدم والانسانية والتضامن الاجتماعي والديمقراطية، الخ. اتسمت كل هذه النظريات بنفس الفدر بهيمنة المشاعر على الحقائق، ولم يكن لها أي قيمة من وجهة النظر العلمية، ونفى أن الايديولوجيات تختلف بشكلٍ أساسي عن بعضها البعض عندما تنهض في مراحل مُختلفةٍ من تطور المُجتمع، واحتوت على نِسَبٍ مُختلفة من الحقيقة والأساطير. وبالطبع، لم يعتبر أن الأشكال المُختلفة للوعي الاجتماعي تعكس جوانب مُختلفة من الوجود الاجتماعي. ووفقاً له، فان الايديولوجيات تغيرت فقط بالشكل، واستبدلت نظاماً من الحُجج بآخر، وصياغةً لفظيةً بأُخرى أكثر مرونةً واتقاناً.
في الواقع، قام بحصر مشكلة الايديولوجيا في الحدود الضيقة للعقل الفردي، وفصلها عن التاريخ الحقيقي وصراع الطبقات الذي أخذ في خضمه تطور الايديولوجيا مكانه. كانت النتيجة المنطقية لحُجج باريتو هي فرضية وجود أفراد مُختلفين يُمكنهم أن يُحرروا أنفسهم من المشاعر التي تُشوه صورة الواقع. "تُظهر التجربة أن الشخص يُمكن أن يقسم نفسه الى قسمين، والى حدٍ ما، على الأقل، أن يُنحي جانباً مشاعره ومفاهيمه المُسبقة وعاداته ومُعتقداته، عندما ينخرط في المسعى العلمي، وأن يعود اليها بعد ذلك"(20). هؤلاء الناس في رأيه، عباقرة. لقد كان مصير "الكُتّاب العوام من ذوي المواهب المتوسطة" أن يستسلموا للمشاعر والأفكار المُسبقة، أما العباقرة العُظماء "بحكم صفاتهم الخاصة، يرتقون فوق العامة ويقفون بعيداً عن جماهير العوام. وبالتالي فهم يعكسون بشكل أقل، الأفكار والمُعتقدات والمشاعر السائدة"(21). هذا الاقتباس، دليل على أن باريتو كان بعيداً عن كونه قد انعتق من أوهام العقلانية الوضعية بالرغم من لاعقلانية نظريته. وفقاً لمفاهيمه، فان العباقرة والقادة والشخصيات البارزة هم أصحاب العقل، في حين أن الجماهير ليست قادرة الا على الاسترشاد بالمشاعر والعواطف اللاواعية.
كان يُميز باريتو أنه حاول تحديد مهام عالِم المنطق والسوسيولوجي. "يكون عالم المنطق قد أنجز عمله عندما يكتشف الخطأ في المناقشة، وعندما يستطيع أن يضع اصبعه على المُغالطة فيها. ولكن هذا هو المكان الذي يبدأ فيه عمل السوسيولوجي، لانه يجب أن يكتشف سبب قبول الحجة الزائفة. لماذا تكون السفسطة مُقنعة، هذا من اختصاص المنطق، أما السوسيولوجيا فشغلها هو تفسير لما هي مقبولة بشكلٍ واسع"(22). ولكن اجابته على هذا ليست سوسيولوجية بأي حالٍ من الأحوال: "يتم قبول التأكيد ويكتسب هيبة من خلال المشاعر المختلفة التي تُثيرها عند اولئك الذين يسمعونها، وبذلك تكتسب المشاعر مكانةً (البرهان). انها مُقنعة لانها تُقال بنبرة تأكيدية كبيرة وواعية وبلغة أدبية"(23).
ان المُشتقات مُستمدة وتعتمد بشكلٍ عام على توازن العوامل الاجتماعية. كان باريتو يميل الى اعتبار مجموع "الرواسب" والمصالح، واللاتجانس الاجتماعي المُرتبط بها، كالأساس الاجتماعي الرئيسي، وليس العلاقات الاجتماعية-الاقتصادية. كشف بحماسة وأزال الغموض عن الاشتقاقات المُختلفة. قال، ان النظريات القانونية ليست دليلاً على التطبيق الفعلي للقوانين، ولكنها تُستخدم كحُجج زائفة وفق غاياتٍ أنانية. عملت الاشتقاقات الأخلاقية على تغطية الأهداف اللاأخلاقية، والاشتقاقات الدينية لاخفاء المشاعر الدنيئة التي تشترك فيها جميع العصور والأمم، كما يزعم.
