الحوار المتمدن - موبايل


قصة الهروب من الخوف - 1

ربحان رمضان

2020 / 10 / 4
الادب والفن


في معتقلي ..
الغرفة التي قضيت بها سنتان ونصف مع 180 معتقل آخر كنت كالآخرين اتمنى الحرية واناقش نفسي فيما افعل لو أطلق سراحي ؟؟
بعض المعتقلين كانوا يقولوا سأنام تحت اقدام اطفالي ، وآخرون يقولوا لو خرجنا سنذهب هرولة إلى البيت ، مشيا على الأقدام ، وغيرهم يقول سلآخذ تكسي يوصلني ، وآخرون قالوا قالوا وغيرهم قالوا .. وأنا فكرت عما سأفعله إن أطلق سراحي من المعتقل .. بالتأكيد سنستمر في النضال .
لكن بعد سنتين وأشهر قليلة بدأت افكر وأسأل نفسي : لو أطلق سراحي ماذ سأفعل ، هل ابقى في الوطن ؟ هل ستتركني قوى القمع ولاجرام اعيش بدون مضايقات ، هل يمكنني متابعة النضال في الخارج ، أسئلة كثيرة تواردت وأخيرا ّ قررت قرارا نهائيا على مغادرة الوطن بأي شكل من الأشكال كي لا أسقط في حضن النظام الذي وعدني عبر جلاده أن أكون عضوا في مجلس الزور الذي أطلق عليه اسم " مجلس الشعب " فيما لو سعيت لانشقاق في الحزب مع العلم اني وقد أسلفت في حلقات سابقة من هذه السلسلة بأني ممنوع من السفر منذ الحادي عشر من نيسان عام 1979 ، وعلى هذا الأساس طرحت الموضوع على السيد عرفات دويك مدير مكتب القائد العام لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي كان يشاركني وأحمد الكردي سفرة الأكل في المعتقل وهي قميص تالف نمده على الأرض عندما نأكل كي لاتهر بقايا الطعام على " البطانيات " التي هي مكان جلوسنا ونومنا ... وحديثنا .. ونقاشاتنا بالصوت الخافت الممنوع .
ناقشنا الموضوع كثيرا انا وابو فتحي واحمد .. كان هشام الاختيار يطلب مني ان اعمل لشق صفوف الحزب ، وفي كل مرة يجري معي التحقيق كان المحققون يستغبوني ، يقولوا : " سيادة العميد عرض عليك عرضا مغريا ، لماذا لاتقبل وتخرج .. ؟ " لكن كنت مصرا على الصمود وعدم القبول بالحرية مقابل طعن الحزب من الخلف .
ومع طول المدة في القاووش الذي بقي عدد نزلاءه 180 معتقل كل تلك الفترة ، وانتشار القمل والجرب أصبحت فكر بطريقة مناسبة للخروج والهرب خارج البلد .
خطرت على بالي فكرة الخروج بشرط فتح جمعية ثقافية كردية ، فقبل اعتقالي كنت اشتري كل موسم مجموعة ورود من مشتل بآخر الحي ، من بساتين " الدايرة" التابعة لمنطقة ابو جرش " بيت بطراز بناء عربي أي ثلاثة غرف ومنافعها تتوسطها باحة كبيرة ، اصبحت اخطط أن اقبل بفتح الجمعية فيه على ان تكون الجمعية ثقافية ، فيها قسم لتعليم اللغة الكردية وغرفتان افتحهما على بعض ليصبحا صالونا كبيرا نقيم فيه الندوات الثقافية والتاريخية والأدبية ، ولما كنت اردد على المشتل كثيرا اصبح صاحب المشتل صديق حتى انه عرض علي بيعه للبيت بثمن اربعين الف ليرة قبل اعتقاللي ، لكن لم يكن لي فيه مأرب لذلك لم أحاول شراءه في تلك الفترة .
كنت في تلك الفترة اتردد عليه واشتري الوردو لأضعها في البلكون والتراس في البيت ، كنت اقول لنفسي وسنعلق فيها صورة للمقبور حافظ أسد ، ثم اهرب الى الخارج لكن ستبقى الجمعية قائمة ، وعندما سيحلونها سيطالب ابناء الحي بإاعاد فتحها وسيتجدد نضال مطلبي حول الجمعية وإلاقها والمطالبة بفتحها ، لأن النظام ضد وجود جمعية كردية رغم وجود جمعيات للأقليات القومية في دمشق كالجمعية الأرمنية ، والجمعية السريانية والجمعية الخيرية الشركسية لكن لاتوجد جمعية كردية لا في دمشق ولا في اي مدينة سورية أخرى ..
بقيت أناقش الفكرة بيني وبين نفسي بالبداية ، واحسب كل خطوة قادمة .. أي كيف يمكن فتح الجمعية وأهرب خارج البلد ، كيف يمكن أن نستفيد من هذه الخطوة قوميا ، وكيف ستغلقها السلطات الأمنية وكيف سيطالب الأهالي بإعادة فتحها وهكذا .. إلى أن طرحت الموضوع على زميلي في المعتقل " أبو فتحي" (1) الذي شجعني على الفكرة والهروب الى الخارج ، وأشار لي ان اذهب الى السيد " ابو مجدي " عضو في المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين واطلب منه المساعدة في ايصالي إلى لبنان ، ومن ثم سأجد الطريقة المناسبة لوصولي إلى إحدى الدول الاشتراكية لأتمام دراستي الجامعية بمنحة كالمنح التي كنا نساعد بها رفاقنا وأصدقاء حزبنا في تلك الفترة .
