الحوار المتمدن - موبايل


حول جوهر الحياة

مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)

2020 / 9 / 28
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


كاتب المقالة: الكسندر ايفانوفيتش أوبارين*

ترجمة مالك أبوعليا

الملاحظات والتفسير بعد الحروف الأبجدية بين قوسين (أ)، (ب)... هي من عمل المُترجم

مُلاحظة من مُحرري مجلة Voprosy Filosofi: ان شهر آذارعام 1979 هو مناسبة مرور 85 عاماً على ولادة عالم الكيمياء الحيوية السوفييتي المتميز الكسندر ايفانوفيتش اوبارين. تتزامن هذه المناسبة الرائعة مع حدثٍ آخر. قبل 55 عاماً، اي في عام 1924، قدّم اوبارين حلاً أصيلاً لمسألة أثارت عقل الانسان لمدة قرون-مشكلة أصل الحياة على الأرض. كان لكتاب اوبارين الصغير، الذي نشرته مطبعة موسكوفسكي رابوتشي Moskoviskii Rabochii أهميةً هائلةً للعلم وللنظرة الى العالم. في السنوات التي تلت ذلك، طوّر أوبارين محتواه وحصل على اعترافٍ عالمي، مما ساعد على ترسيخ شهرة العلوم السوفييتية. ان نشاط الأكاديمي أوبارين كُمنظم ابداعي للعلوم معروفٌ جيداً. انه مدير مهد باخ للكيمياء الحيوية التابع لأكاديمية العلوم السوفييتية، والرئيس الفخري للجمعية الدولية لدراسة أصل الحياة، ورئيس المجلس العلمي للكيمياء الحيوية التطورية ومسألة أصل الحياة، وعضو في العديد من الأكاديميات الأُخرى، ودكتور فخري في جامعات مختلفة في الخارج. أنشأت اللجنة التنفيذية للجمعية الدولية لدراسة أصل الحياة، تأكيداً لخدماته للعلم ميدالية أوبارين الذهبية للعمل المُتميز حول مسألة أصل الحياة.
يُقدم محررو مجلو فوبروسي فيلوسوفي Voprosy filosofi التهاني القلبية للأكاديمي الكسندر أوبارين في ذكرى ميلاده المجيدة، ونقوم أدناه بنشر مقالة كتبها لمجلتنا.

