الحوار المتمدن - موبايل


تاريخ الدين: الدين في منطقة الفولغا وغرب جبال الأورال

مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)

2020 / 10 / 5
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


الكاتب: سيرجي الكساندروفيتش توكاريف

ترجمة مالك أبوعليا

تُعتَبَر الروافد الوسطى لنهر الفولغا من بين الأماكن في أوروبا حيث كانت تُمَارس الأشكال المُبكرة من المُعتقدات الدينية لفترةٍ طويلة بشكلٍ خاص (ولا تزال كذلك الى حدٍ ما). ان الشعوب التي تعيش هناك هي الموردوفيون Mordvinians والمارييون Mari، والأدمورتيون Udmurts (المجموعة الفنلندية-الاوغرونية) Ugro-Finnish group والتشوفاش Chuvashes والتتر والبشكيريين Bashkirs (المجموعة التركية). انتقلت بعض هذه الشعوب الى الاسلام بين القرنين الرابع عشر الى القرن السادس عشر (منذ عهد خانات قازان)، وتحول البعض الآخر الى المسيحية من خلال المُبشرين الروس، خاصةً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. لكن حتى اولئك الذين مارسوا أياً من الديانتين، فقد حافظوا على العديد من مُعتقداتهم الشعبية وذلك لأن التطور الاقتصادي-الاجتماعي لشعوب الفولغا كان بطيئاً للغاية قبل ثورة اكتوبر عام 1917. ظلت بقايا العشائرية ونمط حياة المُجتمع موجودةً حتى نشوء الحكومة السوفييتية.
كما كان الحال مع شعوب القوقاز، تركزّت مُعتقدات شعوب الفولغا في المقام الأول حول موضوعين رئيسيين: العبادة الزراعية المُتعلقة بالتنظيم الزراعي-المُجتمعي، والعبادة العائلية-العشائرية للأسلاف. كانت الأشكال الأُخرى من المُعتقدات الدينية المحلية، ثانوية.
تم توقيت الطقوس السحرية-الدينية للدورة الزراعية، كما كان الحال مع الشعوب الأُخرى، لتتزامن مع أهم الأحداث في العام الزراعي. في الشتاء، عندما كانت الشمس تنحو باتجاه الربيع، يجتمع الناس معاً للتنبؤ بالمستقبل، ولا سيما الحصاد المُستقبلي. كان هذا يتضمن دائماً العديد مسابقات الترفية واللعب الذي كان يقوم بها الشباب. أطلق عليها الماريين والتشوفاشيين اسم مهرجان "أطراف الأغنام"، لانه كان يتم اجراء التنبؤات بناءاً على لون صوف الأغنام الذي كان الشخص يقصه ليلاً بشكلٍ عشوائيٍ في حظيرة الأغنام.
كانت اجازة الربيع المُرتبطة بالحرث والبَذر مُثيرةً بشكلٍ خاص. تم اعداد طعامٍ خاص لهذا المهرجان-الفطائر والكيك والبيض المسلوق والبيرة، وكان الناس يلبسون ثياباً نظيفةً استعداداً للمهرجان. جرت الاحتفالات اما في المزارات الشجرية المُقدسة Sacred Grove (لكل مُجتمعٍ مزار شجري خاصٌ به) أو في حقلٍ ما. كان يتم التضحية ببعض الطعام اما للأرض الأم (يضع الأدمورتيين البيض في أخاديد صغيرة في الأرض تُصنع بالمحراث)، أو لاله أو آلهة (يُلقي الماريون فُتاتاً من الطعام في النار، ويُعلق الموردوفيين سلة طعامٍ على شجرة عالية). ان استخدام السحر المُقلّد في هذه الطقوس واضح: على سبيل المثال، كان من المُفترض بالبيض، كرمزٍ للخصوبة، أن ينقلها، أي ينقل الخصوبة الى الأرض. في بعض الأحيان كانت الطقوس تُقام اسطورياً، على سبيل المثال، اعتبر التشوفاشيون أن الزواج بين المحراث والأرض هي أمرٌ غامض. كان يُفترض من المهرجانات الصيفية التي تم توقيتها حتى موسم البذار، أن تجلب المطر.