انتظرت الفرصة المناسبة حتى يمكنني طلب لقاء المحقق وكان برتبة مقدم من السجان ، قلت له قل للمقدم أن ربحان يريد مقابلتك ، وفعلا طلبت من سجان لقب نفسه باسم " ابو علي " ولم تمضي خمسة دقائق حتى طلبني المحقق على الفور .
ربط السجّـان يدي ووضع الطماشة على عيني وامسك يدي ليوصلني لعند المحقق الذي امره برفع الطماشة ، وقال لي اجلس ، ماذا تريد أن تقول ؟
قلت له : فكرت مليا َ ووجدت أن افتح جمعية كردية نعلق فيها صورة السيد.
أجابني : لا ، لا
جمعية لانريد ، نريد حزب ونحن سننزل اسمك في قائمة الجبهة الوطنية للمرشحين لمجلس الشعب وسننجحك .
قلت معناها مافي طريقة أخرى لاطلاق سراحي إلا الانشقاق .
مرة أخرى قال : مو بشان اطلاق سراحك ، إذا بدك تعمل هالشي لنطالعك ، مارح نطالعك .
قلت طيب رح نعمل حزب .
قال انت ومن ؟
قلت أنا وحسن صالح (2) .
قال : سأرفع طلبك لسيادة العميد ، نادى السجان وأمره بإعادتي إلى القاووش .
في صباح اليوم التالي وكنا مصفوفبن بالدور للخروج إلى الحمامات " التواليتات " صاح السجان : ربحان رمضان ضب اغراضك .
أصابتني دهشة وخطرت ببالي الكثير من الأسئلة .. هل هو اطلاق سراح ، أم نقل إلى فرع مخابرات آخر ..
أعطاني السجان البسة لشخص آخر ، واضح بأنه معتقل مسن ، لقد اخذوا مني كل حاجياتي ، منها في الأمانات " الساعة ومحفظة النقود وكان فيها لما دخلت المعتقل حوالي الف ليرة سورية وقشاط البنطلون ، اما الألبسة فقد أخذوها بدون وصل امانات ولذلك اعطوني البسة أخرى ، أعتقد تماما بانهم اخذوا البستي لمنازلهم حيث كانت البسة انيقة وخاصة ربطة العنق والحذاء ..
ثم امسكني من يدي ليوصلني الى ضابط التحقيق حيث سمح لي بالجلوس وقال لي سنوصلك بسيارتنا ، فقلت له على الفور اشكرك انا سآخذ تكسي .. لكن ارجو أن تسمح لي بالاتصال بأهلي تليفونيا .
في الحقيقة اني كنت قد خططت بأني سأذهب اولا الى سوق الحميدية لأشتري البسة نظيفة ، واذهب الى حمام السوق لأغتسل من ادران المعتقل سيما وأن رائحة اجسام المعتقلين وانا واحد منهم تفوح منها رائحة العرق والرطوبة .
قلت للمحقق لكن ارجو منك السماح للاتصال باخوتي كي يخبروا أمي بأني سآتي بعد قليل ، قال لي اعطني الرقم وانا اتصل ، فاعطيته رقم بيت اختي ..
امسك التليفون وضرب الرقم فجاوبته ابنة أختي ، قال لها : نحن فرع المخابرات تفضلي احكي مع خالك !
رأيت أن انتفض ، تغير لونه ، سألته ماذا حدث ؟ قال : جاوبتني : " كول خرا ، وأغلقت اليلفون بوجهي " كدت ان اضحك فحبست الضحكة واعتذرت عنها قائلا انها فتاة صغيرة ، لاتؤاخذها ، وطلبت منه ان أكرر الاتصال ، فاعطاني التليفون وكررت الاتصال ، وطبعا الرقم لم يكن يظهر على الشاشة ، لأن هواتف المنازل في تلك الأيام لم تكن فيها شاشة بالاساس .
ردت علي ابنة اختي ، قلت لها : مرحبا خالو ..
لم تصدق ، أعدت الكلام : مرحبا خالو ..
رددت علي : خالو خالو وينك ؟
قلت لها سيفرج عني بعد قليل ، ارجو ان تذهبي لعند تيتة ، قولي لها سيأتي خالو بعد قليل ، وألقت التليفون .
تذكرت اني لا اريد احدا ان يعرف بأني خارج المعتقل حتى ارى أمي واهلي ..
طلبت منه تكرار الاتصال ، قال لماذا قلت لأقول لها ملحوظة هامة ..
اعطاني الهاتف ، اتصلت من جديد .. لم ترد على مكالمتي .. لأنها ذهبت مباشرة لعند جدتها تخبرها باطلاق سراحي ..
أعادوا لي أمانتي وهي محفظتي وفيها 1000 ليرة سورية ، قشاط البنطال ، ساعة اليد وقلم حبر باركر لا يزال معي حتى الآن وأنا في النمسا .
نادا للحاجب يوصلني لخارج المعتقل .. خرجت من الباب الرئيسي كأني غريب في بلدي .. مشيت على رصيف الطريق .. لوحت بيدي لسيارة تكسي فتوقفت سيارة اعتقد انها كانت نيسان .. صفراء ككل السيارات العمومية في سورية .. سألني السائق : وين بدك تروح ؟
قلت سوق الحميدية .
في الطريق سألني وبلهجة ساحلية : خير انشالله ، شو كنت عامل ؟
قلت له : مواطن طلب مطلب شرعي فرُمي بالمعتقل ..