يُمكن للمرء أن يشعر بتأثير صراع ماركس ضد المفاهيم الايديولوجية المثالية التي شوهت الواقع في حماسة باريتو في قتاله ضد الايديولوجيات. لكن الحل الايجابي الماركسي لمسألة الوعي الاجتماعي كان غير مقبولاً بالنسبة له. كان من المُستحيل بوجهٍ عام تفسير سبب تشويه الايديولوجيات غير العلمية للواقع الاجتماعي، وتحليل محتواها بشكلٍ ملموسٍ وتاريخي، أي الكشف عن جذورها الابستمولوجية والطبقية من المواقف النظرية التي كان باريتو ينطلق منها. كشف مفهوم الاشتقاقات عن ضيقٍ لا يمكن تذليله، اذ لم يكن فيه أكثر من المشاعر التي التي كانت تُعبر عن نفسها. ولم يستطع مفهوم "الرواسب" الجامد، تفسير التغيرات في الايديولوجيات، ولم يستطع كشف محتواها. ان تفسير الايديولوجيات على أنها اثبات منطقي زائف للفعل تم مُسبقاً او يتم تنفيذه-كخلية أولى للحياة الاجتماعية- لم يُنقذ الوضع أيضاً. فسّر باريتو الفعل الاجتماعي نفسه بطريقة سيكولوجية بحتة على أنه لاعقلاني بطبيعته. ان كانت الايديولوجيات ذات طابع لاعقلاني، وكانت الدوافع التي صيغت من خلالها خارج العقل، فما هي العوامل التي يُمكن عندئذٍ تسميتها سببية؟ في أي مجال يجب البحث عنها؟ لقد بحث ماركس وآنجلز عنها في الظروف الاجتماعية للفرد، مُظهرين أن الأفعال تُحفزها في كل حالة أسباب مادية وليس ما يُقال عنها، بل على العكس من ذلك، فان العبارات السياسية والقانونية، مثل الأفعال ونتائجها، تنشأ عن أسبابٍ مادية"(24). ومع ذلك، سعى باريتو الى البحث عن مصدر الظواهر الايديولوجية في عقل الفرد المُنعزل بشكلٍ مُنفصل، وتعامل معها بشكلٍ غير تاريخي وتجريدي. لم تُهمه القوى الاجتماعية الحقيقية التي حددت مكانة الفرد في الحركات الاجتماعية الجماهيرية، وأفعال الجماعير بشكلٍ عام. كانت البُنية الطبقية للمجتمع، ومصالح وتطلعات القوى الاجتماعية المُختلفة التي كانت تؤسس نفسها على العلم في أفعالها، بحكم وضعها الاجتماعي الموضوعي، كانت خارج مجال نظره. أدى رفضه للمقاربة الطبقية التاريخية للظواهر الايديولوجية الى التوصل الى ملاحظات محدودة وأُحادية الجانب. في النهاية، أثبت هو نفسه أنه يسير في مسارات "الوعي الزائف" الذي أعتبر انه من مهامه دراسته. الى جانب مُتطلبات منهج ابستمولوجي-منطقي تحدث عنه هو، تضمنت النظرية العلمية ومنهجية العلوم الاجتماعية بالضرورة تحليلاً سوسيولوجيا للواقع الاجتماعي من وجهة نظر مصالح طبقية مُعينة. أدت أُحادية الجانب لمنهجيته الشكلية، واختزاليته السيكولوجية، الى وقوعه في أخطاء كبيرة لدن مُعالجته للمفاهيم حول الايديولوجيا.

6- فكرة تداول النُخَب
وفقاً لباريتو، كان اللاتجانس الاجتماعي، الذي افترض مُسبقاً اللاومساواة النفسية للأفراد، عُنصراً اساسياً في النظام الاجتماعي. تعتمد فردية أي مجموعة اجتماعية على القدرات والمواهب الطبيعية لأعضائها، وهذا بدوره يُحدد موقع المجموعة على درجة مُعينة في السلم الاجتماعي. بالنسبة الى الطبقة التي لديها "أعلى المؤشرات في نشاطها" فقد أطلق عليها اسم النُخبة(25). ان النخبة، هي جزء مُختار من السُكان، والتي تتبعها بقية السكان"(26). تنقسم النُخبة بدورها الى جُزئين: أحدهما يُشارك بشكل مباشر أو غير مباشر في حكومة المُجتمع، أي "النُخبة الحاكمة، أو الطبقة الحاكمة، والجزء الآخر غير مُشارك في الحكومة ويمتهن العلم أو الفن" أي "النُخبة غير الحاكمة"(27). شكّلت "النخبة" و"غير النخبة" بالمقابل الفئات العُليا والدُنيا من المُجتمع. ان الأعضاء الأكثر موهبةً من الفئة الدُنيا "تُجدد صفوف النُخبة الحاكمة، والأعضاء الأقل موهبةً ينحلون في الجماهير. يتم بشكلٍ مُستمر تداول النُخُب أو "تجديد الطبقة"، أي تفاعل بين أعضاء المُجتمع غير المُتجانس (الذي مثّله باريتو كهرمٍ تكون النخبة في أعلى قمته).