ما هو جوهر الحياة؟ هذا سؤال يفتقر الى اجابة تستند الى أُسس، مما يجعل من المُستحيل بناء رؤية عقلانية للعالم تعكس الواقع الموضوعي بشكلٍ مناسب. ومع ذلك، يتحدد حل هذه المُشكلة من خلال نشاط الناس العملي في جميع المجالات حيث يتعاملون مع الكائنات الحية، على سبيل المثال، في الزراعة أو في الطب. في جميع هذه الحالات، تكون الأساليب التي يؤثر فيها البشر على الطبيعة الحية أكثر اثماراً كلما تعمقوا في جوهر الحياة وكلما تم فهمها أكثر.
لطالما جذب عالم الكائنات الحية العقل الانساني الفضولي. لم يكن أي نظام ديني أو فلسفي ولا مُفكر كبير، بعيداً عن طرح هذه المسألة والاهتمام بها. في مُختلف العصور وعلى مستويات مُختلفة من الثقافة، بُذِلَت محاولات متنوعة لحل مسألة جوهر الحياة. لكن كل هذه الآراء المتباينة، الماضية والحالية، يُمكن اختصارها الى مفهومين مُتعارضين أساساً، المادي والمثالي. في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، اتخذ هذا الصراع حدةً خاصة. ظهرت بحلول ذلك الوقت، الحلول الحيوية Vitalism والميكانيكية، ولم تتركا مجالاً لأي حلول أُخرى. ومع ذلك، يبدو أن حدود هذين الحلّين كان ببساطة نتيجة الفشل في فهم دياليكتيك الطبيعة الحية.
وصلت الفلسفة الطبيعية والاتجاه المثالي في البيولوجيا-الحيوية Vitalism-الى مرحلة مُزدهرة في وقتٍ مُبكرٍ من منتصف القرن الثامن عشر. في ذلك الوقت، كانت معرفتنا بالحياة محدودة لدرجة أنه بدا من المُستحيل تماماً شرح العمليات الفسيولوجية دون اللجوء الى افتراض وجود "قوة حياتية" غير مادية تعمل في هذا المجال. لكن نشأت موجة هائلة من الاكتشافات العظيمة في نهاية القرن الثامن عشر. هذا جعل استخدام التجارب في البيولوجيا مُمكناً تماماً. أصبح من المًمكن الوصول الى فهمٍ مادي بحت لعددٍ من ظواهر الحياة من خلال استخدام القوانين التي كانت مُطبقة على العالم غير العضوي. منذ ذلك الوقت، بدأت الاتجاه الحيوي Vitalist يُعاني هزيمةً تلو الأُخرى، بالمعنى الدقيق للكلمة، وكان قد استنفد نفسه بالكامل بحلول الرُبع الثاني من القرن التاسع عشر. وبدا أن فكرة "قوة الحياة" قد دُفِنَت الى الأبد، وأصبحت غير ضرورية تماماً بل وحتى ضارة، وعقبة أمام التقدم المُظفر للمعرفة العلمية المُتعلقة بالطبيعة الحية.
على الرغم من أن هذا قد يبدو غريباً، فقد كان هناك ولادة جديدة للاتجاه الحيوي Vitalism في مطلع القرن العشرين، في شكل ما يُسمى الحيوية الجديدة، كرد فعل على التبسيط الميكانيكي في تفسير عملية حياة العضوية ككل. وجدت الحيوية الجديدة، في أكثر أشكالها أرثذوكسيةً، تعبيراً لها في مذهب هانز دريتش Hans Driesch(1) حول الاستقلال التام للحياة. وفقاً لدريتش، فان العمليات التي تحدث في الكائن الحي ليست نتيجة ولا جمعاً للعوامل الفيزيائية والكيميائية. قال، بأنه من أجل فهم ظواهر الحياة، من الضروري الاعتراف بوجود عامل غير مادي في الكائنات الحية يحكم كل نشاطها (حتى في الطبيعة النباتية)، وهو عامل يُشير اليه المُصطلح الأرسطي (الاستنجاز) Enteletchy، على الرغم من أنه أعطى معنىً مُختلفاً لهذا المُصطلح عما فعله أرسطو.
من المفهوم أن قبول أولوية "الاستنجاز" على العوامل الفيزيائية والكيميائية في تحديد سيرورة الحياة يُلقي بظلالٍ من الشك على قيمة أي بحث موضوعي في العالم العضوي لمعرفة جوهر الحياة، لذلك فان "استنجاز" دريتش اليوم لا يجد أي مؤيدين له بين علماء الطبيعة، أو حتى بين اللاهوتيين وغيرهم من مُمثلي المُعسكر المثالي المُتطرفين.
وهكذا، على سبيل المثال، فان أتباع توما الاكويني المُعاصرين، أتباع التوماوية الجديدة، بينما يتفقون مع نقد دريتش للمادية، يرون، مع ذلك، أن "قوة الحياة" أو الاستنجاز غير قادرة على الادارة المُستمرة لجميع العمليات البيولوجية بالطريقة التي يقود بها السائق السيارة. باستثناء ما يُسميه الروحانيون الروح البشرية، فمن المُعترف به عن التوماويين أن التنظيم الكامل للأجسام الحية وجميع العمليات الحيوية تتحدد من خلال القوانين الفيزيائية والكيميائية غير المُتغيرة. ومن ثم، يُمكن، بل يجب دراستها تجريبياً، ولكن في هذا المجال، تُعتَبَر كل ظواهر الحياة وكل تطورها مُسيرة الى هدفٍ واحد، تحدد مُسبقاً عندما نشأت الحياة لأول مرة وأسسها الخلق الالهي(2). لا يُعبّر فقط اللاهوتيون عن وجهات النظر الغائية المُشابهة، ولكن أيضاً بعض المُنظرين الآخرين الذين يعملون على حل المسائل البيولوجية العامة. وهكذا، على سبيل المثال، يكتب عالم البيولوجيا الاسكتلندي ادوارد راسل Edward Russell(3)، في كتابه (سلوك الحيوانات) Behavior of Animals، انه على الرغم من أنه لم يُؤمن بأي مصدرٍ صوفيٍ للحياة، الا أنه أدرك مع ذلك ضرورة وجود اتجاه بدئي للتطور البيولوجي، يُحدد غرضية وغاية تنظيم كل تلك الحياة.
في نهاية النصف الأول من القرن العشرين، اكتسبت النظريات، التي غالباً ما تم وُضِعت تحت الاتجاه العام الذي يُسمى العضوية Organicism أو الكُلية Holism (من اليونانية Holos- The Whole)، اكتسبت انتشاراً واسعاً بين الفلاسفة وعلماء البيولوجيا. لقد كانت، الى حدٍ ما، رداً عقلانياً على الاتجاه الميكانيكي الذي يتصور الكائن الحي كمجموع لأجزاءه.
وفقاً لتأكيدٍ منسوبٍ الى أفلاطون، فان الكُل دائماً شيءٌ أكبر من مجموع أجزاءه. فقط هذا التأكيد الصحيح على أسبقية الكُل على أجزاءه يوحد النطاق الواسع والانتقائي تماماً لمؤيدي الاتجاه الكُلي Holistic. يلتزم البعض منهم بالمواقف المثالية المُتطرفة، بينما يسعى البعض الآخر الى تفسير الطبيعة المُتكاملة للكائن الحي من وجهة نظر المفاهيم المادية (على سبيل المثال عالم البيولوجيا النمساوي لودفيغ فون بيرتالانفي Ludwig von Bertalanffy). والسؤال الأساسي في هذا الصدد هو من ماذا يتكون ذلك (الكُل)، الأكبر، وما الذي يُميز الكُل عن مجموع أجزاءه، ما هو جوهره وأصله. ولكن، على الرغم من أن غالبية الكُليين Holists ينتقدون "استنجاز" دريتش، فانهم هم أنفسهم يُطورون مفهوماً للحياة قريباً جداً من النزعة الحيوية الجديدة.
كما هو الحال في القرون الماضية، يعتبر مُمثلو المُعسكر المثالي اليوم، أن جوهر الحياة يكمن في بعض المصادر الأبدية غير المادية التي لا يُمكن التوصل اليها بالوسائل التجريبية. هنا نجد "نفسية" أفلاطون و"استنجاز" أرسطو" والروح الخالدة أو بذرة الاله التي تعود الى مُختلف التعاليم والمُعتقدات الدينية، و"مبدأ الفعل الداخلي" internal principle of action الكانطي و"قوة الحياة" عند الحيويين، و"المُهيمن" عند الحيويين الجُدد"، وما الى ذلك. يستخدم الحيويين هذا النوع من المصادر على نطاقٍ واسع لتقديم ما يُسمى تفسيراً لواحدة من أكثر الخصائص المُميزة لكل المادة الحية-قابلية تكل تنظيم الأجسام الحية للتكيف مع البيئة، وتكيّف بعض الأجزاء المُكونة للكائن الحي (الجزيئات والعضويات والأعضاء) للوظيفة التي تؤديها في العضوية ككل، أي ما يُسمى "الغاية"، والطريقة التي تم تصميم كل كائن حي فيها.
توصلت المادية، قُرب نهاية القرن التاسع عشر، أولاً في شكل ميكانيكي ميتافيزيقي، الى فهمٍ للحياة من موقعٍ يتعارض مع موقف الحيوية. أنكر العديد من العُلماء في القرن الماضي، وكذلك الباحثين المُعاصرين، الذين يتمسكون بآراء الفهم الميكانيكي حول الحياة، أنكروا أي اختلاف نوعي بين الكائنات العضوية والطبيعة غير العضوية. بتجاهل عملية تطور المادة باعتبارها المسار الذي تظهر من خلاله خصائص جديدة غير موجودة سابقاً، فانهم يرون أنه لا توجد أو يُمكن أن توجد قوانين بيولوجية مُميزة، وأن لا توجد الا قوانين الفيزياء والكيمياء فقط، تحكم جميع الظواهر التي تحدث في العضويات. يعتبر الميكانيكيون الاعتراف بالصفات الخاصة الموجودة فقط في المادة الحية قبولاً لمبدأ غير مادي و"قوة حيوية"، مُتجاهلين أن أشكال تنظيم وحركة المادة قد تكون متنوعة للغاية، وأن الاعتراف بأن الحياة تمتلك سمات مُميزة لها، لا تنطوي بالضرورة على انكار طبيعتها المادية. يرى الميكانيكيون أن حل مسألة فهم الحياة يكمن في تفسيرها بشكلٍ كاملٍ عن طريق الفيزياء والكيمياء، في اختزال كل ظواهر الحياة الى عمليات فيزيائية وكيميائية (الاختزالية). بالطبع، فان التحليل التفصيلي للمواد والظواهر المُميزة للأجسام الحية مُهم للغاية وضروري تماماً لفهم الحياة بشكلٍ صحيح، والنجاحات الرائعة للكيمياء البيولوجية هي أدلة واضحة على ذلك. ومع ذلك، لا يرى الميكانيكيون شيئاً جديداً، لا شيء سوى التشابه بين الكائنات الحية والآلات.
منذ ديكارت، كان هناك جُهد لفهم الكائن العضوي كآلة، من نوع مُعقد تماماً. ان ما تغيّر من فترةٍ الى أُخرى هو السياق المادي لذلك الجُهد، والذي عكس حالة تطور العلم والتكنولوجيا. خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر ("عصر الساعة")، كان أساس كل ما هو موجود هو الحركة الميكانيكية، أي حركة الأجسام في المكان وفقاً لقوانين نيوتن. من هذا المنظور أيضاً، فُسّرت الحياة على أنها مُجرد حركة ميكانيكية مُعقدة للغاية، على غرار تروس ساعة الجد Grandfather s Clock.
في ذلك الوقت، احتل التشريح مكاناً مُهماً للغاية في التعرف على الحياة. ولكن، في الفترة التالية لتطور العلم ("عصر البُخار"-نهاية القرن الثامن عشر وكل القرن التاسع عشر)، بدأت الفسيولوجيا في المُطالبة بهذا المكان، وبدأ دور الميكانيكيا السابق في فهم الحياة يمتلئ بالمحتوى الطاقي الآن. لم يعد نموذج الكائنات الحية يُرى في الساعات، ولكن في المُحركات البُخارية. تم تطوير التشابه بين التنفس والاحتراق الداخلي، الذي عبّر عنه لافوازييه لأول مرة.
وهكذا، نرى أن مُحاولات التعرف على الحياة عن طريق المُشابهة بالآلة كانت موجودةً منذ وقتٍ طويل، لكن هذه المُشابهة تفشل في تفسير ما يُطلب تفسيره- سبب وجود (غرض)، أو غاية لتنظيم الكائنات الحية. لان الآلة لا تأتي من ذاتها في الظروف الطبيعية. لا يُمكن اشتقاق غرضية الآلة، وتكييف تصميماتها لأداء وظائف مُعينة، من تفاعل اي نوعٍ من قوانين العالم غير العضوي، ولكنها ثمرة النشاط الابداعي للانسان، لجهوده الابداعية.
كقاعدة عامة، فان الاتجاه الميكانيكي، وبالتالي الاختزالية، التي أنجزت قدراً كبيراً في دراسة الكائنات الحية، تموت، وتصير في حالة من العجز المُطلق، عند مواجهة مسألة (أصل) الحياة. ان دحض تجارب لويس باستور Louis Pasteur العبقرية امكانية التوالد التلقائي(أ) spontaneous generation، قد أصابت عُلماء الطبيعة الميكانيكيون في النصف الأخير من القرن التاسع عشر بخيبة أمل، الذين رأوا أن التوالد التلقائي للميكروبات هو السبيل الوحيد المُمكن لحل مسألة أصل الحياة. لقد توقفوا بشكلٍ أساسي على السعي لحل هذا السؤال "الملعون"، وبحثوا عن أساسٍ أو آخر لتأكيد عدم قابليته للحل. كل هذا هو الأساس الذي نشأت عليه-على حد تعبير جون برنال-"مُمارسة الحِيَل"، التي، بينما لم تُفسر شيئاً في الواقع، سعت بطريقةٍ ما الى التهرب والحصول على عُذُر مقبول لرفض البحث عن حل لمسألة أصل الحياة.
يُمكن لكتاب ارفين شرودنغر (ما هي الحياة؟ الجانب الفيزيائي للخلية الحية) أن يكون مثالاً مُفيداً للغاية في هذا الصدد. في المُقدمة، حدد المؤلف لنفسه مهمة شرح جوهر الحياة على أساس مادي بحت. وبفعل هذا، صار يُقارب حل المسالة المطروحة من مواقف ميكانيكية بحتة، مُعتقداً أن تنظيم الحياة يقوم على مبدأ "آلة الساعة". ولكن في استنتاجه، اضطر شرودنغر لضرورة منطقية، الى وصف الحياة بأنها "ليست من صُنع البشر، اي غير مصقول ورديء" ولكن "كأروع تُحفة فنية أُنجزت في ضوء ميكانيكيا الكم الخاصة بالرب"(4). وهكذا، بعد أن بدأ شرودنغر بنهجٍ مادي لمُقاربة الحياة، قادته ميكانيكيته بشكلٍ حتميٍ الى اللاعقلانية عندما وصل الى مسألة أصلها.
ظهرت فرضيتان تتعلقان بأصل الحياة في عصرنا. أحدهما مبني على افتراض أن الحياة لم تنشأ من المادة غير الحية، لكنها وُجِدت منذ الأزل. نظراً لأن كوكبنا لم يوجد منذ الأزل، فقد جرت محاولة لتفسير ظهور الكائنات الحية عليه من خلال التأكيد أن بذورر الحياة قد جُلِبَت في وقتٍ ما من عوالم أُخرى بواسطة النيازك أو جُزيئات الغبار الكوني. تطورت هذه الفرضية (البانسبيرميا) Panspermic بواسطة الكميائي الفيزيائي السويدي المُتميز سفانت اوغست اورينيوس Svante August Arrhenius.
منذ نهاية القرن الماضي، أخضع فريدريك آنجلز فرضيات الحياة الأزلية لنقدٍ صحيحٍ ومُدمر، وأشار الى أنه تم الخلط بين مفهومين مُختلفين تماماً: - أزلية الحياة كشيء لم يكن غير موجود ابداً، ولكنه ينتقل وراثياً من عضوية الى أُخرى، و2- الولادة المُستمرة و"الأزلية" للحياة كشكل خاص من أشكال حركة المادة، والتي تظهر من جديد في كل مكان حيث تتوفر الشروط الملائمة لذلك(5). نحن نفترض بأن كوكبنا ليس المكان الوحيد الذي توجد فيه الحياة، وأن هذا الشكل من المادة في الحركة نشأت أو ستنشأ على كواكب كونية أُخرى مُلائمة. ولكن من وجهة النظر هذه، فان انتقال بذور الحياة الى كوكبنا من عوالم أُخرى، حتى لو تم اكتشاف أن ذلك قد حصل فعلاً، لن يوفر حلاً لمسألة أصل الحياة، حيث لا يزال على الحياة أن تكون قد نشأت في ذلك العالم الكوني، ولا يزال علينا أن نُفسرها. ومع ذلك، لا تزال فرضية الحياة القادمة من مكانٍ خارجي تظهر في المؤلفات العلمية، وان لم يكن لها أي أُسس نظرية قوية(6). لكن المُحاولات العديدة لايجاد لاكتشاف أجنة او بذور حياة، ولو حتى بقايا ميتة من تلك التي يتم الحديث عنها على النيازك لم تُسفر عن نتائج ايجابية. على الرغم من تغلغلنا العميق في الفضاء الكوني، الا أننا لا نملك، حتى اليوم، أي بيانات قاطعة عن انتقال أجنة الحياة الى الأرض من عوالم أُخرى(ب).
تستند فرضية أُخرى من هذه الفرضيات على افتراض أن ظهور أول كائن حي على الأرض، أو "الجزيء الحي الأساسي"، لم يكن حدثاً يحكمه قانون، ولكنه "حدث سعيد" نادر للغاية، يمكن أن يحدث مرةً واحدةً على كوكبنا طوال فترة وجوده، وبالتالي فهو حدث فريد تماماً ولا يمكن التحقق منه الى أي مدى عن طريق التجربة. أصبحت هذه الفرضية مُنتشرة بشكلٍ خاص بين علماء الوراثة بسبب النجاحات التي تحققت في دراسة الدور الذي يلعبه الحمض النووي الريبي DNA في عملية الوراثة. حتى قبل الحرب، طوّر هيرمان مولر Hermann Muller فكرة أن "جزيء الجين الحي" نشأ لأول مرة على الأرض عن طريق الصدفة(جـ)، وأنه يمتلك بُنيةً ضمن جزيئية intramolecular تُحدد الحياة والتي لم تتعرض للتغير خلال التطور الكامل للحياة على الأرض(7). تبعاً لذلك، تم اعتبار نواة بروتين فيروس التبغ موزاييك بمثابة "الجزيء الحي" الأصلي، على الرغم من أنه أصبح من الواضح الآن أنه لا يمكن اعتبار الفيروس كمرحلة وسيطة على مسار نشأة الحياة. يجب أن تأتي الحياة ومن ثم على الفيروس أن يتطور، وليس العكس.
تستمر فكرة التشكّل الأولي العَرَضي للحمض النووي الريبي DNA في الانتشار على نطاقٍ واسعٍ في الأدبيات العلمية، بل أنها دخلت في بعض كتب الكيمياء الحيوية(8)، على الرغم من احتمال حدوث مثل هذا التشكّل ليس أكبر من احتمال أن يكتب قرد عن طريق الصُدفة مسرحية (هاملت) لشكسبير.
ينطلق البيوكيميائي الفرنسي جاكس مونود Jacques Monod في كتابه (الصدفة والضرورة) Accident and Necessity من الفرضية التي لم تُثبت بعد، أن الحياة على الأرض يمكن أن تنشأ مرة واحدة فقط، مُعتبراً أن هذا الحدث لا يخضع للقانون، بل أنه عشوائي صرف. يكتب "هذا يعني أن احتمال وقوع هذا الحدث كان صفراً تقريباً"(9). نُشِرت مؤخراً العديد من المقالات والكتب في الخارج والتي يُعارض مؤلفوها الفهم المادي لجوهر الحياة. اتخذوا نقطة انطلاقهم من جهود الميكانيكيين الفاشلة لحل مسألة أصل العالم العضوي، ويسعون لاثبات أن هذه المسألة غير قابلة للحل تماماً من حيث المبدأ، ما لم يقبل المرء تدخل كائنٍ روحي.
ان سبب دخول الميكانيكيين الى طريقٍ مسدود، لا يكمن في جوهر المشكلة نفسها (كما يصور
مُمثلي المُعسكر المثالي الأمور)، ولكن في المُقاربة المنهجية الخاطئة التي يتمسكون بها، في تجاهلهم عملية تطور المادة وانكار اي اختلاف نوعي بين الكائنات العضوية وغير العضوية.
على عكس الاتجاه الميكانيكي، تعتبر المادية الدياليكتيكية الحياة شكلاً مُتميزاً نوعياً لتنظيم وحركة المادة، ناشئة عن قوانين طبيعية في مرحلة مُعينة من تاريخ الأرض (وربما لكواكب كونية أُخرى) في عملية تطور المادة(10).
ان العملية التطورية للمادة تحدث، وقد حدثت، على طول مسارات مُختلفة وبمعدلات مُختلفة في نقاط متنوعة من الكون وعلى أجرام مُختلفة من الكون. لذلك، في نموذجنا، أي على الأرض، علينا أن نتخيله ليس كخط مُستقيم واحد مُستمر، ولكن كحزمة كاملة من مسارات تطورية مُتباينة ومتعددة، والتي تؤدي تفرعاتها المُنفصلة الى أشكال مُعقدة للغاية، مُختلفة ومتنوعة ولكن حية، من تنظيم وحركة المادة.
ليس لدينا تصورات واسعة حتى الآن للكثير من أشكال التطور التي حدثت خارج أرضنا، وفي عددٍ من الحالات قد لا نشك حتى في وجودها. لكن يجب على المرء أن لا يعتبر أياً من هذه الأشكال مُسبقاً كفئة خاصة أو مُختلفة من الحياة بسبب كمالها وتعقيدها. الحياة ليست نتيجة لكل الفروع العديدة تطور المادة. ان لها صفاتها المُميزة ومسارات تطورها. حياتنا على الأرض هي نتاج احد هذه الفروع في تطور المادة. ان سمة هذا الفرع المُميزة تتمثل في حقيقة أنه يقوم على التطور التدريجي لمركبات الكربون الأكثر تعقيداً والأنظمة العضوية عالية الجُزيئية التي تشكلّت منها(11).
ان "الاصطفاء الطبيعي"، الذي حدد، وفقاً لداروين، التطور الكامل للحياة على الأرض، هو انتظام Regularity جديد، ويخص الحياة فقط، ويغيب في العالم غير العضوي. ومع ذلك، أصبح من الواضح اليوم أن هذا القانون نشأ في نفس عملية ظهور الحياة، وأنه حدد ظهور تلك الصفات الجديدة التي تكمن وراء تنظيم عالم ما هو حي، بأكمله.
في وقتٍ مُبكرٍ من سبعينيات القرن التاسع عشر، عرّف آنجلز عملية تطور المادة على أنها الطريقة الوحيدة المُمكنة التي يُمكن أن تتطور من خلالها الحياة. ولكن في ذلك الوقت، كانت البيانات العلمية العيانية التي على أساسها يُمكن التحقق من صحة هذا الافتراض، المشحون بالمعنى العميق، شحيحة.
تُمكننا النجاحات التي تم تحقيقها حالياً في مختلف مجالات العلوم الطبيعية المُعاصرة من اكتشاف المسارات التي نشأت من خلالها الحياة من مادة غير حية، على كوكبنا.
كانت احدى العقبات الرئيسية التي حالت في بداية هذا القرن دون حل مُشكلة أصل الحياة، هي الاقتناع القاطع، القائم على الخبرة اليومية والذي كان سائداً آنذاك في العلم، بأن المواد العضوية تشنأ في الظروف الطبيعية بشكل بيولوجي فقط، أي من خلال تركيبها بواسطة الكائنات الحية. صحيح أن علم الكيمياء العضوية كانت قد صنعت في ذلك الوقت بالفعل عدداً من المواد العضوية المُعقدة في المختبرات، لكن هذا لم يُزعزع هذا الاقتناع، فقد لوحِظَ أن الانسان كان كائناً حياً، وأنه وحده قادر على اختيار التسلسل المطلوب من التفاعلات بوعي، بينما في العالم غير العضوي لم تكن هذه، ولا يمكن أن تكون الحال كذلك.
ومع ذلك، من المُستحيل تماماً أن نصوّر النشأة المُفاجأة لتنظيم حتى أبسط الكائنات الحية مُباشرةً من المواد العضوية (ثاني اكسيد الكربون والماء والنيتروجين)، وهذا يضع كامل مسألة أصل الحياة في زقاقٍ مسدودة.
في بداية عشرينيات القرن العشرين، على عكس الرأي السائد آنذاك عالمياً، كُنتُ جريئاً بما يكفي للتأكيد على أن احتكار التركيب الحيوي للمواد العضوية كان سمةً فقط للمرحلة الحالية من وجود كوكبنا(12). لقد قُلت بأن الأرض في بداية وجودها كانت بلا حياة، ولكن حدثت التركيبات غير الحيوية لمركبات الكربون وتطورها ما قبل البيولوجي اللاحق، مما أدى الى زيادة تدريجية في تعقيد هذه المركبات، وتشكيل أنظمة مُختلفة في مراحلها، وتحول هذه الأخيرة (على أساس الاصطفاء الطبيعي) الى بروبيونات Probionts، ثم الى كائنات حية بدائية. في الخمسين عاماً الماضية أو أكثر، وبفضل العديد من الدراسات التي أجراها علماء في مُختلف البلدان والتخصصات، تم تثبيت عدد من الحقائق في مجالات علم الفلك والجويولوجيا والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا التي تؤكد مبدأ الأصل التطوري للحياة، وتحديد المسارات الرئيسية التي اتخذتها تلك العملية.
تُمكننا بيانات بيانات علم الفلك الراديوي المُعاصر من تحديد وجود مجموعة متنوعة من مُركبات الكربون في الفضاء بين النجوم. لقد مرّ وقتٌ طويلٌ نسبياً منذ اكتشاف وفرة كبيرة كبيرة من هذه المواد مُنخفضة الجُزيئية low-molecular مثل الفورمالديهايد formaldehyde وكربيد النيتروجين ومشتقاته، والسيانوجين cyanogen والسيانو أستيلين cyanoacetylene وغيرها. في وقتٍ لاحق، تم تحديد وجود العديد من الكربوهيدرات مُنخفضة الجُزيئية والكحول والايثرات Ethers، والاميدات Amides ومركبات عضوية أُخرى هناك، مُركبات قادرة أن تتشكل في الفضاء بين النجوم نتيجةً للتفاعلات الكيميائية الضوئية للشوارد الحُرة Free Radicals. بالاضافة الى ذلك، لدينا اليوم بيانات عن وجود مُركبات كربوهيدراتية مُتعددة الجُزيئات وعالية الجُزيئية في الكون، على سبيل المثال، الكربوهيدرات مُتعددة الحلقات polycyclic hydrocarbons التي لا يُمكن أن تتركب الا عندما تُمتَص على سطح جُزيئات الغبار الكوني(13).
وبالتالي، نحن نمتلك الآن دليلاً مُباشراً على امكانية التكوين غير الحيوي للمواد العضوية، والتي ستكون قد تركبت في الماضي ليس فقط قبل الظهور الأول للحياة، ولكن حتى قبل تشكّل كوكبنا.
يجب أن تُسفر دراسة الأجرام خارج كوكب الأرض مثل الكواكب والقمر والمُذنبات، وخاصةً النيازك، عن قدرٍ كبير من هذه النتيجة، وهي تُسفر عن ذلك. تمكننا المركبات الكروهيدراتية المُكتشفة فيها من الحكم، الى حدٍ ما، على تطورها الكيميائي في الماضي.
ولكن يجب أن لا يغيب عن البال أن تشكّل هذه الأجرام السماوية وتاريخها اللاحق يختلف اختلافاً كبيراً عن تطور الأرض. كما أصبح واضحاً الآن، تطورت كواكب مثل الزهرة والمريخ، التي تُقارب الأرض من حيث الأبعاد والمواد الأولية، بشكلٍ مُختلفٍ عما تطورت عليه الأرض. يزداد هذا الاختلاف شدةً فيما يتعلق بالأجرام الأخرى مثل القمر أو النيازك. اكتشفنا كميات صغيرة من المواد العضوية في عينات القمر التي جلبتها سُفن الفضاء والمحطات الى الأرض، أما بعض النيازك التي سقطت على الأرض والتي تُسمى الكوندريت الكربونيcarbonaceous chondrites، غنيةٌ بها جداً. كشفت التحليلات المُباشرة هنا عن العديد من المُركبات العضوية المتنوعة، وخاصةً الأحماض الأمينية والمواد الأُخرى المُهمة بيولوجياً للحياة. ومع ذلك، لم نعثر بعد على أي علامات لكائنات حية أو بقايا مُتحجرة منها في النيازك. لم يؤد تطور مُركبات الكربون على هذه الأجرام السماوية أو في الكويكبات التي أتت منها، الى نشأة الحياة. ظل هذا التطور في مرحلة التحولات الكيميائية، وهذا يُمكننا من دراسته في مرحلته البدائية، وليس البيولوجية(14).
على النقيض من ذلك، في ظل الظروف الأرضية، فان دراسة التطور الكيميائي للمواد العضوية مُعقد الى حدٍ كبير بسبب العمليات البيولوجية التي تحدث في المُحيط الحيوي. يحدث التطور الكيميائي للمواد العضوية بشكلٍ أسرع وأكثر نشاطاُ بما لا يُقارن من التحول الحيوي الابتدائي للمواد العضوية، وبالتالي فهي تُخفي الآن بشكلٍ كامل الأشكال الأولية للتطور الكيميائي لمُركبات الكربون. في هذا الصدد، يُنظر الى المواد العضوية التي وُجِدت في قشرة الأرض على أنها حيوية حصراً، أي على أنها ظهرت نتيجة تحلل المادة الحية. ومع ذلك، أصبح من الواضح اليوم أنه حتى النتاجات البيولوجية التي خضعت لتحللٍ عميق، حتى المواد العضوية المُمعدنة بالكامل، يمكن، نتيجةً للعمليات التحفيزية التي تحدث على سطح الجُسيمات المعدنية لقشرة الأرض، أن تتركب من جديد بواسطة طريق غير حيوي بحت، تتحول بذلك الى مُركبات عضوية مُعقدة بشكلٍ متزايد.
تتم الآن دراسة مسارات التطور الكيميائي للمواد العضوية في المقام الأول على أساس تجارب النمذجة التي تكشف عن الامكانات الثيرموديناميكية لهذه المواد وامكانية تحقيق هذه الامكانات في ظل ظروف يُفترض أنها كانت موجودةً على سطح الأرض البدائية، في الغلاف الجوي أو الغلاق المائي(15).
على هذا المستوى، تم بالفعل الحصول على كمية هائلة من المواد الوقائعية Facts التي توضح بشكلٍ مُقنع امكانية التركيب تشكّل المواد العضوية، ليس عن طريق الكائنات الحية أو من المواد العضوية وحسب، بل وامكانية تركبها عن طريق التركيب غير الحيوي وتراكمها اللاحق في مناطق مُختلفة من سطح الأرض. توفر تجارب النمذجة الشاملة هذه اليوم أُسساً صلبة للثقة الكاملة في حقيقة أن أي مادة عضوية، سواءاً كانت أُحادية أو بوليمرية، قادرة على الظهور بشكل غير حيوي في بعض المناطق البعيدة عن الحياة (Subvital) تحت الأرض، في ظل ظروف متنوعة ومُعقدة للغاية. على وجه التحديد، يكون على المُركبات المُهمة جداً لنشوء الحياة مثل الأحماض الأمينية والنيوكليوتيدات nucleotides وبوليمراتها أن تتركب بهذه الطريقة(16).
في هذا الصدد، يُمكن اعتبار انه قد تمت الاجابة على المسألة بالفعل... (جـ). السؤال الأكثر الحاحاً اليوم الذي يواجه الباحثين في مسألة أصل الحياة هو مسارات الانتقال من التطور الكيميائي الى الأشكال البيولوجية لتنظيم المادة. يحاول العديد من المؤلفين المُعاصرين فهم هذا الانتقال من خلال تركيز تفكيرهم على المُستوى الجُزيئي فقط، لكن مثل هذه الجهود لا يُمكن أن تكون ناجحة(17). ارتبط أصل الحياة بانتقال المادة الى مُستوى أعلى من التنظيم والحركة، وبالتالي ظهور انتظامات جديدة فُرِضت على القوانين العامة للفيزياء والكيمياء، حددت تشكّل صفات جديدة غائبة على المُستوى الجُزيئي، وهي في مُجملها تُميز الكائنات الحية فقط. أن اهمها:
1- القدرة على التغلب على الانتروبيا
2- "هدفية" Purposefulness تنظيم الأشياء الحية، أي تكيف بُنى الأعضاء الجُزيئية والأكبر من الجُزيئية للوظائف التي تؤديها، وتكيّف الكائن الحي بأكمله مع الوجود في الظروف المعطاة في البيئة الخارجية.
3- شكل من أشكال المعلومات الفريدة للحياة (الوراثة).
لا يُمكن لأيٍ من هذه الصفات-المُميزة للحياة فقط- أن تنشأ على المُستوى الجُزيئي. لقد تضمنت بالضرورة تشكّل وتطور أنظمة مُتمايزة مُتعددة الجُزيئات(18). يتميز العالم الفيزيائي غير العضوي بزيادة في الانتروبيا وفقاً لقانون الثيرموديناميكا الثاني، والذي يُعبّر عن الميل الاحصائي للطبيعة نحو الفوضى. اذا كُنا، على سبيل المثال، نرى، في التبلور، ازدياداً في التنظيم في الشبكة البلورية ينتج من ازديادٍ في اضطراب جُزيئات المحلول الأساسي، فان هذا يتحدد من خلال انخفاض مُستوى الطاقة الحُرة. على العكس من ذلك، في عالم الكائنات الحية، قد لا تنمو الانتروبيا، بل قد تنخفض في الواقع مع نمو الكائن الحي مع احتفاظه باحتياطي كبير من الطاقة الحُرة.
وهكذا، يبدو أن النتيجة هي أن القانون الأساسي للمادة غير العضوية هو ميلٌ نحو الفوضى وزيادة في الانتروبيا، في حين أن القانون الأساسي للمادة الحية، على العكس من ذلك، هو ارتفاع في مستوى تنظيمها وانخفاض في الانتروبيا. حتى بعض الفلاسفة في بداية القرن العشرين، الذين عرّفوا الحياة على أنها صراع ضد الانتروبيا، رأوا في هذا التناقض سبباً للقول بأن الحياة ذات طبيعة غير مادية. لكننا نعلم اليوم أن هذا التناقض شكلي فقط. حلّ شرودنغر(19) هذه المسألة منذ زمنٍ بعيد، وبصورة ملونة للغاية، وان لم يكن ذلك بدقة، مُعتبراً أن الكائن الحي، كما هو "تُغذيه الانتروبيا السلبية" على حساب البيئة الخارجية. وهكذا، فان النقصان الموضعي الذي ينشأ في كائنٍ حي يتم دراسته بطريقة معزولة، يتعوض من خلال زيادة في الانتروبيا في البيئة. وبالتالي، لو درسنا، ليس كائناً حياً مأخوذاً بشكلٍ مُنعزل (لا يُمكن العثور عليه في الطبيعة)، بل نظام بيئة العضوية، والعضوية في تفاعلها المُستمر مع العضويات الأخرى، فاننا سنجد أن قانون الثيرموديناميكا الثاني سيكون في موضع العمل، ولن يكون مُنتهكاً.
في الواقع، في عالم الكائنات الحية الحديث، يكون الوضع أكثر تعقيداً الى حدٍ كبير، ولكن أول شيءٍ مطلوب للتنفيذ، حتى لو بشكل مُخطط مُبسط، هو ظهور علاقاتٍ من نوعٍ ما، لنوعٍ من الأنظمة المُتكاملة التي تفصل نفسها مكانياً، في محلول متجانس، والتي من شأنها، مع ذلك، أن يكون لها القُدرة على التفاعل مع البيئة المُحيطة.
كان تشكّل أنظمة مُنفصلة التطور ضرورياً ايضاً من أجل ظهور ثاني الصفات المذكورة أعلاه المُميزة للحياة: "هدفية" purposiveness تنظيم الأجزاء والكل.
حدث التطور الكيميائي لمركبات الكربون على المُستوى الجُزيئي على أساس القوانين العامة لميكانيكيا الكم والديناميكيا الحرارية والحركية. لكن ظهور الحياة يجب أن ينطوي على ظهور قانون جديد خاص بالحياة. كان هذا القانون هو الاصطفاء أو الانتقاء الطبيعي للأنظمة المُتكاملة المُنفصلة، وأعلى شكل من أشكال التنظيم، هو العضويات.
يشتمل محلول مائي لمادة عضوية مُعينة، ينشأ على المُستوى الجزيئي، على تراكم جُزيئات مُتجانسة كيميائياً وغير مُتمايزة بشكلٍ مُتبادل، موزعة بشكل موحد في جميع أنحاء المُذيب. ولكن كما تُظهر تجارب النمذجة الحالية، في مرحلة مُعينة من التطور الكيميائي للمركبات العضوية، كان لا بد من حدوث تكتّل ذاتي self-agglomeration لجزيئاتها البوليمرية، والتي تتحد مع بعضها لتُشكل أنظمةً جُزيئية مُتكاملة، تنفصل عن البيئة من خلال حد طوري فاصل، مع الاستمرار بالتفاعل معها (أي مع البيئة) بطريقة الأنظمة المفتوحة. فقط هذه الأنظمة، التي تستمد الطاقة والمادة من الخارج، هي القادرة على مُقاومة ازدياد الانتروبيا، بل انها قادرة على تقليله في سياق نموها وتطورها، وهي سمة تُميز جميع الكائنات الحية.
في الوقت نفسه، على عكس الجزيئات الفردية، يمتلك كل نظام مفصول بالطور، صفات فردية تُميزه عن الأنظمة المُماثلة الأُخرى. يؤدي هذا الى خلق أماكن لظهور الاصطفاء الطبيعي البدائي للأنظمة المُنفصلة والتي تبتدئ نقطة انطلاق التطور البيولوجي، في عملية التفاعل مع البيئة. على أساس هذا الانتظام الجديد على وجه التحديد، يحدث تحسين في تنظيم الأنظمة المُتكاملة، لا سيما ظُهور ما يُسمى "هدفية" الكائنات الحية، وتكييف بُناها المُنفصلة (بما في ذلك الجزيئات المُهمة بيولوجياً) للوظائف التي تؤديها في النظام الكُلي.
لا يمكن لخاصية النشاط التحفيزي catalytic لجزيء البروتين مأخوذاً بشكلٍ معزول أن تعمل كأساس لاصطفائه الطبيعي. يُصبح هذا النشاط ذا معنىً فقط في نظامٍ مُتكامل، عندما يُحدد (اي النشاط التحفيزي) وظيفة الأيض التي تُسهل نمواً أسرع للنظام المُتكامل واستقراره الديناميكي في ظل ظروف وجودٍ مُعينة. ولا يُمكن أن يكون للاصطفاء الطبيعي للأحماض النووية أي أهمية بيولوجية ببساطة في المحاليل المائية لجُزيئاتها، أي خارج الوظيفة المُرتبطة بتركيب البروتينات التي تحملها في العضوية الحية. في محلول مائي بسيط، يُمكن أن تكون التغيرات المُختلفة في التركيب الجُزيئي، حتى عندما تُسرّع عملية تكوين نيوكليوتيدات مُتعددة polynucleotides، يُمكن أن تكون مسؤولة فقط عن تراكم موضعي، وتشكيل رواسب عضوية في مكانٍ مُعين، ولكن لن يكون تشكيلاً لكائنات حية.
في ضوء ما تقدّم، فان الجدل القديم حول ما نشأ أولاً، البروتينات أم الأحماض النووية، يفقد كل معنىً له.في البداية كان من المُمكن أن تنشأ البروتينات والبوليمرات التي تُشبه الأحماض النووية، ولكن تفتقر الى أي "هدفية" بيولوجية" في التركيب الجُزيئي. فقط عندما تندمح هذه البوليمرات في أنظمة مُنفصلة مُتعددة الجزيئات وتتفاعل مع بعضها البعض، تقوم بتنسيق بُنيتها الجُزيئية مع وظائفها البيولوجية بشكلٍ مُتبادل.
لا يُمكن فهم المسارات التي اتخذتها مثل هذه العلاقات الا من خلال دراسة تأثير الاصطفاء الطبيعي لأنظمة الحمض النووي البروتيني المُتكاملة، وشمولية الشيفرة الوراثية الحالية ليست نتيجةً للصدفة، بل حقيقة أن اي تغيير فيها سيكون قاتلاً أو مُخالفاً للاصطفاء. وهكذا، فان الاصطفاء الطبيعي للأنظمة المُتمايزة قد أدى الى ظهور الميزة الثالثة للحياة: الوراثة.
لم يكن العديد من النيوكليوتيدات المُتعددة قادراً على التكاثر ولا حتى أنزيمات البروتين التي ظهرت تحت تأثيرات مُعينة للاصطفاء الطبيعي.، والتي حددت مرحلة التطور ما قبل البيولوجي اللاحق، ولكن الأنظمة المُتكاملة التي عزلت نفسها (بروبيونات)، وبالتالي الكائنات الحية البدائية. لست الأجزاء هي التي حددت تنظيم الكُل، بل الكُل، هو الذي خلق، في تطوره، "هدفية" بُنية الأجزاء.
وبالتالي، فان التحول من التطور الكيميائي الى التطور البيولوجي يتطلب، كضرورة، ظهور أنظمة فردية وانعزال قادر على التفاعل مع البيئة ليستفيد من مادتها وطاقتها، وعلى هذا الأساس، قادرة على النمو والتكاثر والخضوع للاصطفاء الطبيعي. كيف يُمكن للمرء أن يقترب من الدراسة الموضوعية لهذه المرحلة من التطور؟ في المقام الأول، من خلال استخدام تجربة النمذجة.
لا يُمكننا فقط تصوير المسارات التي نشأت من خلالها هذه الأنظمة نظرياً، ولكننا قادرون من الناحية التجريبية أيضاً على انتاج انظمة مُختلفة في المُختبر قادرة على العمل كنماذج للأشكال التي ظهرت منذ فترةٍ طويلةٍ على سطح الأرض (فقاعات غولداكر Goldacre s bubbles، تجربة فوكس FOX S microspheres وتجربة ايغامي Egami s marigranules وغيرها)(د). ان القطيرات المُتلاحمة التي أنتجها هندريك جيرارد دي جونغ Hendrik Gerard Bungenberg de Jong في أوائل ثلاثينيات من القرن العشرين هي نماذج واعدة للغاية (ولكن بالطبع ليست الوحيدة المُمكنة) في هذا الصدد(20). تسمح لنا البيانات الجيولوجية الحالية، الى حدٍ ما، بتصور الظروف التي كانت موجودةً على سطح كوكبنا في الفترة الأولى من وجوده- في الفترة الجيوسينكلينية geosynclinary period من دورة تشكيل الأرض. في ذلك الوقت، كانت الأرض جافة، مُنبسطة جداً، موجودة أعلى بقليل فقط من مستوى البحار الضحلة. كانت العلاقة بين الماء والأرض الجافة في كل مكان في عملية تغير. المياه التي تتغلغل في الأرض، تتقدم في حين، وتتراجع في حينٍ آخر، تنقل المواد العضوية المُذابة فيها باستمرار من الأماكن التي نشأت فيها الى الأماكن التي تراكمت فيها، وتركزت، واتحدت في أنظمة مُنفصلة "بروبيونات". ومع ذلك، فان تطور المواد العضوية "البروبيونات" والكائنات الحية البدائية قد سار على خطوط مُختلفة في أجزاء موضعية متنوعة من سطح الأرض،، في مناطق تحت أرضية مُختلفة معزولة عن بعضها البعض. في حالاتٍ مُختلفة، كان من المُمكن حتى للأشكال البيولوجية التي تشكلت بالفعل، أن تتحلل، لكن كان يُمكن لنتاجات هذا التحلل أن يتركب مرةً أُخرى، والتجمع الذاتي هذه المرة يحدث على أُسسٍ مُختلفةٍ عن السابق، حيث أن المكونات المُشاركة في هذا التجمع تمتلك الآن بُنية "هدفية" مُعينة. هذه هي الطريقة، التي قد تكون قد نشأت الفيروسات فيها.
وبالتالي، كانت عملية تشكّل الكائنات الحية قد ابتدأت في أطورا مُختلفة من تطورها في مناطق "تحت أرضية" مُختلفة من سطحة الأرض في وقتٍ واحد. برأي م. روتين M. Rutten(21)، كان على العضويات الأولية، عندما تشكلّت بالفعل بشكلٍ كامل، أن تتعايش لفترةٍ طويلة (ربما مئات الملايين من السنين) مع أشكال بدائية من البروبيونات التي نشأت في مناطق أُخرى.
ولكن، نتيجةً للتطور التدريجي للحياة وتوسع المناطق التي كانت هذه الأخيرة موجودة فيها، فقد اختفت عزلة المناطق الفرعية تحت الأرضية وتطور التفاعل بين الأنظمة الحية التي كانت مُنفصلةً سابقاً عن بعضها البعض ووصلت الى مراحل مُختلفة من الكمال في التنظيم. نتيجةً لذلك، اختفت الى الأبد العديد من الكائنات الحية البدائية على الرغم من أنه كان من المُمكن، حسب تنظيمها، أن تكون موجودةً في ظروف بيئية مُعينة، الا أنها لم تصمد أمام المُنافسة مع أنظمة أُخرى أكثر كمالاً. وبهذه الطريقة، ظهرت شمولية الشيفرة والعناصر الرئيسية لعملية الأيض البيولوجي التي نُلاحظها في عالم الأحياء في يومنا هذا.
وبالتالي، فان الحياة اليوم ليست نتيجة أي عملية غائية تحددت مُسبقاً في خطة خلق سابقة ولم تكن نتيجةً لـ"الصدفة السعيدة". لقد نشأت الحياة بطريقة طبيعية تماماً، كشكل جديد لحركة المادة في عملية تطورها. ستسمح لنا دراسة هذه العملية باكتساب معرفة مؤسسة علمياً عن جوهر الحياة وتميزها النوعي عن عالم الكيانات غير العضوية.