حاول ان يسأل اكثر ، أشحت بوجهي نحو الطريق لأرى الناس يعيشوا ، يتحركوا ، يدبوا على الأرض ، يبحثوا عن فرص أفضل للحياة ..

لما وصلنا قرب تمثال صلاح الدين الأيوبي ، توقف السائق عن الكلام .. أعطيته اجرته ونزلت متجها إلى السوق .
دخلت اول محل للألبسة اخترت قميصا ، وبنطالا .. ثم في طريقي إلى حمام السوق اشتريت ايضا صندل وأسرعت الخطى لأتخلص من أدران المعتقل ورائحة عفونته .
في هذه اللحظات التي اكتب فيها ماحدث معي لم اعد اتذكر اي حمام دخلته !! هل هو حمام منجك بمحلة القباقبية ، أم حمام الملك الظاهر .. أم اني ركبت تكسي مرة أخرى إلى حمام البكري في باب توما كل ما اتذكره اني خلعت البسة المعتقل بالكامل ، وضعتها في كيس نايلون وطلبت من عامل الحمام ان يدلني على المزبلة لارمي الكيس فيها ، وجلست بمواجه الجرن اصب الماء صبا ...
ناديت العامل " المفرك " الذي يرسموه في دعايات الحمامات واعطيته عشرة ليرات وقلت له فرّكني ..
كانت اول مرة في حياتي اغتسل فيها بحمام السوق ، شعرت بنفسي كمن ينظف نفسه من أدران كل القذارات التي تضرب الناس في أقبية القمع ، يعني طلعت " إنسان جديد خلنج 3" .
خرجت ابحث عن تكسي نرة أخرى توصلني لأمي التي تركتها منذ أن اعتقلوني ولم اعرف عنها شيئا .. كانت في الخامسة والسبعين من العمر .. لا اعرف عنها شئ ، إلا أنها أصيبت بشلل نصفي قبيل اعتقالي بفترة سنتين تقريبا ، وعولجت وقد ساعدني في معالجتها طالة الاختصاص من الشباب الكرد أذكر منهم الدكتور عمران حمدي ، الدكتور أحمد ملا ، الدكتور عبد الحكيم بشار والدكتور علي وغيرهم .. حتى شفيت تماما ، لكن بعد اعتقالي ماذا حدث بها لا اعلم ..
سارعت الخطى ، استوقفت تكسي طلبت منه ان يوصلني الى شارع ركن الدين في حي الأكراد حيث تقيم أمي ..
لما وصلت مدخل البناء وجدتها تتوسط اخوتي وابناءهم وجميعهم هجموا علي يحتضنوني وأمي تبعدهم عني كي تستطيع ان تقبلني وتضمني وتبكي .. تبكي بكاء الفرح ..
لم اتصل بأحد من الرفاق لأني اريد أن أشبع من أمي التي حملتها همي طيلة فترة الاعتقال ..
نظرت إلى مكتبتي وجدتها فارغة إلا من عدة كتب مصفوفة .. سألت اخوتي عنها قالوا أن رفاقك (1) دخلوا أخدوا قسم منها والقسم الآخر حملهم اخوك بسيارة هوندا ليرميهم بعيدا فلاحقوه بسيارة أخرى واعتقلوه ومعه الكتب في معتقل آخر .. والقسم الثالث جاء صديقك " أبو زيد " الجوبراني يسأل عنك فقلنا له أن يرميها في نهر تورا .
بحثت بين الكتب والوثائق فوجدت أن سندات التمليك الخاصة بالبيوت والأراضي الزراعية و كتابات شعرية كنت اكتبها احيانا ومسدس اشتريته من المرحوم محمد كرو والبومات طوابع وصور وأشياء أخرى غير موجودة .. اعتقد أنها كانت بين الأوراق التي رموها اهلي في نهر تورا خوفا من ان تصبح وثائقا ضدي اثناء الاعتقال أو انها راحت مع مجموعة الكتب التي حملها اخي برهان ليتلفها فاعتقلوه ، وسرقوها .
في اليوم التالي أخذت أمي ومعنا ضرورات الســفر وخرجــنا ، أردت أن " أفسحها " وانسيها مرارة الحرمان قبل أن أغادر سوريا هاربا من احتمال اعتقالي لأني لن أساعد النظام في تفتيت حزبي ..