كان السُكّان يفرضون محرماتٍ عديدة عندما كانت النباتات تزدهر حاملةً بذارها التي بدأت تنضج: فقد كان ممنوعاً حفر الأرض، وبناء أي شيء، وقطع الأخشاب، وما الى ذلك، من أجل عدم ازعاج الأرض التي كانت تُعتَبَرُ حاملاً في هذا الوقت. كانت الفكرة من هذه التابوهات والأضحيات هي حماية المحصول من الأضرار التي تُسببها العواصف الرعدية والبرد وغيرها من الكوراث الطبيعية.
بعد جمع الحصاد، يُقدم الناس ذبائح شكراً للآلهة، ولم يكونوا يأكلوا من الحبوب والقطاف الا بعد ان يقوموا بذلك. كان ذلك في الأساس انهاءاً احتفالياً للتابوهات والتحريمات. تم الحفاظ على أشكال العبادات العائلية-العشائرية بشكلٍ واضحٍ بين شعوب منطقة الفولغا، وخاصةً الماريين والأدمورتيين. كانت عبادةً للأسلاف الى حدٍ كبير: كانت هذه العبادة واضحة بشكلٍ خاص في العادات العائلية أو العشائرية حول مآدب الطعام المُقدمة للموتى، وهي عادات لا يزالون يلتزمون بها حتى اليوم. تضمنت عادات الدفن لدى شعوب الفولغا، بالاضافة الى العديد من الشعوب الأُخرى، خوفاً خُرافياً من الأموات، لكن عادات الدفن عَكَسَت موقفاً مُختلفاً تماماً، اي الاهتمام بالميت، وفي نفس الوقت، الرغبة في استرضائهم والحصول على رعايتهم.
أُقيمت الولائم المُقدمة الى الأموات في أوقاتٍ مُختلفة لاعادة تزويدهم بالطعام والشراب. وكانت عائلاتهم تقوم بذلك في اليوم الثالث والسابع، واليوم الأربعين، وفي الذكرى السنوية الأولى بعد موتهم. تم عقد ولائم عامة تقوم بها العشيرة بأكملها في الربيع، ويوم الخميس من الأسبوع المُقدس. كانت الفكرة الرئيسية في جميع الحالات هي نفسها: دعوة الأموات الى العشاء والمشاركة في العيد والأكل والشرب مع الجميع، والطلب منهم أن يكونوا لطيفين ومفيدين لأقاربهم وأحفادهم الأحياء.
في العائلة، كان أحد الأقارب يرتدي ملابس الميت ويتظاهر بأنه ذلك الشخص. في بعض الأحيان يلعب القريب الدور تماماً لدرجة أنه، يقول أنه يستطيع أن يصف ما يفعله قريبهم الميت في العالم الآخر.
لكن العبادة العائلية-العشائرية لم تقتصر على عبادة الأسلاف فقط. كان لكل عائلة وصيها Guarian الخاص، اي مزار عائلي مُقدس يتم الاحتفاظ به في مكانٍ خاص، اما في المنزل او في الفناء. كان مزار الادمورتيين عبارةً عن صندوقٍ من لحاء البتولا Birch Bark، أو اي شيء آخر. بالنسبة الى التشوفاشيين كان المزار دُميةً أُنثى في العادة. بالنسبة الى الماريين، كانت مجموعةً من العيدان محفوظةً في هيكلٍ طُقسي. كانت كل عائلة تُقيم جلسات صلاة وتُقدم الاضحيات لأوصياءها.
كان لشعوب الفولغاء أيضاً جلسات صلاة عشائرية. كان يقود العشيرة كهنة مُنتخبون، وعادةً ما يكونوا أكبر أعضاء العشيرة.