تتميز النُخبة بدرجة عالية من الثقة بالنفس والحصافة والقدرة على رؤية أماكن ضعف وحساسية الآخرين واستغلالها لمصلحتها الخاصة، بينما تكون الجماهير عادةً مُرتبكةً وعالقةً في شبكةٍ من المشاعر والأحكام المُسبقة، وهذا يُبرر"وُجود مُجتمع مُنقسم الى قسمين، الأول تسود فيه المعرفة ويقوم بحكم الثاني الذي تسود فيه المشاعر، بحيث يكون الفعل قوياً وموجهاً بحكمة"(28). أشار باريتو الى ميزتين يتمتع بهما الحُكّام، وهما القدرة على الاقناع بالتلاعب بالمشاعر الانسانية والقدرة على استخدام القوة عند الضرورة. هاتين الميزتين مُتناقضتين ولا يتم استخدام احدهما اذا استُخدِمَت الأُخرى. تقوم الحكومات بالحكم اما باستخدام القوة، او بوسائل التسوية والاتفاق. ان القوة والاكراه، برأيه، هي وسائل تم استخدامها طوال التاريخ(29). طوّر باريتو فكرة حُكم الجماهير بتطويع مشاعرهم بوسائل الأفكار التي تُخضهم لمصالح الطبقة الحاكمة. يقول: "ان أعمال الحكومة ستكون أسهل بكثير كلما تمكنت من الاستفادة من الرواسب بشكلٍ أفضل"(30). ووفقاً له، فان التطبيق الماهر لهذا المبدأ هو تفسير أي نجاح سياسي. تاريخياً، سُرعان ما اكتشف الناس أن أساليب الاقناع وحدها لم تكن كافيةً للحفاظ على سُلطة الطبقة الحاكمة. يجب على هذه الأخيرة، أن تعرف كيف تلجأ الى القوة في الوقت المناسب. لذلك كان نقد باريتو الاتهامي موجه ضد الايديولوجيات "العاطفية" مثل الليبرالية والانسانية، الخ. حالما لا تستطيع النُخبة الحاكمة استخدام القوة فانها سُرعان ما تتحلل وتضطر الى التنازل عن الحكم لنُخبةٍ أُخرى أكثر حسماً وقُدرةً على اللجوء الى استخدام القوة. كتب: "التاريخ مقبرة الأرستقراطيات(31). يكمن مفتاح تفسير صعود وسقوط النُخَب الحاكمة ونهوضها وانحطاطها، في كون أن كلا نوعي النُخب يستثني أحدهما الآخر.
ان الآلية التي تتجدد بها النُخبة الحاكمة في في وقت السلم هي الحراك الاجتماعي. كلما كانت الطبقة الحاكمة أكثر "انفتاحاً" تكون أقوى وذات صحة أفضل وتزداد قدرتها على الحفاظ على هيمنتها. كلما كانت الطبقة الحاكمة أكثر انغلاقاً، كان الميل نحو الانحلال أقوى. "لا تتجدد الطبقة الحاكمة بالأعداد وحسب-وهذا هو الشيء الأكثر أهميةً-بل بالنوع، من خلال عائلاتٍ تنهض من الطبقات الدُنيا وتحمل معها حيويتها ونِسَب الرواسب اللازمة للبقاء في السلطة. كما تتجدد عن طريق خروج أعضاءها الأكثر انحلالاً منها"(32). باستثناء النُخبة المُغلقة تماماً، والتي أصبحت طبقة، تكون النُخبة الحاكمة عادةً في حالة تحوّل بطيء ومُستمر. عندما يسير تداول النُخبة ببطيءٍ شديد، تتراكم في فئتها العُليا بالتدريج، العناصر التي تتميز بالعجز والانحلال. تفقد هذه الفئة صفاتها الذهنية التي ضمنت لها موقعها النخبوي ولا يعود باستطاعتها التعامل مع الحاجة الى استخدام القوة. ينهض من بين الطبقات الدُنيا عدد من الأفراد الذين لديهم الصفات اللازمة لحكم المُجتمع. يكونون قادرين على الاستيلاء على السلطة بالقوة. لكن الطبقة الحاكمة الجديدة تتحول بدورها الى طبقة ضعيفة ومُتحللة وتفقد القدرة على الحكم. يُمكنها حينها أن تُجدد نفسها اما عن طريق استقطاب القوة من الطبقات الدُنيا أو من خلال القضاء جسدياً على الأعضاء الذين لم يعودوا ضروريين للنخبة. في الطبقات الدُنيا، اذا تراكم الأفراد الذين يتجاوزون الطبقات العُليا في الانجاز فسيبدأ عصر الثورة، والتي تعني، عند باريتو، فترة تجديد النُخبة الحاكمة والقوى الذهينة اللازمة للحكم، وبالتالي استعادة التوازن الاجتماعي.