* الكسندر ايفانوفيتش اوبارين 1894-1980، بيوكيميائي ماركسي سوفييتي، يُعرف بمساهمته الأساسية في نظرية اصل الحياة على الأرض، وخصوصاً ما يعرف علمياً بـنظرية (الحساء البدائي) لتطور الحياة من جزيئات الكربون.
تخرّج من جامعة موسكو الحكومية عام 1917 وأصبح استاذاً للكيمياء الحيوية هناك عام 1927.
أعلن أوبارين رسمياً، سنة 1924، ان الحياة على الأرض نشأت خلال تطور كيميائي تدريجي من جزيئات الكربون الأساسية في (الحساء البدائي)، في نفس الوقت الذي اعلن فيه البيولوجي البريطاني التقدمي هالدين-مستقلاً عن الأول-نفس النظرية.
أسس عام 1935، مع الأكاديمي اليكسي باخ معهد الكيمياء الحيوية التايع لأكاديمية العلوم السوفييتية
نظم الكسندر اوبارين اول لقاء دولي حول اصل الحياة في موسكو سنة 1957، والذي تبعه لقاءات اخرى في عام 1963 وفي عام 1970.
تم انتخابه رئيساً للجمعية الدولية لدراسة أصول الحياة عام 1970.
وقد رُشح كبطل العمل الاشتراكي سنة 1969. حصل على جائزة لينين في عام 1974، وميدالية لومونوسوف الذهبية سنة 1979 لانجازاته الهائلة في الكيمياء الحيوية، كما حصل على 5 ميداليات لينين، وهي اعلى جائزة تقدم في الاتحاد السوفييتي.
يظهر لنا الكسندر اوبارين، عبر دراسته الدقيقة، كعالم بيوكيمياء، ومادي جدلي، مبدأ وحدة عالم اللاحي والحي، النابعة من وحدة العالم المادية.
وبغض النظر عن عدد من التغيرات في عدد من تفاصيل الانتقال من اللاحي الى الحي التي اوردها الكسندر اوبارين، التي حدثت جراء تطور العلم الحديث، فان لدى الكسندر اوبارين منهجية علمية صارمة، في دراسته الانتقال من البسيط الى المعقد، ووحدة العالم اللاحي والحي، ووحدة العالم المادي، والنضال ضد الحيوية والمفاهيم الميكانيكية والغيبية في البيولوجيا، هذه المنهجية التي لا تزال حية، ولم، ولن تسنفذ امكانياتها المنهجية.