كانتا سفرتان الأولى الأولى كانت وجهة البحر ، حيث أخذت والدتي الى فندق بمدينة طرطوس ، مروراً بحمص ، وانتقلنا الى حمامات ابو رباح ثم عدنا إلى دمشق فاتصلت بالرفيق زهير علي وأخبرته الذي حدث معي ، ثم اتصلت بالرفيقين حسن صالح " مسؤول اللجنة المنطقية بالجزيرة " وسامي " مسؤول التنظيم الحزبي في جبل الأكراد " عفرين " .. وأخبرتهم بما حدث بالكامل وبخاصة الأستاذ حسن حيث اخبرته اني ذكرته في محضر التحقيق وكيف اني وافقت مؤخرا على شرطهم في انشقاق .. وتابعت اقول له ، لكني لن افعل وسأغادر الوطن .
قال لي : ابقى وسنحميك .
قلت لن اساعد هذا النظام في ضرب حزبي .. لن ابقى ، لكن سأزور الجزيرة وعفرين لأودعها وأودع الرفاق الذين ناضلت الى جانبهم .
وبالفعل اخذت والدتي وسافرنا الى عفرين وإلى الجزيرة أودع الأرض والناس دون أن اخبر احد بما انوي .. ثم عدت إلى دمشق ، وفي الفترة القصيرة تلك قمت باستخراج بدل عن ضائع لسندات التمليك ، وكتبت وكالة عامة لأحد الاخوة ليتصرف بملتلكاتي عندما احتاج لمال وانا في بلاد المنفى ..
في تلك الفترة كنت اتردد لعند والدتي لأني لم اكن انام في بيتي بل عند رفاقي الحزبيين أتذكر اسم احدهم وأكن له كل الاحترام واشكره على مساعدته لي وهو الرفيق محمد شريف ، وعندما اكملت تلك المعاملات صرت ابحث عمن يوصلني الى لبنان ، لأني بالأساس ممنوع من السفر كما اسلفت وذلك منذ 11/نيسان 1979 .
حاولت بالبداية أن اسافر الى كردستان العراق التي كانت في حالة ثورة ضد نظام صدام حسين ، فالتقيت بالأخ عدنان المفتي الذي كان يعيش بدمشق " المهاجرين" ويشغل عضوية اللجنة المركزية في الحزب الاشتراكي الكردستاني الذي كان يتزعمه المرحوم رسول مامند ، إلا أن كاك عدنان اعتذر قائلا انت معروف رفيق ابو جنكو ولا يمكننا ايصالك الى كردستان .
فكرت في طريق آخر وهو السفر إلى أية دولة اشتراكية لحزبنا فيها منح دراسية ، لآستفيد بالفترة التي ابقى بها في الخارج علميا ورسى تفكيري السفر الى جمهورية بلغاريا الشعبية حيث يتواجد فيها عدد كبير من رفاقنا الطلبة .
في تلك الفترة زارني السيد " ع.ت " الذي كان عرفني عليه أبو ديلبر قبل اعتقالي بفترة سنتين مهنئا ..
كان هذا الرجل يتردد علي في فترة كان فيها ملاحقا ، لم يوضح سبب ملاحقته وصور لي ولرفاقي امره بأنه رجل مسكين حكمت عليه المحكمة حكما دائا وظالم .
في عام 1985 وكان الرجل ملاحقا طلبت منه مساعدتنا في الاشراف على فرقة كاوا قبيل الاحتفال بعيد نوروز عام 1985 حيث جرت محاولة من رفيق في إحدى الهيئات الحزبية لخرق تنظيمي فساعدنا الرجل وكان متخفيا من السلطات لحكم قضائي – غيابياَ عليه ..
قيل لي من جانب الرفيق أبو ديلبر بأنه حكم غير عادل وأن المجموعة التي قبض عليها اعطته مبلغ 25 الف ليرة سورية على ان لايحضر المحاكمة ، ولما جرت المحاكمة جرّمته المحكمة بكل الاتهامات التي وجهت لزملاءه فخرجوا كالشعرة من العجين وحكمت المحكمة عليه لفترة عشر سنوات سجن .
كنا نشفق على حاله على انه وكما أخبرنا لم يكن قد قام باي عمل يخل بالقانون ، ساعدناه في طلب العمل والسكن ، حتى اننا في عام 1985 عملنا " فزعة " و تطوعنا كمجموعة فبنينا له بيتا في وادي المشاريع قرب دمشق .
في فترة قبل الاعتقال رفعت طلب انتسابه إلى قيادة الحزب فرقضوا الطلب ، فأبقيناه صديق ..