كان باريتو مُقتنعاً بأن دورات النهوض والانحدار، من صعود وسقوط النُخبة، ضروريةً وحتمية. ان تناوب النُخب وتقلبها وتعاقبها هو قانون لوجود المُجتمع البشري. على ماذا استند هذا القانون؟
انطلقت نظرية باريتو من اقتناعه بأن تداول النُخَب كان نتيجةً لتناوب "رواسب" الطبقتين الأولى والثانية. كان لكل نُخبة أسلوب مُحدد مُناظر له في الحكم. تحكم غريزة "التجميعات" استخدام الاقناع والخداع والوسائل الماكرة لخداع الجماهير وتضليلهم.
ان الحُكّام هم عُدوانيين وسلطويين ويميلون الى استخدام القوة ويبرعون في استخدام التلاعب والمُناورة والتسويات. في حين يعيش النوع الأول من الحُكام في الوقت الحاضر، فان النوع الثاني يتطلع الى المُستقبل. اختلق الحُكّام المُثل العُليا سواءاً منها العلمانية والدينية، وتطلعوا لتحقيق أهدافهم في المُستقبل. ان تفاني الفرد في خدمة المُجتمع، واخضاع المصالح الفردية للمصالح الاجتماعية والشجاعة والثبات في السعي لتحقيق هذه الأهداف هي السمات المُميزة لهذا النوع من الحُكام.
دعا باريتو الحُكّام الذين غلبت عليهم "رواسب التجميع" بالثعالب، أما اولئك الذين تغلب عندهم "رواسب الثبات الكُلي" بالأسود. ان الثعالب هي رمز للمكر والخيانة والغدر. أما الأسود فهي رمز للقوة والمثابرة والشجاعة. تتوافق الثعالب والأسود مع أنماط "المُراقب" Speculator، والمؤجر Rentier، في النشاط المالي والتجاري. ان المُراقب، هو النموذج الأولي لرجل الأعمال والمُخطط الاستراتيجي المُخاطر الذي يسعى جاهداً لتحقيق الربح. انه غارق في أعمال محفوفة بالمخاطر وليس لديه أي تأنيب في ضميره، ويسعى للربح بأي ثمن. أما المؤجر فهو نقيضه التام. انه خجول ويسعى للاعتياش على دخلٍ ثابت ويخشى اتخاذ خطوات من شأنها الاضرار برأس ماله ولا يُزعج نفسه. كان رُجحان "المؤجرين" في المُجتمع دليل على استقراره، ومن ثم ينتقل لاحقاً الى مرحلة الاضمحلال والانحلال. تعني غلبة "المُراقبين" نمواً في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع.