1- H. Driesch, Der Vitalismus als Geschichte und als Lehre, Leipzig, 1905 H. Driesch, The Science and Philosophy of the Organism, vol. 1-2, London, 1908
2- G. Blandino, Theories on the Nature of Life, New York, Philosophical Library, 1969
3- E. Russell, Behavior of Animals, London, 1938. Also see E. Russell, The Diversity of Animals, Leiden, 1962
أ- "نظرية التوالد العفوي-أن الحياة نشأت من لا شيء" وهذه النظرية "لها تاريخ طويل، مصر القديمة، الصين، الهند وبابل، وهي موجودة في كتابات الاغريق القدماء، يقول اوبارين: (هنا تنشأ الديدان من الروث واللحوم المتعفنة، ويتشكل القمل بنفسه من عرق الانسان، وتولد اليراعات المضيئة من شرر محرقة الجنازة، وأخيراً تنشأ الضفادع والفئران من الندى ورطوبة الأرض(".
من موضوع (كيف نشأت الحياة)، الذي ترجمته على الحوار المُتمدن، آلان وودز.
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=587926#
4- ما الحياة؟ الجانب الفيزيائي للخلية الحية، ارفين شرودنغر، ترجمة أحمد سمير سعد، مؤسسة هنداوي سي آي سي، 2017، ص95
5- ضد دورهينغ، فريدريك انجلز، دار التقدم 1984.
6- F. Krik and L. Orgel, "Napravlennaia panspermiia," Khimiia i zhizn , 1974, no. 9, pp. 75-79
ب- بعد التطورات الكبيرة التي شهدها علم الفلم مؤخراً (بعد اوبارين)، توالت الاكتشافات حول وجود الأحماض الأمينية في النيازك التي تتساقط على الأرض. على سبيل المثال، وجد علماء ناسا عام 2019 الريبوز والسكريات الحيوية الأساسية بما في ذلك الزيلوز في النيازك الغنية بالكربون. والريبوز هو عنصر حاسم في DNA. وتوجد افتراضات حول وجود بكتيريا على النيازك ساعدت في بناء الحياة على الأرض. ولكن تتقدم اعتراضات على هذه الفرضية الأخيرة، منها على سبيل المثال، أن البكتيريا قد تموت أثناء دخولها الى الغلاف الجوي، وأن هذا، لا يُفسر نشوء هذه البكتيريا نفسها. ولكن في المقابل، هناك أبحاث علمية كثيرة تتحدث عن نشوء الحياة على سطح الأرض نفسها بدون أي مساعدة خارجية، ولاحظت-قد أكون مُخطئ في هذا الشأن-أن هذه الأبحاث الأخيرة، تجري بشكلٍ أكبر خارج اطار الأبحاث التي تُجريها ناسا، أي في أوروبا وروسيا. ان افتراض أنه يصعب اجراء تجربة تُنشئ الحياة من المادة اللاحية، واعادة تشكيل ظروف الحياة على الأرض مخبرياً، جعل من العلماء يستسهلون البحث عن مكونات الحياة خارج الأرض، في النيازك الحالية وفي المواد التي يسهل الحصول عليها. قد تكون الصعوبات العلمية التي تواجه البحث عن كيفية نشوء الحياة على الأرض، هي مصدر من مصادر افتراض أنها، أو مكوناتها، قدمت من الخارج. على أية حال، لا تتعارض فرضية قدوم مُركبات تُساعد على بناء الحياة الى الأرض، مع القضية الأساسية، وهي نشوء المادة الحية من المادة اللاحية، ففي نهاية المطاف، يتعين على العلماء أن يُفسروا ذلك، وأن أتت المادة اللاحية اللازمة لهذه العملية، من الفضاء.
جـ- لا يتجاهل الكسندر اوبارين، في كتاباته، الصُدفة، في تشكل الحياة على سطح الأرض. بالفعل، يتخلل عملية انتقاء المادة وتطورها صُدف كثيرة، ولكن المقصود بـ(الصدفة) التي يعترض عليها أوبارين هنا، ولاحقاً في المقال، تلك الصُدفة غير الخاضعة لقوانين مُعينة. فالصدفة ليست انعداماً للسببية، وليس خروجاً عن قوانين الماددة في مختلف أشكالها.
7- See H. J. Muller, Proceedings of the Royal Society, 1947, Ser. B, vol. 134, p. 1 Science, 1955, vol. 121, no. 3132, pp. 1-9
8- See A. Leninger, Biokhimiia, Moscow, 1974
9- J. Monot, Granitsy biologii, translated from the French by E. Svetailo. From the journal La Recherche, 1970, vol. I, no. 5
10- For further detail on this, see A. Oparin, Vozniknovenie zhizni na Zemle, Moscow and Leningrad, 1936 A. Oparin, Zhizn , ee priroda, proiskhozhdenie i razvitie, Moscow, 1968. 11
11- غالباً ما يُصادف المرء في الأدبيات الشعبية الفرضية القائلة بأن الحياة قد توجد على أساس غير أساس الكربون، بل على أساس السيليكون. هذه الفرضية ليست فقط بدون تأكيد بأي حقائقٍ مهما كانت، ولكنها مُستحيلة نظرياً من وجهة نظر الكيمياء الكوانتومية. ان جميع وظائف الحياة مُستحيلة بدون وجود أنظمة مُتعددة مُميزة لمركبات الكربون.
12- See A. Oparin, Proiskhozhdenie zhizni, Moscow, 1924
13- C. Ponnamperuma, ed., Exobiology, Amsterdam and London, 1972
14- For fuller detail, see A. I. Oparin, "Teoreticheskie i eksperimental nye predposylki ekzobiologii," in Osnovy kosmicheskoi biologii i meditsiny, vol. 1, Moscow, 1975.
15- M. Calvin, Khimicheskaia evoliutsiia, Moscow, 1971
جـ- يتحدث الكسندر اوبارين في هذه الفقرة عن سمات مُعينة للمواد العضوية مثل التصاوغ الضوئي والتركيب النظائري للكربون والتي يجب أن يُبحث فيها بشكلٍ أكبر، والتي أعتقد أن العلم، قد توصل الى الكثير فيما يخصها، من ذلك الوقت، ولا حاجة لترجمتها.
16- J. Kenyon and H. Steinman, Biokhimicheskoe predopredelenie, Moscow, 1972
17- M. Eigen, Die Naturwissenschaften, Berlin, 1971, no. 10
18- For further detail on this, see A. Oparin, Materiiazhiznl -intellekt, Moscow, 1977
19- ما الحياة؟ الجانب الفيزيائي للخلية الحية، ارفين شرودنغر، ترجمة أحمد سمير سعد، مؤسسة هنداوي سي آي سي، 2017
د- هذه تجارب قام بها العُلماء يُمكن فيها انشاء بُنىً شبيهة بالبروتين تُشبه الخلايا البكتيرية الى حدٍ كبير،من جُزيئات غير عضوية.
20- See B. Goldacre, Surface Films, Their Collapse on Compression, the Shapes and Sizes of Cells and the Origin of Life, London, PergamonPress, 1958 , P278 S. Fox,Origins of Life, 1976, vol. 7, p. 49 H. Yanagawa and F. Egami, Proc. JapanAcad., 1977, vol. 53, p. 42 H. Bungenberg de Jong, Protoplasma, 1932, vol. 15, p. 110 La coacervation et son importance en biologie, vol. 1-2, Paris, 1936 T. Evreinova, Kontsentrirovanie veshchestv i deistvie fermentov v koatservatakh, Moscow, 1966 K. Gladilin, A. Orlovsky, D. Kirpotin, and A. Oparin, "Coacervate Drops as a Model for Precellular Structures," in H. Noda, ed., Origin of Life, Tokyo, 1978, pp. 357-62.
21- See M. Rutten, Proiskhozhdenie zhizni estestvennym putem, Moscow, 1973.