الى جانب العبادات العائلية-العشائرية المُجتمعية والزراعية، استمرت شعوب الفولغا في مُمارسة عبادة الشامان القديمة، وان لم يكن بنفس القدر. على سبيل المثال، كان لدى الماريين، الى جانب الكهنة المُجتمعيين المُنتخبين (الكارتوف Kartovs)، عرّافين (موجان Muzhans) الذين كان من المُفترض أنهم يتمتعون بقدرات خارقة للطبيعة. يُفتَرَض ان الموجان يتواصل مع الأرواح الشريرة، ويُمكن أن يتسبب بالأمراض وعلاجها. كان هؤلاء العرافين مُهابين الى درجةٍ كبيرة. لعب نفس الدور عند الادمورتيين، العرّافين-الحالمين الذين يقدمون المشورة، بما في ذلك عندما يتعلق الأمر بانتخاب الكهنة. تواصلوا مع الآلهة والأرواح، وعرفوا المُستقبل من خلالها. لقد كانوا يقومون بذلك أحياناً عن طريق الوصول الى حالة من النشوة، مثل الشامان. كان لدى التشوفاشيين معالجون سَحَرَة، قدّموا نصائح وتعليماتٍ حول كيفية ووقت تقديم القرابين.
تختلف المُعتقدات الدينية للشعوب التي تقطن شمال شرق أوروبا- كومي زريان Komi-Zyrian وكومي برمياك Komi-Permiak- اختلافاً كبيراً عن تلك المُعتقدات الخاصة بشعوب الفولغا. هناك اختلافان رئيسيان: أولاً، تطورت أولى هذه المُعتقدات على اساس اقتصاد صيد الغابات، وليس على أساس الزراعة، كما كان الحال في منطقة الفولغا الوُسطى. ثانياً، أثّر الاستعمار الروسي على هذه الشعوب (أي البرمياك والزريان) في وقتٍ أبكر وبشكلٍ أكثر عُمقاً، وقد تحولوا الى المسيحية في أوائل القرن الرابع عشر. لذلك، كان للمعتقدات الشعبية الروسية، ناهيك عن المُعتقدات الأرثذوكسية الروسية، تأُثير كبير هناك.
كانت طقوس الصيد وصيد الأسماك مُهمةً جداً لمُعتقدات هذه الشعوب. كان الكومي صيادين رائعين، وبما أن مخاطر الفشل مُرتبطةً بالصيد دائماً، فقد حافظ الناس على خرافاتهم القديمة ومُحرماتهم. كانوا يصطادون في مجموعات تعاونية (أرتيلات (Artels يرأسها رجل (سيد) كان يجب أن يكون مشعوذاً، يُفتَرَض أن ميزته هذه كانت تُساعده في العثور على مناطق الصيد الوفيرة وضمان نجاح الأرتيل. اعتادت الأرتيلات المُختلفة على التنافس مع بعضها البعض، وحتى كانت بينهم علاقات عدائية. ومن هنا جاء الاعتقاد بأن المشعوذين الذين يرأسون الارتيلات، كانوا يُحاولون اعاقة نجاح الأرتيلات المُنافسة. كلما كان لدى الأرتيل مشعوذ أفضل، فان صيده سيكون بالتالي أفضل. كان الايمان بأرواح الطبيعة مبني على اقتصاد الصيد وصيد السمك.

ترجمة للفصل التاسع من كتاب:
History of Religion, Sergei Tokarev, Translated From Russian To English by Paula Garb, Progress Publishers, Published 1986, Translated 1989.
Chapter Nine: Religion in the Volga Region and the Western Urals








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حفل منظمة بريطانيا للحزب الشيوعي العراقي لذكرى تأسيس الحزب 8


.. إيرلندا الشمالية: تجدد الصدامات بين متظاهرين والشرطة في بلفا


.. إيرلندا الشمالية: تجدد الصدامات بين متظاهرين والشرطة في بلفا




.. لقاءات الاشتراكي: 9: آدم هنية


.. موسى شيخو: لا تمويل دولي لسد النهضة إنما محلي من جيوب الفقرا