بعد إطلاق سراحي جاءني ورجاني بعد أن عرف بأني سأهرب إلى أي مكان خارج الوطن أن أساعده في الوصول معي إلى لبنان فقط ووعدني في أنه سيتدبر أمره بنفسه بهدف السفر الى فرنسا ليتخلص من حالة الملاحقة ، وكان الوصول الى لبنان مغامرة كبيرة بالنسبة لي وله ايضا .
وعدته أن أوصله معي ، واصطحبته الى مكتب الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين محاولة مني أن يساعدونا في الخروج من دمشق ، ولأننا في عمر أكبر من ان نكون طلبة ، نسعى للمنح الدراسية طلبت من " الرفيق " ابو مجدي الذي كان يشغل عضوية المكتب السياسي للجبهة أن يوصلنا الى لبنان ، بحجة اننا سنسافر للدراسة في مدرسة حزبية كمنحة من الدول الاشتراكية .
ابو مجدي ايضا اعتذر منا ، كما اعتذر مني كاك عدنان مفتي وقال لنا ، " اوصلوا على لبنان ، والباقي علينا " خاف أن تعرفني حواجز المخابرات المنتشرة على طول الطريق المؤدية إلى بيروت كما كل الطرق في سوريا ...
رحت ابحث عن مجموعة ثورية أخرى توصلنا الى لبنان .
التقيت بعد ذلك بالأخ " عابدين" المسؤول عن منظمة اسمها ( منظمة طريق الأنصار " Partizan Yul " وهي منظمة ثورية مكونة من الكرد والترك متحالفة مع حزب العمال الكردستاني والجبهة الشعبية لتحرير تركيا المعروفة باسم " عاجلجيلر " أي المستعجلون .) وطلبت منه أن يوصلنا الى منطقة البقاع اللبنانية فوعدني مباشرة ، ولما طلبت منه ان يوصل صديقي الآخر اعتذر ..
مرة أخرى طلبت منه ، ايضا فاعتذر ايضا ، في المرة الثالثة دعوته الى بيتنا الصيفي في جمرايا هو ورفيقيه المتواجدين معه دائما في دمشق وخلال تناولنا الطعام رجوته ان يساعد رفيقي الذي شاركته في بيتي هذا طيلة فترة التخفي بعد إطلاق سراحي فرضي عبدين ورفاقه ايضا واتفقنا أن نسافر في اليومين التاليين ، لكن رفيقي اعتذر على السفر مباشرة بحجة انه يريد السفر إلى القامشلي ليودع عائلته بالرغم انه كان دائما يستعجلني للخروج من دمشق حيث كنت أخرج بدل ضائع عن السندات الخاصة اأملاكي والتي ضاعت بين الكتب التي رماها الصديق ابو زيد في نهر تورا .
ذهبت أزور أمي وقلت لها أني سأسافر الى القامشلي خوفا عليها من الزعل ، وطلبت منها مالا إذا كان لديها فقدمت لي مبلغ صرفته من شركة نحاس وكان السيد "ع.ت" معي بثلاثة آلاف وخمس مئة دولار ، وتنازلت لوالدتي عن حصة لي في فندق الشام حيث اشترينا معا قبل اعتقالي اسهما فيه وكان سعر السهم في البداية خمس مئة ليرة سورية لكن المبلغ ارتفع فيما بعد وذلك لهبوط سعر الليرة فاصبح السهم بمبلغ الف ليرة سورية .
جاءني رفاق منظمة بارتيزان يول ووعدوني بأن ننطلق في التالي من منطقة مساكن برزة .
وفعلا كنت في موعدي المحدد في اليوم التالي فسافرنا إلى الحدود " لم اعد اتذكر من اي نقطة مررنا تماما " ومن هناك عبر الجبل مشينا مشيا حتى وصلنا الأراضي اللبنانية ، واكملنا الطريق مشيا على الأقدام حتى وصلنا إلى معسكرهم في منطقة جبلية داخل الأراضي اللبنانية .
رحبوا بي ، وأقمت عندهم اسبوع حتى وصل الرفيق عبدين الذي امر رفاقه بتوصيلي إلى مكتب الجبهة الديمقراطية في مدينة بر الياس في سهل البقاع على أن يأتوا بالسيد م.ع.ت فيما بعد عندما يعود من القامشلي .