ترجمة لمقالة:
Alexander Oparin, on the Essence of life, Soviet Studies in philosophy, 1979, 18:3, 19-39


كاتب المقالة: الكسندر ايفانوفيتش أوبارين*

ترجمة مالك أبوعليا

الملاحظات والتفسير بعد الحروف الأبجدية بين قوسين (أ)، (ب)... هي من عمل المُترجم

مُلاحظة من مُحرري مجلة Voprosy Filosofi: ان شهر آذارعام 1979 هو مناسبة مرور 85 عاماً على ولادة عالم الكيمياء الحيوية السوفييتي المتميز الكسندر ايفانوفيتش اوبارين. تتزامن هذه المناسبة الرائعة مع حدثٍ آخر. قبل 55 عاماً، اي في عام 1924، قدّم اوبارين حلاً أصيلاً لمسألة أثارت عقل الانسان لمدة قرون-مشكلة أصل الحياة على الأرض. كان لكتاب اوبارين الصغير، الذي نشرته مطبعة موسكوفسكي رابوتشي Moskoviskii Rabochii أهميةً هائلةً للعلم وللنظرة الى العالم. في السنوات التي تلت ذلك، طوّر أوبارين محتواه وحصل على اعترافٍ عالمي، مما ساعد على ترسيخ شهرة العلوم السوفييتية. ان نشاط الأكاديمي أوبارين كُمنظم ابداعي للعلوم معروفٌ جيداً. انه مدير مهد باخ للكيمياء الحيوية التابع لأكاديمية العلوم السوفييتية، والرئيس الفخري للجمعية الدولية لدراسة أصل الحياة، ورئيس المجلس العلمي للكيمياء الحيوية التطورية ومسألة أصل الحياة، وعضو في العديد من الأكاديميات الأُخرى، ودكتور فخري في جامعات مختلفة في الخارج. أنشأت اللجنة التنفيذية للجمعية الدولية لدراسة أصل الحياة، تأكيداً لخدماته للعلم ميدالية أوبارين الذهبية للعمل المُتميز حول مسألة أصل الحياة.
يُقدم محررو مجلو فوبروسي فيلوسوفي Voprosy filosofi التهاني القلبية للأكاديمي الكسندر أوبارين في ذكرى ميلاده المجيدة، ونقوم أدناه بنشر مقالة كتبها لمجلتنا.