ارتبط مفهوم تناوب الأعمال والدورات السياسية بمفهومه عن التوازن، بدورات الانتاج الروحي (الفكري والديني وما الى ذلك). يحدث تعاقب ايقاعي بين فترات الايمان والشك في المُجتمع، حيث تستقر الرواسب من الصنف1 ومن الصنف2، في نهاية المطاف. عندما تتقوى الرواسب من الصنف الأول في أذهان الأفراد، وتضعف رواسب الصنف الثاني، يحدث تغيير في نسبة "الرواسب" عند مجموعات اجتماعية مُعينة. تكون هذه المجموعات غير راضية عن الواقع من حولها، وتنتقد النظام القائم والقيم السائدة. في محاولة لانشاء نظرياتهم وبرامجهم المُستندة الى العلم والمنطق، فانهم يعتبرون ذلك تمهيداً للطريق الى العقل والتحرر من الأحكام المُسبقة. ولكن عندما تكتسب هذه النظريات الفكرية الزائفة اليد العُليا في المُجتمع، ينشأ اتجاه مُضاد جديد للحياة الروحية لا محالة. ينتقد الأفراد الذين تعززت لديهم مشاعر "الثبات الكُلي"، ينتقدون منطق النظريات الزائفة وعقلانيتها، بحثاً عن الأخطاء والتناقضات فيها. لذلك تنشأ النظريات المُعادية للفكر والحدس وتنهض النظريات الصوفية التي تحل تدريجياً محل الوضعية والعقلانية.
بنى باريتو نظرية "تداول النُخب" مثلما بنى نظرية "النشاط الاجتماعي"، بناءاً على البحث في الخصائص البيولوجية السيكولوجية للأفراد وليس على تحليل العلاقات الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية. ان السمات الشخصية للحُكّام التي كانوا يمتلكونها بالفعل قبل أن يكونوا في موقع النُخبة أساسيةً في مفهومه حول السلطة. عند مُحاولته طرح مسألة العلاقة بين التمايز البيولوجي والاجتماعي، اعتبر أن الاقتصاد الرأسمالي يوفر نطاقاً، في ظروفٍ مواتيةٍ من تطوره، لتحرك أفضل اعضاءه الى قمة المُجتمع، ولاعادة انتاج بُنيته بالتوافق مع الصفات البيولوجية النفسية للأفراد. لم يقل بأن امتلاك الصفات الشخصية اللازمة للحكم كان مُجرد شرط من شروط صعود مؤسسة الهيمنة، وهو ليس، فضلاً عن ذلك، شرطاً رئيسياً وحاسماً. في الواقع، كانت مؤسسة المُلكية الخاصة الرأسمالية تُسيطر على المُنافسة الرأسمالية. كان الأفراد الذين انخرطوا في النضال موجودين بالفعل في مصفوفة مُعينة من العلاقات الاجتماعية وكانت لديهم مزايا بسب المكانة التي يشغلونها في المُجتمع. كان العامل الرئيسي في النجاح السياسي واختيار "الأفضل" من المُتنافسين على السُلطة هو قوة الطبقات والجماعات السياسية التي كانت تقف ورائهم. ان التغيرات السياسية والايديولوجية والاقتصادية في المُجتمع ليست نتيجةً بسيطةً للتغيرات في تكوين الأقلية الحاكمة، كما اعتبر باريتو. في الواقع، عبّر "تداول النُخَب" عن عمليات عميقة الجذور ذات طابع اجتماعي-اقتصادي في المقام الأول. تخدث التغيرات السياسية عندما لا تتمكن المجموعات الحاكمة من التعامل مع المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الناشئة في سياق المُمارسة الاجتماعية، وتضطر الى اللجوء الى المناورات السياسية. لم تكن حُججه حول أداء النُخَب مبنيةً على تحليل القوى الاجتماعية الجماهيرية الحقيقية، ولم يُحللها وفقاً للفترات التاريخية المُختلفة، ولكنه شدد الاهتمام على أوجه التشابه الشكلي لأنواع الحكومات المتنوعة التي أدخلها في مُخطط عام واحد. بينما كان باريتو يُضفي صفة الاطلاق على الصفات العامة لعمل سُلطة النُخبة في المُجتمع التناحري، لم يعتبر أن الفترات التاريخية المُختلفة أبرزت قوىً مُختلفة كذلك، كان لها مطالب وقيم مُختلفة وتشكلت على أساس معايير مُتغيرة تاريخياً. لا يُمكن تفسير سبب هذه التغيرات والاختلافات الا من وجهة نظر التحليل المادي الدياليكتيكي للانقسام الطبقي في المُجتمع الذي يُحدد الخصائص المُقابلة لها في سمات أشكال الدولة وآلياتها.