رحب بي مسؤول المكتب " أبو حسين " ترحابا بالغا ، وطلب من رفاقه أن يؤمنوا لي المأوى المناســـب عندهم ، وأن يعامــلوني معاملة الضيف " الثوري" وقد قدرّت هذه المساعدة كثيرا ، ولحسن حظي أني في تلك البلدة الصغيرة التقيت بأناس اعرفهم وهم ابناء عائلة كردية من دمشق تربطهم صلة قربى باشخاص أكن لهم الحب والتقدير والاحترام بحي الأكراد كانوا يقيموا الى جوار المكتب تماما .. قمت بزيارتهم وأصبحت أدعو ابنهم الذي صدف واعتقل معي لمدة شهر واحد على خلفية غير سياسية لشرب فنجان قهوة في مقهى البلدة معي .

- (1) عرفت فيما بعد أن الرفاق في منظمة حزب البارتي بدمشق وهم : المرحوم محمد خير وانلي " أبو جنكيز وابنته ، والأخ عبد الرحيم وانلي " أبو نوزاد " دخلوا بيتي وأخرجوا النشرات الحزبية وآلة الكاتبة ، وخلال
مؤتمر اللقاء الكردي – الكردي في مدريد عام 2014 التقيت بالدكتور عبد الحكيم بشار وقلت له : الله يرحم ابو جنكيز اللي دخل بيتي وأخرج الوثائق السياسية الهامة . أجابني على الفور : أنا كنت معه ، أراقب الطريق العام .
- (3) خلنج يعني جديد جدا َ باللهجات السورية .
تتبع ..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماذا تكشف الفنانة يسرا عن مسلسل #حرب_أهلية | #مع_جيزال


.. #أمل_طالب تجبر الفنان الفلسطيني إياد طنوس على الغناء في تحدي


.. مسرحية جورج_خباز: ايه بس عم بصيبونا إلنا، صار فيي 7 بواخيش غ




.. كيف يؤثر ترشيح المسلمين للأوسكار على تحسين تمثيلهم في الأفلا


.. من موريتانيا.. مقابلة مع الفنانة وردة منت همد فال