ما هو جوهر الحياة؟ هذا سؤال يفتقر الى اجابة تستند الى أُسس، مما يجعل من المُستحيل بناء رؤية عقلانية للعالم تعكس الواقع الموضوعي بشكلٍ مناسب. ومع ذلك، يتحدد حل هذه المُشكلة من خلال نشاط الناس العملي في جميع المجالات حيث يتعاملون مع الكائنات الحية، على سبيل المثال، في الزراعة أو في الطب. في جميع هذه الحالات، تكون الأساليب التي يؤثر فيها البشر على الطبيعة الحية أكثر اثماراً كلما تعمقوا في جوهر الحياة وكلما تم فهمها أكثر.
لطالما جذب عالم الكائنات الحية العقل الانساني الفضولي. لم يكن أي نظام ديني أو فلسفي ولا مُفكر كبير، بعيداً عن طرح هذه المسألة والاهتمام بها. في مُختلف العصور وعلى مستويات مُختلفة من الثقافة، بُذِلَت محاولات متنوعة لحل مسألة جوهر الحياة. لكن كل هذه الآراء المتباينة، الماضية والحالية، يُمكن اختصارها الى مفهومين مُتعارضين أساساً، المادي والمثالي. في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، اتخذ هذا الصراع حدةً خاصة. ظهرت بحلول ذلك الوقت، الحلول الحيوية Vitalism والميكانيكية، ولم تتركا مجالاً لأي حلول أُخرى. ومع ذلك، يبدو أن حدود هذين الحلّين كان ببساطة نتيجة الفشل في فهم دياليكتيك الطبيعة الحية.
وصلت الفلسفة الطبيعية والاتجاه المثالي في البيولوجيا-الحيوية Vitalism-الى مرحلة مُزدهرة في وقتٍ مُبكرٍ من منتصف القرن الثامن عشر. في ذلك الوقت، كانت معرفتنا بالحياة محدودة لدرجة أنه بدا من المُستحيل تماماً شرح العمليات الفسيولوجية دون اللجوء الى افتراض وجود "قوة حياتية" غير مادية تعمل في هذا المجال. لكن نشأت موجة هائلة من الاكتشافات العظيمة في نهاية القرن الثامن عشر. هذا جعل استخدام التجارب في البيولوجيا مُمكناً تماماً. أصبح من المًمكن الوصول الى فهمٍ مادي بحت لعددٍ من ظواهر الحياة من خلال استخدام القوانين التي كانت مُطبقة على العالم غير العضوي. منذ ذلك الوقت، بدأت الاتجاه الحيوي Vitalist يُعاني هزيمةً تلو الأُخرى، بالمعنى الدقيق للكلمة، وكان قد استنفد نفسه بالكامل بحلول الرُبع الثاني من القرن التاسع عشر. وبدا أن فكرة "قوة الحياة" قد دُفِنَت الى الأبد، وأصبحت غير ضرورية تماماً بل وحتى ضارة، وعقبة أمام التقدم المُظفر للمعرفة العلمية المُتعلقة بالطبيعة الحية.
على الرغم من أن هذا قد يبدو غريباً، فقد كان هناك ولادة جديدة للاتجاه الحيوي Vitalism في مطلع القرن العشرين، في شكل ما يُسمى الحيوية الجديدة، كرد فعل على التبسيط الميكانيكي في تفسير عملية حياة العضوية ككل. وجدت الحيوية الجديدة، في أكثر أشكالها أرثذوكسيةً، تعبيراً لها في مذهب هانز دريتش Hans Driesch(1) حول الاستقلال التام للحياة. وفقاً لدريتش، فان العمليات التي تحدث في الكائن الحي ليست نتيجة ولا جمعاً للعوامل الفيزيائية والكيميائية. قال، بأنه من أجل فهم ظواهر الحياة، من الضروري الاعتراف بوجود عامل غير مادي في الكائنات الحية يحكم كل نشاطها (حتى في الطبيعة النباتية)، وهو عامل يُشير اليه المُصطلح الأرسطي (الاستنجاز) Enteletchy، على الرغم من أنه أعطى معنىً مُختلفاً لهذا المُصطلح عما فعله أرسطو.
من المفهوم أن قبول أولوية "الاستنجاز" على العوامل الفيزيائية والكيميائية في تحديد سيرورة الحياة يُلقي بظلالٍ من الشك على قيمة أي بحث موضوعي في العالم العضوي لمعرفة جوهر الحياة، لذلك فان "استنجاز" دريتش اليوم لا يجد أي مؤيدين له بين علماء الطبيعة، أو حتى بين اللاهوتيين وغيرهم من مُمثلي المُعسكر المثالي المُتطرفين.
وهكذا، على سبيل المثال، فان أتباع توما الاكويني المُعاصرين، أتباع التوماوية الجديدة، بينما يتفقون مع نقد دريتش للمادية، يرون، مع ذلك، أن "قوة الحياة" أو الاستنجاز غير قادرة على الادارة المُستمرة لجميع العمليات البيولوجية بالطريقة التي يقود بها السائق السيارة. باستثناء ما يُسميه الروحانيون الروح البشرية، فمن المُعترف به عن التوماويين أن التنظيم الكامل للأجسام الحية وجميع العمليات الحيوية تتحدد من خلال القوانين الفيزيائية والكيميائية غير المُتغيرة. ومن ثم، يُمكن، بل يجب دراستها تجريبياً، ولكن في هذا المجال، تُعتَبَر كل ظواهر الحياة وكل تطورها مُسيرة الى هدفٍ واحد، تحدد مُسبقاً عندما نشأت الحياة لأول مرة وأسسها الخلق الالهي(2). لا يُعبّر فقط اللاهوتيون عن وجهات النظر الغائية المُشابهة، ولكن أيضاً بعض المُنظرين الآخرين الذين يعملون على حل المسائل البيولوجية العامة. وهكذا، على سبيل المثال، يكتب عالم البيولوجيا الاسكتلندي ادوارد راسل Edward Russell(3)، في كتابه (سلوك الحيوانات) Behavior of Animals، انه على الرغم من أنه لم يُؤمن بأي مصدرٍ صوفيٍ للحياة، الا أنه أدرك مع ذلك ضرورة وجود اتجاه بدئي للتطور البيولوجي، يُحدد غرضية وغاية تنظيم كل تلك الحياة.
في نهاية النصف الأول من القرن العشرين، اكتسبت النظريات، التي غالباً ما تم وُضِعت تحت الاتجاه العام الذي يُسمى العضوية Organicism أو الكُلية Holism (من اليونانية Holos- The Whole)، اكتسبت انتشاراً واسعاً بين الفلاسفة وعلماء البيولوجيا. لقد كانت، الى حدٍ ما، رداً عقلانياً على الاتجاه الميكانيكي الذي يتصور الكائن الحي كمجموع لأجزاءه.
وفقاً لتأكيدٍ منسوبٍ الى أفلاطون، فان الكُل دائماً شيءٌ أكبر من مجموع أجزاءه. فقط هذا التأكيد الصحيح على أسبقية الكُل على أجزاءه يوحد النطاق الواسع والانتقائي تماماً لمؤيدي الاتجاه الكُلي Holistic. يلتزم البعض منهم بالمواقف المثالية المُتطرفة، بينما يسعى البعض الآخر الى تفسير الطبيعة المُتكاملة للكائن الحي من وجهة نظر المفاهيم المادية (على سبيل المثال عالم البيولوجيا النمساوي لودفيغ فون بيرتالانفي Ludwig von Bertalanffy). والسؤال الأساسي في هذا الصدد هو من ماذا يتكون ذلك (الكُل)، الأكبر، وما الذي يُميز الكُل عن مجموع أجزاءه، ما هو جوهره وأصله. ولكن، على الرغم من أن غالبية الكُليين Holists ينتقدون "استنجاز" دريتش، فانهم هم أنفسهم يُطورون مفهوماً للحياة قريباً جداً من النزعة الحيوية الجديدة.
كما هو الحال في القرون الماضية، يعتبر مُمثلو المُعسكر المثالي اليوم، أن جوهر الحياة يكمن في بعض المصادر الأبدية غير المادية التي لا يُمكن التوصل اليها بالوسائل التجريبية. هنا نجد "نفسية" أفلاطون و"استنجاز" أرسطو" والروح الخالدة أو بذرة الاله التي تعود الى مُختلف التعاليم والمُعتقدات الدينية، و"مبدأ الفعل الداخلي" internal principle of action الكانطي و"قوة الحياة" عند الحيويين، و"المُهيمن" عند الحيويين الجُدد"، وما الى ذلك. يستخدم الحيويين هذا النوع من المصادر على نطاقٍ واسع لتقديم ما يُسمى تفسيراً لواحدة من أكثر الخصائص المُميزة لكل المادة الحية-قابلية تكل تنظيم الأجسام الحية للتكيف مع البيئة، وتكيّف بعض الأجزاء المُكونة للكائن الحي (الجزيئات والعضويات والأعضاء) للوظيفة التي تؤديها في العضوية ككل، أي ما يُسمى "الغاية"، والطريقة التي تم تصميم كل كائن حي فيها.
توصلت المادية، قُرب نهاية القرن التاسع عشر، أولاً في شكل ميكانيكي ميتافيزيقي، الى فهمٍ للحياة من موقعٍ يتعارض مع موقف الحيوية. أنكر العديد من العُلماء في القرن الماضي، وكذلك الباحثين المُعاصرين، الذين يتمسكون بآراء الفهم الميكانيكي حول الحياة، أنكروا أي اختلاف نوعي بين الكائنات العضوية والطبيعة غير العضوية. بتجاهل عملية تطور المادة باعتبارها المسار الذي تظهر من خلاله خصائص جديدة غير موجودة سابقاً، فانهم يرون أنه لا توجد أو يُمكن أن توجد قوانين بيولوجية مُميزة، وأن لا توجد الا قوانين الفيزياء والكيمياء فقط، تحكم جميع الظواهر التي تحدث في العضويات. يعتبر الميكانيكيون الاعتراف بالصفات الخاصة الموجودة فقط في المادة الحية قبولاً لمبدأ غير مادي و"قوة حيوية"، مُتجاهلين أن أشكال تنظيم وحركة المادة قد تكون متنوعة للغاية، وأن الاعتراف بأن الحياة تمتلك سمات مُميزة لها، لا تنطوي بالضرورة على انكار طبيعتها المادية. يرى الميكانيكيون أن حل مسألة فهم الحياة يكمن في تفسيرها بشكلٍ كاملٍ عن طريق الفيزياء والكيمياء، في اختزال كل ظواهر الحياة الى عمليات فيزيائية وكيميائية (الاختزالية). بالطبع، فان التحليل التفصيلي للمواد والظواهر المُميزة للأجسام الحية مُهم للغاية وضروري تماماً لفهم الحياة بشكلٍ صحيح، والنجاحات الرائعة للكيمياء البيولوجية هي أدلة واضحة على ذلك. ومع ذلك، لا يرى الميكانيكيون شيئاً جديداً، لا شيء سوى التشابه بين الكائنات الحية والآلات.
منذ ديكارت، كان هناك جُهد لفهم الكائن العضوي كآلة، من نوع مُعقد تماماً. ان ما تغيّر من فترةٍ الى أُخرى هو السياق المادي لذلك الجُهد، والذي عكس حالة تطور العلم والتكنولوجيا. خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر ("عصر الساعة")، كان أساس كل ما هو موجود هو الحركة الميكانيكية، أي حركة الأجسام في المكان وفقاً لقوانين نيوتن. من هذا المنظور أيضاً، فُسّرت الحياة على أنها مُجرد حركة ميكانيكية مُعقدة للغاية، على غرار تروس ساعة الجد Grandfather s Clock.
في ذلك الوقت، احتل التشريح مكاناً مُهماً للغاية في التعرف على الحياة. ولكن، في الفترة التالية لتطور العلم ("عصر البُخار"-نهاية القرن الثامن عشر وكل القرن التاسع عشر)، بدأت الفسيولوجيا في المُطالبة بهذا المكان، وبدأ دور الميكانيكيا السابق في فهم الحياة يمتلئ بالمحتوى الطاقي الآن. لم يعد نموذج الكائنات الحية يُرى في الساعات، ولكن في المُحركات البُخارية. تم تطوير التشابه بين التنفس والاحتراق الداخلي، الذي عبّر عنه لافوازييه لأول مرة.
وهكذا، نرى أن مُحاولات التعرف على الحياة عن طريق المُشابهة بالآلة كانت موجودةً منذ وقتٍ طويل، لكن هذه المُشابهة تفشل في تفسير ما يُطلب تفسيره- سبب وجود (غرض)، أو غاية لتنظيم الكائنات الحية. لان الآلة لا تأتي من ذاتها في الظروف الطبيعية. لا يُمكن اشتقاق غرضية الآلة، وتكييف تصميماتها لأداء وظائف مُعينة، من تفاعل اي نوعٍ من قوانين العالم غير العضوي، ولكنها ثمرة النشاط الابداعي للانسان، لجهوده الابداعية.
كقاعدة عامة، فان الاتجاه الميكانيكي، وبالتالي الاختزالية، التي أنجزت قدراً كبيراً في دراسة الكائنات الحية، تموت، وتصير في حالة من العجز المُطلق، عند مواجهة مسألة (أصل) الحياة. ان دحض تجارب لويس باستور Louis Pasteur العبقرية امكانية التوالد التلقائي(أ) spontaneous generation، قد أصابت عُلماء الطبيعة الميكانيكيون في النصف الأخير من القرن التاسع عشر بخيبة أمل، الذين رأوا أن التوالد التلقائي للميكروبات هو السبيل الوحيد المُمكن لحل مسألة أصل الحياة. لقد توقفوا بشكلٍ أساسي على السعي لحل هذا السؤال "الملعون"، وبحثوا عن أساسٍ أو آخر لتأكيد عدم قابليته للحل. كل هذا هو الأساس الذي نشأت عليه-على حد تعبير جون برنال-"مُمارسة الحِيَل"، التي، بينما لم تُفسر شيئاً في الواقع، سعت بطريقةٍ ما الى التهرب والحصول على عُذُر مقبول لرفض البحث عن حل لمسألة أصل الحياة.
يُمكن لكتاب ارفين شرودنغر (ما هي الحياة؟ الجانب الفيزيائي للخلية الحية) أن يكون مثالاً مُفيداً للغاية في هذا الصدد. في المُقدمة، حدد المؤلف لنفسه مهمة شرح جوهر الحياة على أساس مادي بحت. وبفعل هذا، صار يُقارب حل المسالة المطروحة من مواقف ميكانيكية بحتة، مُعتقداً أن تنظيم الحياة يقوم على مبدأ "آلة الساعة". ولكن في استنتاجه، اضطر شرودنغر لضرورة منطقية، الى وصف الحياة بأنها "ليست من صُنع البشر، اي غير مصقول ورديء" ولكن "كأروع تُحفة فنية أُنجزت في ضوء ميكانيكيا الكم الخاصة بالرب"(4). وهكذا، بعد أن بدأ شرودنغر بنهجٍ مادي لمُقاربة الحياة، قادته ميكانيكيته بشكلٍ حتميٍ الى اللاعقلانية عندما وصل الى مسألة أصلها.
ظهرت فرضيتان تتعلقان بأصل الحياة في عصرنا. أحدهما مبني على افتراض أن الحياة لم تنشأ من المادة غير الحية، لكنها وُجِدت منذ الأزل. نظراً لأن كوكبنا لم يوجد منذ الأزل، فقد جرت محاولة لتفسير ظهور الكائنات الحية عليه من خلال التأكيد أن بذورر الحياة قد جُلِبَت في وقتٍ ما من عوالم أُخرى بواسطة النيازك أو جُزيئات الغبار الكوني. تطورت هذه الفرضية (البانسبيرميا) Panspermic بواسطة الكميائي الفيزيائي السويدي المُتميز سفانت اوغست اورينيوس Svante August Arrhenius.
منذ نهاية القرن الماضي، أخضع فريدريك آنجلز فرضيات الحياة الأزلية لنقدٍ صحيحٍ ومُدمر، وأشار الى أنه تم الخلط بين مفهومين مُختلفين تماماً: - أزلية الحياة كشيء لم يكن غير موجود ابداً، ولكنه ينتقل وراثياً من عضوية الى أُخرى، و2- الولادة المُستمرة و"الأزلية" للحياة كشكل خاص من أشكال حركة المادة، والتي تظهر من جديد في كل مكان حيث تتوفر الشروط الملائمة لذلك(5). نحن نفترض بأن كوكبنا ليس المكان الوحيد الذي توجد فيه الحياة، وأن هذا الشكل من المادة في الحركة نشأت أو ستنشأ على كواكب كونية أُخرى مُلائمة. ولكن من وجهة النظر هذه، فان انتقال بذور الحياة الى كوكبنا من عوالم أُخرى، حتى لو تم اكتشاف أن ذلك قد حصل فعلاً، لن يوفر حلاً لمسألة أصل الحياة، حيث لا يزال على الحياة أن تكون قد نشأت في ذلك العالم الكوني، ولا يزال علينا أن نُفسرها. ومع ذلك، لا تزال فرضية الحياة القادمة من مكانٍ خارجي تظهر في المؤلفات العلمية، وان لم يكن لها أي أُسس نظرية قوية(6). لكن المُحاولات العديدة لايجاد لاكتشاف أجنة او بذور حياة، ولو حتى بقايا ميتة من تلك التي يتم الحديث عنها على النيازك لم تُسفر عن نتائج ايجابية. على الرغم من تغلغلنا العميق في الفضاء الكوني، الا أننا لا نملك، حتى اليوم، أي بيانات قاطعة عن انتقال أجنة الحياة الى الأرض من عوالم أُخرى(ب).
تستند فرضية أُخرى من هذه الفرضيات على افتراض أن ظهور أول كائن حي على الأرض، أو "الجزيء الحي الأساسي"، لم يكن حدثاً يحكمه قانون، ولكنه "حدث سعيد" نادر للغاية، يمكن أن يحدث مرةً واحدةً على كوكبنا طوال فترة وجوده، وبالتالي فهو حدث فريد تماماً ولا يمكن التحقق منه الى أي مدى عن طريق التجربة. أصبحت هذه الفرضية مُنتشرة بشكلٍ خاص بين علماء الوراثة بسبب النجاحات التي تحققت في دراسة الدور الذي يلعبه الحمض النووي الريبي DNA في عملية الوراثة. حتى قبل الحرب، طوّر هيرمان مولر Hermann Muller فكرة أن "جزيء الجين الحي" نشأ لأول مرة على الأرض عن طريق الصدفة(جـ)، وأنه يمتلك بُنيةً ضمن جزيئية intramolecular تُحدد الحياة والتي لم تتعرض للتغير خلال التطور الكامل للحياة على الأرض(7). تبعاً لذلك، تم اعتبار نواة بروتين فيروس التبغ موزاييك بمثابة "الجزيء الحي" الأصلي، على الرغم من أنه أصبح من الواضح الآن أنه لا يمكن اعتبار الفيروس كمرحلة وسيطة على مسار نشأة الحياة. يجب أن تأتي الحياة ومن ثم على الفيروس أن يتطور، وليس العكس.
تستمر فكرة التشكّل الأولي العَرَضي للحمض النووي الريبي DNA في الانتشار على نطاقٍ واسعٍ في الأدبيات العلمية، بل أنها دخلت في بعض كتب الكيمياء الحيوية(8)، على الرغم من احتمال حدوث مثل هذا التشكّل ليس أكبر من احتمال أن يكتب قرد عن طريق الصُدفة مسرحية (هاملت) لشكسبير.
ينطلق البيوكيميائي الفرنسي جاكس مونود Jacques Monod في كتابه (الصدفة والضرورة) Accident and Necessity من الفرضية التي لم تُثبت بعد، أن الحياة على الأرض يمكن أن تنشأ مرة واحدة فقط، مُعتبراً أن هذا الحدث لا يخضع للقانون، بل أنه عشوائي صرف. يكتب "هذا يعني أن احتمال وقوع هذا الحدث كان صفراً تقريباً"(9). نُشِرت مؤخراً العديد من المقالات والكتب في الخارج والتي يُعارض مؤلفوها الفهم المادي لجوهر الحياة. اتخذوا نقطة انطلاقهم من جهود الميكانيكيين الفاشلة لحل مسألة أصل العالم العضوي، ويسعون لاثبات أن هذه المسألة غير قابلة للحل تماماً من حيث المبدأ، ما لم يقبل المرء تدخل كائنٍ روحي.
ان سبب دخول الميكانيكيين الى طريقٍ مسدود، لا يكمن في جوهر المشكلة نفسها (كما يصور
مُمثلي المُعسكر المثالي الأمور)، ولكن في المُقاربة المنهجية الخاطئة التي يتمسكون بها، في تجاهلهم عملية تطور المادة وانكار اي اختلاف نوعي بين الكائنات العضوية وغير العضوية.
على عكس الاتجاه الميكانيكي، تعتبر المادية الدياليكتيكية الحياة شكلاً مُتميزاً نوعياً لتنظيم وحركة المادة، ناشئة عن قوانين طبيعية في مرحلة مُعينة من تاريخ الأرض (وربما لكواكب كونية أُخرى) في عملية تطور المادة(10).
ان العملية التطورية للمادة تحدث، وقد حدثت، على طول مسارات مُختلفة وبمعدلات مُختلفة في نقاط متنوعة من الكون وعلى أجرام مُختلفة من الكون. لذلك، في نموذجنا، أي على الأرض، علينا أن نتخيله ليس كخط مُستقيم واحد مُستمر، ولكن كحزمة كاملة من مسارات تطورية مُتباينة ومتعددة، والتي تؤدي تفرعاتها المُنفصلة الى أشكال مُعقدة للغاية، مُختلفة ومتنوعة ولكن حية، من تنظيم وحركة المادة.
ليس لدينا تصورات واسعة حتى الآن للكثير من أشكال التطور التي حدثت خارج أرضنا، وفي عددٍ من الحالات قد لا نشك حتى في وجودها. لكن يجب على المرء أن لا يعتبر أياً من هذه الأشكال مُسبقاً كفئة خاصة أو مُختلفة من الحياة بسبب كمالها وتعقيدها. الحياة ليست نتيجة لكل الفروع العديدة تطور المادة. ان لها صفاتها المُميزة ومسارات تطورها. حياتنا على الأرض هي نتاج احد هذه الفروع في تطور المادة. ان سمة هذا الفرع المُميزة تتمثل في حقيقة أنه يقوم على التطور التدريجي لمركبات الكربون الأكثر تعقيداً والأنظمة العضوية عالية الجُزيئية التي تشكلّت منها(11).
ان "الاصطفاء الطبيعي"، الذي حدد، وفقاً لداروين، التطور الكامل للحياة على الأرض، هو انتظام Regularity جديد، ويخص الحياة فقط، ويغيب في العالم غير العضوي. ومع ذلك، أصبح من الواضح اليوم أن هذا القانون نشأ في نفس عملية ظهور الحياة، وأنه حدد ظهور تلك الصفات الجديدة التي تكمن وراء تنظيم عالم ما هو حي، بأكمله.
في وقتٍ مُبكرٍ من سبعينيات القرن التاسع عشر، عرّف آنجلز عملية تطور المادة على أنها الطريقة الوحيدة المُمكنة التي يُمكن أن تتطور من خلالها الحياة. ولكن في ذلك الوقت، كانت البيانات العلمية العيانية التي على أساسها يُمكن التحقق من صحة هذا الافتراض، المشحون بالمعنى العميق، شحيحة.
تُمكننا النجاحات التي تم تحقيقها حالياً في مختلف مجالات العلوم الطبيعية المُعاصرة من اكتشاف المسارات التي نشأت من خلالها الحياة من مادة غير حية، على كوكبنا.
كانت احدى العقبات الرئيسية التي حالت في بداية هذا القرن دون حل مُشكلة أصل الحياة، هي الاقتناع القاطع، القائم على الخبرة اليومية والذي كان سائداً آنذاك في العلم، بأن المواد العضوية تشنأ في الظروف الطبيعية بشكل بيولوجي فقط، أي من خلال تركيبها بواسطة الكائنات الحية. صحيح أن علم الكيمياء العضوية كانت قد صنعت في ذلك الوقت بالفعل عدداً من المواد العضوية المُعقدة في المختبرات، لكن هذا لم يُزعزع هذا الاقتناع، فقد لوحِظَ أن الانسان كان كائناً حياً، وأنه وحده قادر على اختيار التسلسل المطلوب من التفاعلات بوعي، بينما في العالم غير العضوي لم تكن هذه، ولا يمكن أن تكون الحال كذلك.
ومع ذلك، من المُستحيل تماماً أن نصوّر النشأة المُفاجأة لتنظيم حتى أبسط الكائنات الحية مُباشرةً من المواد العضوية (ثاني اكسيد الكربون والماء والنيتروجين)، وهذا يضع كامل مسألة أصل الحياة في زقاقٍ مسدودة.
في بداية عشرينيات القرن العشرين، على عكس الرأي السائد آنذاك عالمياً، كُنتُ جريئاً بما يكفي للتأكيد على أن احتكار التركيب الحيوي للمواد العضوية كان سمةً فقط للمرحلة الحالية من وجود كوكبنا(12). لقد قُلت بأن الأرض في بداية وجودها كانت بلا حياة، ولكن حدثت التركيبات غير الحيوية لمركبات الكربون وتطورها ما قبل البيولوجي اللاحق، مما أدى الى زيادة تدريجية في تعقيد هذه المركبات، وتشكيل أنظمة مُختلفة في مراحلها، وتحول هذه الأخيرة (على أساس الاصطفاء الطبيعي) الى بروبيونات Probionts، ثم الى كائنات حية بدائية. في الخمسين عاماً الماضية أو أكثر، وبفضل العديد من الدراسات التي أجراها علماء في مُختلف البلدان والتخصصات، تم تثبيت عدد من الحقائق في مجالات علم الفلك والجويولوجيا والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا التي تؤكد مبدأ الأصل التطوري للحياة، وتحديد المسارات الرئيسية التي اتخذتها تلك العملية.
تُمكننا بيانات بيانات علم الفلك الراديوي المُعاصر من تحديد وجود مجموعة متنوعة من مُركبات الكربون في الفضاء بين النجوم. لقد مرّ وقتٌ طويلٌ نسبياً منذ اكتشاف وفرة كبيرة كبيرة من هذه المواد مُنخفضة الجُزيئية low-molecular مثل الفورمالديهايد formaldehyde وكربيد النيتروجين ومشتقاته، والسيانوجين cyanogen والسيانو أستيلين cyanoacetylene وغيرها. في وقتٍ لاحق، تم تحديد وجود العديد من الكربوهيدرات مُنخفضة الجُزيئية والكحول والايثرات Ethers، والاميدات Amides ومركبات عضوية أُخرى هناك، مُركبات قادرة أن تتشكل في الفضاء بين النجوم نتيجةً للتفاعلات الكيميائية الضوئية للشوارد الحُرة Free Radicals. بالاضافة الى ذلك، لدينا اليوم بيانات عن وجود مُركبات كربوهيدراتية مُتعددة الجُزيئات وعالية الجُزيئية في الكون، على سبيل المثال، الكربوهيدرات مُتعددة الحلقات polycyclic hydrocarbons التي لا يُمكن أن تتركب الا عندما تُمتَص على سطح جُزيئات الغبار الكوني(13).
وبالتالي، نحن نمتلك الآن دليلاً مُباشراً على امكانية التكوين غير الحيوي للمواد العضوية، والتي ستكون قد تركبت في الماضي ليس فقط قبل الظهور الأول للحياة، ولكن حتى قبل تشكّل كوكبنا.
يجب أن تُسفر دراسة الأجرام خارج كوكب الأرض مثل الكواكب والقمر والمُذنبات، وخاصةً النيازك، عن قدرٍ كبير من هذه النتيجة، وهي تُسفر عن ذلك. تمكننا المركبات الكروهيدراتية المُكتشفة فيها من الحكم، الى حدٍ ما، على تطورها الكيميائي في الماضي.
ولكن يجب أن لا يغيب عن البال أن تشكّل هذه الأجرام السماوية وتاريخها اللاحق يختلف اختلافاً كبيراً عن تطور الأرض. كما أصبح واضحاً الآن، تطورت كواكب مثل الزهرة والمريخ، التي تُقارب الأرض من حيث الأبعاد والمواد الأولية، بشكلٍ مُختلفٍ عما تطورت عليه الأرض. يزداد هذا الاختلاف شدةً فيما يتعلق بالأجرام الأخرى مثل القمر أو النيازك. اكتشفنا كميات صغيرة من المواد العضوية في عينات القمر التي جلبتها سُفن الفضاء والمحطات الى الأرض، أما بعض النيازك التي سقطت على الأرض والتي تُسمى الكوندريت الكربونيcarbonaceous chondrites، غنيةٌ بها جداً. كشفت التحليلات المُباشرة هنا عن العديد من المُركبات العضوية المتنوعة، وخاصةً الأحماض الأمينية والمواد الأُخرى المُهمة بيولوجياً للحياة. ومع ذلك، لم نعثر بعد على أي علامات لكائنات حية أو بقايا مُتحجرة منها في النيازك. لم يؤد تطور مُركبات الكربون على هذه الأجرام السماوية أو في الكويكبات التي أتت منها، الى نشأة الحياة. ظل هذا التطور في مرحلة التحولات الكيميائية، وهذا يُمكننا من دراسته في مرحلته البدائية، وليس البيولوجية(14).
على النقيض من ذلك، في ظل الظروف الأرضية، فان دراسة التطور الكيميائي للمواد العضوية مُعقد الى حدٍ كبير بسبب العمليات البيولوجية التي تحدث في المُحيط الحيوي. يحدث التطور الكيميائي للمواد العضوية بشكلٍ أسرع وأكثر نشاطاُ بما لا يُقارن من التحول الحيوي الابتدائي للمواد العضوية، وبالتالي فهي تُخفي الآن بشكلٍ كامل الأشكال الأولية للتطور الكيميائي لمُركبات الكربون. في هذا الصدد، يُنظر الى المواد العضوية التي وُجِدت في قشرة الأرض على أنها حيوية حصراً، أي على أنها ظهرت نتيجة تحلل المادة الحية. ومع ذلك، أصبح من الواضح اليوم أنه حتى النتاجات البيولوجية التي خضعت لتحللٍ عميق، حتى المواد العضوية المُمعدنة بالكامل، يمكن، نتيجةً للعمليات التحفيزية التي تحدث على سطح الجُسيمات المعدنية لقشرة الأرض، أن تتركب من جديد بواسطة طريق غير حيوي بحت، تتحول بذلك الى مُركبات عضوية مُعقدة بشكلٍ متزايد.
تتم الآن دراسة مسارات التطور الكيميائي للمواد العضوية في المقام الأول على أساس تجارب النمذجة التي تكشف عن الامكانات الثيرموديناميكية لهذه المواد وامكانية تحقيق هذه الامكانات في ظل ظروف يُفترض أنها كانت موجودةً على سطح الأرض البدائية، في الغلاف الجوي أو الغلاق المائي(15).
على هذا المستوى، تم بالفعل الحصول على كمية هائلة من المواد الوقائعية Facts التي توضح بشكلٍ مُقنع امكانية التركيب تشكّل المواد العضوية، ليس عن طريق الكائنات الحية أو من المواد العضوية وحسب، بل وامكانية تركبها عن طريق التركيب غير الحيوي وتراكمها اللاحق في مناطق مُختلفة من سطح الأرض. توفر تجارب النمذجة الشاملة هذه اليوم أُسساً صلبة للثقة الكاملة في حقيقة أن أي مادة عضوية، سواءاً كانت أُحادية أو بوليمرية، قادرة على الظهور بشكل غير حيوي في بعض المناطق البعيدة عن الحياة (Subvital) تحت الأرض، في ظل ظروف متنوعة ومُعقدة للغاية. على وجه التحديد، يكون على المُركبات المُهمة جداً لنشوء الحياة مثل الأحماض الأمينية والنيوكليوتيدات nucleotides وبوليمراتها أن تتركب بهذه الطريقة(16).
في هذا الصدد، يُمكن اعتبار انه قد تمت الاجابة على المسألة بالفعل... (جـ). السؤال الأكثر الحاحاً اليوم الذي يواجه الباحثين في مسألة أصل الحياة هو مسارات الانتقال من التطور الكيميائي الى الأشكال البيولوجية لتنظيم المادة. يحاول العديد من المؤلفين المُعاصرين فهم هذا الانتقال من خلال تركيز تفكيرهم على المُستوى الجُزيئي فقط، لكن مثل هذه الجهود لا يُمكن أن تكون ناجحة(17). ارتبط أصل الحياة بانتقال المادة الى مُستوى أعلى من التنظيم والحركة، وبالتالي ظهور انتظامات جديدة فُرِضت على القوانين العامة للفيزياء والكيمياء، حددت تشكّل صفات جديدة غائبة على المُستوى الجُزيئي، وهي في مُجملها تُميز الكائنات الحية فقط. أن اهمها:
1- القدرة على التغلب على الانتروبيا
2- "هدفية" Purposefulness تنظيم الأشياء الحية، أي تكيف بُنى الأعضاء الجُزيئية والأكبر من الجُزيئية للوظائف التي تؤديها، وتكيّف الكائن الحي بأكمله مع الوجود في الظروف المعطاة في البيئة الخارجية.
3- شكل من أشكال المعلومات الفريدة للحياة (الوراثة).
لا يُمكن لأيٍ من هذه الصفات-المُميزة للحياة فقط- أن تنشأ على المُستوى الجُزيئي. لقد تضمنت بالضرورة تشكّل وتطور أنظمة مُتمايزة مُتعددة الجُزيئات(18). يتميز العالم الفيزيائي غير العضوي بزيادة في الانتروبيا وفقاً لقانون الثيرموديناميكا الثاني، والذي يُعبّر عن الميل الاحصائي للطبيعة نحو الفوضى. اذا كُنا، على سبيل المثال، نرى، في التبلور، ازدياداً في التنظيم في الشبكة البلورية ينتج من ازديادٍ في اضطراب جُزيئات المحلول الأساسي، فان هذا يتحدد من خلال انخفاض مُستوى الطاقة الحُرة. على العكس من ذلك، في عالم الكائنات الحية، قد لا تنمو الانتروبيا، بل قد تنخفض في الواقع مع نمو الكائن الحي مع احتفاظه باحتياطي كبير من الطاقة الحُرة.
وهكذا، يبدو أن النتيجة هي أن القانون الأساسي للمادة غير العضوية هو ميلٌ نحو الفوضى وزيادة في الانتروبيا، في حين أن القانون الأساسي للمادة الحية، على العكس من ذلك، هو ارتفاع في مستوى تنظيمها وانخفاض في الانتروبيا. حتى بعض الفلاسفة في بداية القرن العشرين، الذين عرّفوا الحياة على أنها صراع ضد الانتروبيا، رأوا في هذا التناقض سبباً للقول بأن الحياة ذات طبيعة غير مادية. لكننا نعلم اليوم أن هذا التناقض شكلي فقط. حلّ شرودنغر(19) هذه المسألة منذ زمنٍ بعيد، وبصورة ملونة للغاية، وان لم يكن ذلك بدقة، مُعتبراً أن الكائن الحي، كما هو "تُغذيه الانتروبيا السلبية" على حساب البيئة الخارجية. وهكذا، فان النقصان الموضعي الذي ينشأ في كائنٍ حي يتم دراسته بطريقة معزولة، يتعوض من خلال زيادة في الانتروبيا في البيئة. وبالتالي، لو درسنا، ليس كائناً حياً مأخوذاً بشكلٍ مُنعزل (لا يُمكن العثور عليه في الطبيعة)، بل نظام بيئة العضوية، والعضوية في تفاعلها المُستمر مع العضويات الأخرى، فاننا سنجد أن قانون الثيرموديناميكا الثاني سيكون في موضع العمل، ولن يكون مُنتهكاً.
في الواقع، في عالم الكائنات الحية الحديث، يكون الوضع أكثر تعقيداً الى حدٍ كبير، ولكن أول شيءٍ مطلوب للتنفيذ، حتى لو بشكل مُخطط مُبسط، هو ظهور علاقاتٍ من نوعٍ ما، لنوعٍ من الأنظمة المُتكاملة التي تفصل نفسها مكانياً، في محلول متجانس، والتي من شأنها، مع ذلك، أن يكون لها القُدرة على التفاعل مع البيئة المُحيطة.
كان تشكّل أنظمة مُنفصلة التطور ضرورياً ايضاً من أجل ظهور ثاني الصفات المذكورة أعلاه المُميزة للحياة: "هدفية" purposiveness تنظيم الأجزاء والكل.
حدث التطور الكيميائي لمركبات الكربون على المُستوى الجُزيئي على أساس القوانين العامة لميكانيكيا الكم والديناميكيا الحرارية والحركية. لكن ظهور الحياة يجب أن ينطوي على ظهور قانون جديد خاص بالحياة. كان هذا القانون هو الاصطفاء أو الانتقاء الطبيعي للأنظمة المُتكاملة المُنفصلة، وأعلى شكل من أشكال التنظيم، هو العضويات.
يشتمل محلول مائي لمادة عضوية مُعينة، ينشأ على المُستوى الجزيئي، على تراكم جُزيئات مُتجانسة كيميائياً وغير مُتمايزة بشكلٍ مُتبادل، موزعة بشكل موحد في جميع أنحاء المُذيب. ولكن كما تُظهر تجارب النمذجة الحالية، في مرحلة مُعينة من التطور الكيميائي للمركبات العضوية، كان لا بد من حدوث تكتّل ذاتي self-agglomeration لجزيئاتها البوليمرية، والتي تتحد مع بعضها لتُشكل أنظمةً جُزيئية مُتكاملة، تنفصل عن البيئة من خلال حد طوري فاصل، مع الاستمرار بالتفاعل معها (أي مع البيئة) بطريقة الأنظمة المفتوحة. فقط هذه الأنظمة، التي تستمد الطاقة والمادة من الخارج، هي القادرة على مُقاومة ازدياد الانتروبيا، بل انها قادرة على تقليله في سياق نموها وتطورها، وهي سمة تُميز جميع الكائنات الحية.
في الوقت نفسه، على عكس الجزيئات الفردية، يمتلك كل نظام مفصول بالطور، صفات فردية تُميزه عن الأنظمة المُماثلة الأُخرى. يؤدي هذا الى خلق أماكن لظهور الاصطفاء الطبيعي البدائي للأنظمة المُنفصلة والتي تبتدئ نقطة انطلاق التطور البيولوجي، في عملية التفاعل مع البيئة. على أساس هذا الانتظام الجديد على وجه التحديد، يحدث تحسين في تنظيم الأنظمة المُتكاملة، لا سيما ظُهور ما يُسمى "هدفية" الكائنات الحية، وتكييف بُناها المُنفصلة (بما في ذلك الجزيئات المُهمة بيولوجياً) للوظائف التي تؤديها في النظام الكُلي.
لا يمكن لخاصية النشاط التحفيزي catalytic لجزيء البروتين مأخوذاً بشكلٍ معزول أن تعمل كأساس لاصطفائه الطبيعي. يُصبح هذا النشاط ذا معنىً فقط في نظامٍ مُتكامل، عندما يُحدد (اي النشاط التحفيزي) وظيفة الأيض التي تُسهل نمواً أسرع للنظام المُتكامل واستقراره الديناميكي في ظل ظروف وجودٍ مُعينة. ولا يُمكن أن يكون للاصطفاء الطبيعي للأحماض النووية أي أهمية بيولوجية ببساطة في المحاليل المائية لجُزيئاتها، أي خارج الوظيفة المُرتبطة بتركيب البروتينات التي تحملها في العضوية الحية. في محلول مائي بسيط، يُمكن أن تكون التغيرات المُختلفة في التركيب الجُزيئي، حتى عندما تُسرّع عملية تكوين نيوكليوتيدات مُتعددة polynucleotides، يُمكن أن تكون مسؤولة فقط عن تراكم موضعي، وتشكيل رواسب عضوية في مكانٍ مُعين، ولكن لن يكون تشكيلاً لكائنات حية.
في ضوء ما تقدّم، فان الجدل القديم حول ما نشأ أولاً، البروتينات أم الأحماض النووية، يفقد كل معنىً له.في البداية كان من المُمكن أن تنشأ البروتينات والبوليمرات التي تُشبه الأحماض النووية، ولكن تفتقر الى أي "هدفية" بيولوجية" في التركيب الجُزيئي. فقط عندما تندمح هذه البوليمرات في أنظمة مُنفصلة مُتعددة الجزيئات وتتفاعل مع بعضها البعض، تقوم بتنسيق بُنيتها الجُزيئية مع وظائفها البيولوجية بشكلٍ مُتبادل.
لا يُمكن فهم المسارات التي اتخذتها مثل هذه العلاقات الا من خلال دراسة تأثير الاصطفاء الطبيعي لأنظمة الحمض النووي البروتيني المُتكاملة، وشمولية الشيفرة الوراثية الحالية ليست نتيجةً للصدفة، بل حقيقة أن اي تغيير فيها سيكون قاتلاً أو مُخالفاً للاصطفاء. وهكذا، فان الاصطفاء الطبيعي للأنظمة المُتمايزة قد أدى الى ظهور الميزة الثالثة للحياة: الوراثة.
لم يكن العديد من النيوكليوتيدات المُتعددة قادراً على التكاثر ولا حتى أنزيمات البروتين التي ظهرت تحت تأثيرات مُعينة للاصطفاء الطبيعي.، والتي حددت مرحلة التطور ما قبل البيولوجي اللاحق، ولكن الأنظمة المُتكاملة التي عزلت نفسها (بروبيونات)، وبالتالي الكائنات الحية البدائية. لست الأجزاء هي التي حددت تنظيم الكُل، بل الكُل، هو الذي خلق، في تطوره، "هدفية" بُنية الأجزاء.
وبالتالي، فان التحول من التطور الكيميائي الى التطور البيولوجي يتطلب، كضرورة، ظهور أنظمة فردية وانعزال قادر على التفاعل مع البيئة ليستفيد من مادتها وطاقتها، وعلى هذا الأساس، قادرة على النمو والتكاثر والخضوع للاصطفاء الطبيعي. كيف يُمكن للمرء أن يقترب من الدراسة الموضوعية لهذه المرحلة من التطور؟ في المقام الأول، من خلال استخدام تجربة النمذجة.
لا يُمكننا فقط تصوير المسارات التي نشأت من خلالها هذه الأنظمة نظرياً، ولكننا قادرون من الناحية التجريبية أيضاً على انتاج انظمة مُختلفة في المُختبر قادرة على العمل كنماذج للأشكال التي ظهرت منذ فترةٍ طويلةٍ على سطح الأرض (فقاعات غولداكر Goldacre s bubbles، تجربة فوكس FOX S microspheres وتجربة ايغامي Egami s marigranules وغيرها)(د). ان القطيرات المُتلاحمة التي أنتجها هندريك جيرارد دي جونغ Hendrik Gerard Bungenberg de Jong في أوائل ثلاثينيات من القرن العشرين هي نماذج واعدة للغاية (ولكن بالطبع ليست الوحيدة المُمكنة) في هذا الصدد(20). تسمح لنا البيانات الجيولوجية الحالية، الى حدٍ ما، بتصور الظروف التي كانت موجودةً على سطح كوكبنا في الفترة الأولى من وجوده- في الفترة الجيوسينكلينية geosynclinary period من دورة تشكيل الأرض. في ذلك الوقت، كانت الأرض جافة، مُنبسطة جداً، موجودة أعلى بقليل فقط من مستوى البحار الضحلة. كانت العلاقة بين الماء والأرض الجافة في كل مكان في عملية تغير. المياه التي تتغلغل في الأرض، تتقدم في حين، وتتراجع في حينٍ آخر، تنقل المواد العضوية المُذابة فيها باستمرار من الأماكن التي نشأت فيها الى الأماكن التي تراكمت فيها، وتركزت، واتحدت في أنظمة مُنفصلة "بروبيونات". ومع ذلك، فان تطور المواد العضوية "البروبيونات" والكائنات الحية البدائية قد سار على خطوط مُختلفة في أجزاء موضعية متنوعة من سطح الأرض،، في مناطق تحت أرضية مُختلفة معزولة عن بعضها البعض. في حالاتٍ مُختلفة، كان من المُمكن حتى للأشكال البيولوجية التي تشكلت بالفعل، أن تتحلل، لكن كان يُمكن لنتاجات هذا التحلل أن يتركب مرةً أُخرى، والتجمع الذاتي هذه المرة يحدث على أُسسٍ مُختلفةٍ عن السابق، حيث أن المكونات المُشاركة في هذا التجمع تمتلك الآن بُنية "هدفية" مُعينة. هذه هي الطريقة، التي قد تكون قد نشأت الفيروسات فيها.
وبالتالي، كانت عملية تشكّل الكائنات الحية قد ابتدأت في أطورا مُختلفة من تطورها في مناطق "تحت أرضية" مُختلفة من سطحة الأرض في وقتٍ واحد. برأي م. روتين M. Rutten(21)، كان على العضويات الأولية، عندما تشكلّت بالفعل بشكلٍ كامل، أن تتعايش لفترةٍ طويلة (ربما مئات الملايين من السنين) مع أشكال بدائية من البروبيونات التي نشأت في مناطق أُخرى.
ولكن، نتيجةً للتطور التدريجي للحياة وتوسع المناطق التي كانت هذه الأخيرة موجودة فيها، فقد اختفت عزلة المناطق الفرعية تحت الأرضية وتطور التفاعل بين الأنظمة الحية التي كانت مُنفصلةً سابقاً عن بعضها البعض ووصلت الى مراحل مُختلفة من الكمال في التنظيم. نتيجةً لذلك، اختفت الى الأبد العديد من الكائنات الحية البدائية على الرغم من أنه كان من المُمكن، حسب تنظيمها، أن تكون موجودةً في ظروف بيئية مُعينة، الا أنها لم تصمد أمام المُنافسة مع أنظمة أُخرى أكثر كمالاً. وبهذه الطريقة، ظهرت شمولية الشيفرة والعناصر الرئيسية لعملية الأيض البيولوجي التي نُلاحظها في عالم الأحياء في يومنا هذا.
وبالتالي، فان الحياة اليوم ليست نتيجة أي عملية غائية تحددت مُسبقاً في خطة خلق سابقة ولم تكن نتيجةً لـ"الصدفة السعيدة". لقد نشأت الحياة بطريقة طبيعية تماماً، كشكل جديد لحركة المادة في عملية تطورها. ستسمح لنا دراسة هذه العملية باكتساب معرفة مؤسسة علمياً عن جوهر الحياة وتميزها النوعي عن عالم الكيانات غير العضوية.