رَسَمَ باريتو صورةً بغيضةً للتاريخ، حيث جمعت في تلاوينها أشكالاً من العنف والخداع والجرائم ومكائد القصور ومعارك وشجارات المُتنافسين على السلطة. في تلك الظروف لم تكن الانسانية أكثر من تحيّزٍ وايديوجيا اهانة الذات. كان المُستقبل مُلكاً للسياسيين الذين لا ضمير لهم، والذين لم يُفكروا في العواقب الاجتماعية لأفعالهم طالما أنها تؤدي الى غاياتهم المنشودة. فقط تلك النُخبة يُمكن أن تضمن التوازن الاجتماعي، والتي عرفت كيف تستفيد من السُلطة ولم تكن حريصةً على انتقاء الوسائل، مُهتمةً فقط بمصالحها الخاصة. قال باريتو مُكرراً قول مكيافيلي "الغاية تُبرر الوسيلة"-(لقد كان يحترم ميكيافيلي أكثر من كل الكُتّاب الحديثين).
كان المفهوم الاجتماعي التاريخي لباريتو مُتشائماً للغاية. في فكرته حوله، كان محكومٌ عليه أن يسير في دوراتٍ مُتكررةٍ والى الأبد، في تتابع، دون أن يكون هناك اي تقدم ملحوظ، يكون الجزء الصاعد من المُنحنى "سبباً" أو شرطاً لمُنحناه الهابط، ليس أكثر. وكما لاحظ فرانز بوركينو Franz Borkenau بحق، فان "تشاؤوم باريتو لا يُمكن تفسيره بمزاجه الكئيب"(33)، وانما يُمكن تفسيره بحقيقة انهيار المُثُل السياسية لجزء مُعين من الطبقة الرأسمالية، وكراهيته لمُثُل التقدم والديمقراطية. جعل باريتو، من تشاؤومه التاريخي، الذي نما ليصبح ايديولوجيا سياسية للمحافظين الذين يجعلون من مُثُل القوة العنف قيماً عظيمةً، توجهاً برنامجياً له.

7- باريتو في المنظور التاريخي
صدر كتاب (رسالة في السوسيولوجيا العامة) خلال الحرب العالمية الامبريالية الأولى ولم يجد قارئاً سوسيولوجياً له في ايطاليا. في فرنسا، كان لمدرسة دوركهايم مركزٌ مُهيمن، مدافعةً عن موقفٍ نظريٍ مُختلفٍ تماماً. في وقتٍ لاحق، أدت حقيقة أن الفاشيين أعلنوا باريتو أباهم الروحي، الى انعزال الدوائر ذات التفكير الليبرالي عنه.
جاء الاعتراف به في أمريكا. عقد عالم الكيماء الحيوية البارز لورانس جوزيف هندرسون في بداية الثلاثينيات ندوةً في جامعة هارفارد لدراسة مفاهيم باريتو، شارك فيها سوسيولوجيون بارزون مثل تالكوت بارسونز وروبرت ميرتون وكلايد كلوكوهن. نُشِرَ كتابه المعني، باللغة الانجليزية عام 1935، وكما لاحظ لويس كوسر Lewis Coser "تمت قراءه أعمال باريتو على أنها نوع من الرد البرجوازي على ماركس، أو كُمكافئ وظيفي مُحافظ، له"(34). انتقد السوسيولوجيين الذين ينتمون الى وجهات نظر أكثر يساريةً وجهات نظر باريتو بسبب ميكيافيليته وفاشيته السياسية، واسلوب تفكيره القديم. يقول كوسر "كتب ايموري بوغاردوس وفلويد هاوس تفنيدات مُطولة حاولوا فيها اظهار أن ما كان صحيحاً عند باريتو قد قاله الانجليز والأمريكيين مثل داروين وجيمس وسومنر منذ وقتٍ طويل بشكلٍ أفضل، وأن بقية ما كتبه، لم يكن جيداً على الاطلاق"(35). لكن الدراسات حول باريتو التي كتبها هندرسون، وقبل شيء تلك التي كتبها بارسونز، قامت بدور كبير في ابراز باريتو والاعتراف به. اعتبر بارسونز رائد مدرسة البنيوية الوظيفية، أن باريتو هو أحد أساتذة السوسيولوجيا البارزين، مُعلناً أنه "لا يوجد اي شيء في كتاب (الرسالة) سواءاً على المستوى المنهجي أو النظري... يجب التخلص منه"(36). قَبِلَ البنيويون الوظيفيون نظرية باريتو في الفعل الاجتماعي وطوروها، وكذلك تصوره عن المُجتمع كنظام في حالة توازن. احتل مفهوم التوازن الذي قدمه باريتو مكانةً رائدةً في التحليل البنيوي الوظيفي كأحد مفاهيمه الأساسية ونقطة انطلاق للبحث. عززت مُقاربة باريتو المنظومية للمُجتمع اتجاه تطوير التقليد السوسيولوجي الذي اعتبر مسألة استقرار النظام الاجتماعي كمسألة أساسية. اعتبر البنيويون الوظيفيون أيضاً أنكار باريتو للعلاقات السببية البسيطة واستعاضته عنها بأخذ مجموعة من المُتغيرات في منظومة من التفاعل الوظيفي، أعتبروا ذلك ميزةً مُهمةً عند باريتو. وجّه باريتو فكرة (التفاعل) ضد مفهوم الحتمية الاجتماعية، ووضعها في سياق الأسئلة النظرية للفكر السوسيولوجي الغربي. قدّر الاقتصاديون الرأسماليون مساهمته الاقتصادية بالقدر نفسه، مُعتبرينه أحد مؤسسي الاقتصاد السياسي الحديث(37).