* الكسندر ايفانوفيتش اوبارين 1894-1980، بيوكيميائي ماركسي سوفييتي، يُعرف بمساهمته الأساسية في نظرية اصل الحياة على الأرض، وخصوصاً ما يعرف علمياً بـنظرية (الحساء البدائي) لتطور الحياة من جزيئات الكربون.
تخرّج من جامعة موسكو الحكومية عام 1917 وأصبح استاذاً للكيمياء الحيوية هناك عام 1927.
أعلن أوبارين رسمياً، سنة 1924، ان الحياة على الأرض نشأت خلال تطور كيميائي تدريجي من جزيئات الكربون الأساسية في (الحساء البدائي)، في نفس الوقت الذي اعلن فيه البيولوجي البريطاني التقدمي هالدين-مستقلاً عن الأول-نفس النظرية.
أسس عام 1935، مع الأكاديمي اليكسي باخ معهد الكيمياء الحيوية التايع لأكاديمية العلوم السوفييتية
نظم الكسندر اوبارين اول لقاء دولي حول اصل الحياة في موسكو سنة 1957، والذي تبعه لقاءات اخرى في عام 1963 وفي عام 1970.
تم انتخابه رئيساً للجمعية الدولية لدراسة أصول الحياة عام 1970.
وقد رُشح كبطل العمل الاشتراكي سنة 1969. حصل على جائزة لينين في عام 1974، وميدالية لومونوسوف الذهبية سنة 1979 لانجازاته الهائلة في الكيمياء الحيوية، كما حصل على 5 ميداليات لينين، وهي اعلى جائزة تقدم في الاتحاد السوفييتي.
يظهر لنا الكسندر اوبارين، عبر دراسته الدقيقة، كعالم بيوكيمياء، ومادي جدلي، مبدأ وحدة عالم اللاحي والحي، النابعة من وحدة العالم المادية.
وبغض النظر عن عدد من التغيرات في عدد من تفاصيل الانتقال من اللاحي الى الحي التي اوردها الكسندر اوبارين، التي حدثت جراء تطور العلم الحديث، فان لدى الكسندر اوبارين منهجية علمية صارمة، في دراسته الانتقال من البسيط الى المعقد، ووحدة العالم اللاحي والحي، ووحدة العالم المادي، والنضال ضد الحيوية والمفاهيم الميكانيكية والغيبية في البيولوجيا، هذه المنهجية التي لا تزال حية، ولم، ولن تسنفذ امكانياتها المنهجية.

1- H. Driesch, Der Vitalismus als Geschichte und als Lehre, Leipzig, 1905 H. Driesch, The Science and Philosophy of the Organism, vol. 1-2, London, 1908
2- G. Blandino, Theories on the Nature of Life, New York, Philosophical Library, 1969
3- E. Russell, Behavior of Animals, London, 1938. Also see E. Russell, The Diversity of Animals, Leiden, 1962
أ- "نظرية التوالد العفوي-أن الحياة نشأت من لا شيء" وهذه النظرية "لها تاريخ طويل، مصر القديمة، الصين، الهند وبابل، وهي موجودة في كتابات الاغريق القدماء، يقول اوبارين: (هنا تنشأ الديدان من الروث واللحوم المتعفنة، ويتشكل القمل بنفسه من عرق الانسان، وتولد اليراعات المضيئة من شرر محرقة الجنازة، وأخيراً تنشأ الضفادع والفئران من الندى ورطوبة الأرض(".
من موضوع (كيف نشأت الحياة)، الذي ترجمته على الحوار المُتمدن، آلان وودز.
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=587926#
4- ما الحياة؟ الجانب الفيزيائي للخلية الحية، ارفين شرودنغر، ترجمة أحمد سمير سعد، مؤسسة هنداوي سي آي سي، 2017، ص95
5- ضد دورهينغ، فريدريك انجلز، دار التقدم 1984.
6- F. Krik and L. Orgel, "Napravlennaia panspermiia," Khimiia i zhizn , 1974, no. 9, pp. 75-79
ب- بعد التطورات الكبيرة التي شهدها علم الفلم مؤخراً (بعد اوبارين)، توالت الاكتشافات حول وجود الأحماض الأمينية في النيازك التي تتساقط على الأرض. على سبيل المثال، وجد علماء ناسا عام 2019 الريبوز والسكريات الحيوية الأساسية بما في ذلك الزيلوز في النيازك الغنية بالكربون. والريبوز هو عنصر حاسم في DNA. وتوجد افتراضات حول وجود بكتيريا على النيازك ساعدت في بناء الحياة على الأرض. ولكن تتقدم اعتراضات على هذه الفرضية الأخيرة، منها على سبيل المثال، أن البكتيريا قد تموت أثناء دخولها الى الغلاف الجوي، وأن هذا، لا يُفسر نشوء هذه البكتيريا نفسها. ولكن في المقابل، هناك أبحاث علمية كثيرة تتحدث عن نشوء الحياة على سطح الأرض نفسها بدون أي مساعدة خارجية، ولاحظت-قد أكون مُخطئ في هذا الشأن-أن هذه الأبحاث الأخيرة، تجري بشكلٍ أكبر خارج اطار الأبحاث التي تُجريها ناسا، أي في أوروبا وروسيا. ان افتراض أنه يصعب اجراء تجربة تُنشئ الحياة من المادة اللاحية، واعادة تشكيل ظروف الحياة على الأرض مخبرياً، جعل من العلماء يستسهلون البحث عن مكونات الحياة خارج الأرض، في النيازك الحالية وفي المواد التي يسهل الحصول عليها. قد تكون الصعوبات العلمية التي تواجه البحث عن كيفية نشوء الحياة على الأرض، هي مصدر من مصادر افتراض أنها، أو مكوناتها، قدمت من الخارج. على أية حال، لا تتعارض فرضية قدوم مُركبات تُساعد على بناء الحياة الى الأرض، مع القضية الأساسية، وهي نشوء المادة الحية من المادة اللاحية، ففي نهاية المطاف، يتعين على العلماء أن يُفسروا ذلك، وأن أتت المادة اللاحية اللازمة لهذه العملية، من الفضاء.
جـ- لا يتجاهل الكسندر اوبارين، في كتاباته، الصُدفة، في تشكل الحياة على سطح الأرض. بالفعل، يتخلل عملية انتقاء المادة وتطورها صُدف كثيرة، ولكن المقصود بـ(الصدفة) التي يعترض عليها أوبارين هنا، ولاحقاً في المقال، تلك الصُدفة غير الخاضعة لقوانين مُعينة. فالصدفة ليست انعداماً للسببية، وليس خروجاً عن قوانين الماددة في مختلف أشكالها.
7- See H. J. Muller, Proceedings of the Royal Society, 1947, Ser. B, vol. 134, p. 1 Science, 1955, vol. 121, no. 3132, pp. 1-9
8- See A. Leninger, Biokhimiia, Moscow, 1974
9- J. Monot, Granitsy biologii, translated from the French by E. Svetailo. From the journal La Recherche, 1970, vol. I, no. 5
10- For further detail on this, see A. Oparin, Vozniknovenie zhizni na Zemle, Moscow and Leningrad, 1936 A. Oparin, Zhizn , ee priroda, proiskhozhdenie i razvitie, Moscow, 1968. 11
11- غالباً ما يُصادف المرء في الأدبيات الشعبية الفرضية القائلة بأن الحياة قد توجد على أساس غير أساس الكربون، بل على أساس السيليكون. هذه الفرضية ليست فقط بدون تأكيد بأي حقائقٍ مهما كانت، ولكنها مُستحيلة نظرياً من وجهة نظر الكيمياء الكوانتومية. ان جميع وظائف الحياة مُستحيلة بدون وجود أنظمة مُتعددة مُميزة لمركبات الكربون.
12- See A. Oparin, Proiskhozhdenie zhizni, Moscow, 1924
13- C. Ponnamperuma, ed., Exobiology, Amsterdam and London, 1972
14- For fuller detail, see A. I. Oparin, "Teoreticheskie i eksperimental nye predposylki ekzobiologii," in Osnovy kosmicheskoi biologii i meditsiny, vol. 1, Moscow, 1975.
15- M. Calvin, Khimicheskaia evoliutsiia, Moscow, 1971
جـ- يتحدث الكسندر اوبارين في هذه الفقرة عن سمات مُعينة للمواد العضوية مثل التصاوغ الضوئي والتركيب النظائري للكربون والتي يجب أن يُبحث فيها بشكلٍ أكبر، والتي أعتقد أن العلم، قد توصل الى الكثير فيما يخصها، من ذلك الوقت، ولا حاجة لترجمتها.
16- J. Kenyon and H. Steinman, Biokhimicheskoe predopredelenie, Moscow, 1972
17- M. Eigen, Die Naturwissenschaften, Berlin, 1971, no. 10
18- For further detail on this, see A. Oparin, Materiiazhiznl -intellekt, Moscow, 1977
19- ما الحياة؟ الجانب الفيزيائي للخلية الحية، ارفين شرودنغر، ترجمة أحمد سمير سعد، مؤسسة هنداوي سي آي سي، 2017
د- هذه تجارب قام بها العُلماء يُمكن فيها انشاء بُنىً شبيهة بالبروتين تُشبه الخلايا البكتيرية الى حدٍ كبير،من جُزيئات غير عضوية.
20- See B. Goldacre, Surface Films, Their Collapse on Compression, the Shapes and Sizes of Cells and the Origin of Life, London, PergamonPress, 1958 , P278 S. Fox,Origins of Life, 1976, vol. 7, p. 49 H. Yanagawa and F. Egami, Proc. JapanAcad., 1977, vol. 53, p. 42 H. Bungenberg de Jong, Protoplasma, 1932, vol. 15, p. 110 La coacervation et son importance en biologie, vol. 1-2, Paris, 1936 T. Evreinova, Kontsentrirovanie veshchestv i deistvie fermentov v koatservatakh, Moscow, 1966 K. Gladilin, A. Orlovsky, D. Kirpotin, and A. Oparin, "Coacervate Drops as a Model for Precellular Structures," in H. Noda, ed., Origin of Life, Tokyo, 1978, pp. 357-62.
21- See M. Rutten, Proiskhozhdenie zhizni estestvennym putem, Moscow, 1973.

ترجمة لمقالة:
Alexander Oparin, on the Essence of life, Soviet Studies in philosophy, 1979, 18:3, 19-39








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الظابط زكريا يونس عرف يوصل للإرهابي قبل تفجير عبوة ناسفة وسط


.. شاهد: الشرطة الأمريكية تفرق بالقوة متظاهرين غاضبين من قتلها


.. فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض




.. قناة -ذاكرة الأنصار- الحلقة رقم 74 -أمسية المسرحيين الأنصار


.. العراق .. رسائل لرئيس الوزراء الكاظمي نحو الجوار ونحو المتظا