اعتبر باريتو نفسه أن نظريته عن "الرواسب" و"المُشتقات" هي أكبر مُساهمة له في الفكر الاجتماعي. صار المفهوم اللاعقلاني عن الشخصية، المُدمج في مفهوم الفعل "غير المنطقي"، موضوعاً لسيكولوجيا اللاوعي بشكلٍ عام. وجد هذا انعكاساً له في السيكولوجيا الاجتماعية الغربية المُعاصرة، وفي مُعالجة ظواهر مثل الوعي المشوه وآلية العقلنة ووظيفة التحيز والشخصية السلطوية.
يحظى مفهوم باريتو حول الايديولوجيا بشعبيةٍ كبيرةٍ بين علماء السياسة الغربيين المُعاصرين. ان فهم الايديولوجيات باعتبارها بُنيات نظرية تعسفية تهدف الى اخفاء وعقلنة التحيزات والمشاعر، يؤكد الدور المُهم لمنظومات العقائد. ان الاطروحة القائلة بأن الانسان يسترشد بمعتقدات ملونة عاطفياً، بدون الخوض في النقاش حول صحتها من عدمه، تُستخدم على نطاقٍ واسعٍ في نظرية وأساليب الدعاية الرأسمالية.
رُبما جذبت نظرية النُخب مُعظم الاهتمام الى نظام باريتو السوسيولوجي، وكانت نُقطة انطلاق للعديد من الدراسات حول آلية السلطة من وجهات نظر مُتنوعة. هذه النظرية، المأخوذة في سياق آراء باريتو النظرية، هي أساس لاعتباره نبي أنظمة سياسية من النمط الفاشي. عكست أعمال باريتو، سواءاً أراد ذلك أم لم يُرِد، اتجاهات الأزمة في الأوضاع السياسية في أوروبا الغربية، والتي أدى تطورها (أي الأزمة) الى صعود الفاشية. ان تركيز اهتمامه على مسائل الصراع السياسي للنُخب وفكرة الانتقاء البيولوجي للنخبة الحاكمة، وتبريره لاستخدام القوة الغاشمة والدوس على الشرعية وانتقاده للنهج السياسي العقلاني والتأكيد على أهمية اللاعقلانية، تشابكت مع الأفكار التي تقوم عليها كتابات المُنظرين الفاشيين الرسميين. كان الهدف المقصود من كتابه (رسالة في السوسيولوجيا العامة) أن يكون "دحضاً هائلاً" لماركس. بينما رفض مُساهمة ماركس في الاقتصاد السياسي، اهتم باريتو بكتاباته كسوسيولوجي شدد على دور الصراع الطبقي في التاريخ. لكنه كان خصماً شديداً للاشتراكية العلمية وانتقد المادية التاريخية بشدة، التي اعتبرها عن خطأ "ماديةً اقتصادية"، والتي يكمن خطأها برأيه "في تمثيل العلاقة بين الترابطات كعلاقة سبب-نتيجة"(38).
عندما يُعمم المرء وسائل "دحض" الماركسية التي استخدمها باريتو، يُمكن للمرء أن يقول أنه كان يسعى الى تصوير الماركسية كحالة خاصة من مفهومه "الأوسع". كان من المُقرر حل نظرية الاستغلال الطبقي في المفهوم "الأوسع" حول تناوب النُخَب، وجعل الاختلافات الطبقية كحالة جُزئية من الاختلافات النفسية "الأوسع"، الخ. عارض باريتو الحزبية الماركسية بمُتطلب الحفاظ على التوجه التجريبي-المنطقي بوضعٍ يخلو من الأحكام القيمية. تغلغلت آراء باريتو النظرية بروح اليأس التاريخي. من الواضح أنه رأى أن البرجوازية كانت في حالة انحطاط. كتب، بأنه لم يكن لديه دواء لعلاج المرض الذي أصاب المُجتمع. لقد أعلن هو نفسه بوضوح، على العكس من ذلك، انه اذا كان هناك أي دواء (وهو لا يعتقد انه موجود)، فهو غير معروف تماماً بالنسبة له. كان يعتقد أنه كان في منزلة طبيبٍ يعرف أن مريضه مُصابٌ بالسل وهو على وشك الموت، ولا يعرف كيف يُنقذه(39).

أ- قضية الفريد دريفوس: هذه قضية معروفة في التاريخ الأوروبي. انه نقيب في الجيش الفرنسي، اتّهِمَ أواخر عام 1894 بتسليم وثائق سرية الى جيش الامبراطورية الألمانية. حُكِمَ عليه، بعد محاكمةٍ مُغلقة، بالسجن مدى الحياة.
1- Vilfredo Pareto. The Mind and Society. Vol. I. Translated by Andrew Bongiorno and Arthur Livingstone (Harcourt, Brance, New York 1935), p 3
2- "قد تكون نظرية صحيحة من الناحية التجريبية مُفيدةً للمجتمع، ينطبق هذا على النظرية الخاطئة تجريبياً والتي قد تكون ضارةً، الناس يُنكرون هذا" Ibid., p 171
3- Ibid., p 16
4- Ibid.,p 35
5- Ibid., p 307
6- Ibid., p 76
7- Ibid.,p 77
8- The Mind and Society, Vol. III, p 888
9- Ibid., p 1126
10- The Mind and Society, Vol. II, p 516
11- Ibid., p 517
12- The Mind and Society, Vol. III, p 1281
13- Ibid., p 889
14- Ibid., p 899
15- Ibid., p 926
16- 16 Ben B. Seligman. Main Currents in Modern Economics. Economic Thought since 1870 (The Free Press of Glencoe, Glencoe, III., 1962)
17- The Mind and Society, Vol. III, p 1112
18- Ibid., 1202
19- Ibid., p 1209
20- The Mind and Society, Vol. I, p 72
21- Ibid., p 324
22- The Mind and Society, Vol. III, p 894
23- Ibid., р 903
24- See Frederick Engels‘ review of Marx‘s A Contribution to the Critique of Political Economy. In: Karl Marx. A Contribution to the Critique of Political Economy (Progress Publishers, Moscow, 1977), p 221
25- Vilfredo Pareto. The Mind and Society, Vol. III, p 1423
26- The Mind and Society, Vol. I, p 169
27- The Mind and Society, Vol. III, p 1423
28- Ibid., p 1241
29- Vilfredo Pareto. Trattato di sociologia generale, Vol. II, (Edizioni di Communita, Milan, 1964), p 678
30- Ibid., p 676
31- The Mind and Society, Vol. III, p 1430
32- Ibid., pp 1430-1431
33- Franz Borkenau. Pareto (Chapman & Hall, London, 1936), p 161
34- Lewis A. Coser. Masters of Sociological Thought (Harcourt Brace Jovanovich, New York, 1977), p 423
35- Ibid., p 424
36- Talcott Parsons. The Structure of Social Action (The Free Press, Glencoe, III., 1949), p 300
37- Maurice Allais. Pareto, Vilfredo. Contributions to Economics. In: International Encyclopedia of the Social Sciences, Vol. 11 (The Macmillan Co., and The Free Press, New York, 1972), pp 399-408
38- Vilfredo Pareto. The Mind and Society, Vol. I, p 500
39- Cited from: Gottfried Eisermann. Bedeutende Soziologen (Ferdinand Enke Verlag, Stuttgart, 1968), pp 159-160

ترجمة الفصل الثاني عشر من كتاب:
A History of Classical Sociology, a Group of Soviet Sociologists, Edited By Prof.I. S. Kon,
Translated By H. Campbell Creigton, Published 1979K Translated 1989, Progress Publisher








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد: تجدد المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين في ولاية مينيسوت


.. مرض شاغاس أو مرض النوم يصيب الفقراء في 36 بلدا أفريقيا


.. الظابط زكريا يونس عرف يوصل للإرهابي قبل تفجير عبوة ناسفة وسط




.. شاهد: الشرطة الأمريكية تفرق بالقوة متظاهرين غاضبين من قتلها


.. فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض